
تُوجت دانية بلقب بطلة كأس الشرق الأوسط باها لعام 2024، بعد أن اجتازت التضاريس الوعرة، وحطمت الصور النمطية لتصبح مصدرا للإلهام للنساء في جميع أنحاء العالم.
الطريق إلى المجد: موسم 2024 والفوز بالبطولة
أضاف موسم السباقات لعام 2024 فصلًا مهما إلى مسيرة دانية الزاخرة. فقد كان عامًا حافلًا بالمنافسات الشرسة والتحديات القوية، التي انتهت بفوز مشرف. وقد عكس أداء دانية المتميز طوال الموسم تألقها وتقدمها كسائقة وقدرتها الدائمة على القيادة بتميز حتى تحت الضغوط. فمنذ السباق الافتتاحي للموسم، أبدت دانية مستوى مميز من الأداء والمهارة كتب لها التفوق على الأقران. ومع توالي السباقات، كانت دانية تحصد المراكز المتقدمة، فتجمع نقاطا مهمة وتبني زخما قويا. وكانت قدرتها على اجتياز التضاريس الوعرة، من الصحاري القائظة إلى الممرات الجبلية الوعرة، تخبرنا دوما أن دانية لم تأتي كي تشارك في الحدث وحسب، بل كي تحصد الفوز.
وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق الفوز في بطولة باها لعام 2024 لم يكن بالأمر اليسير؛ بل كان ثمرة سنوات من العمل الجاد، وساعات مطولة من التدريب، وروح لا تقهر. وفي آخر سباقات الموسم، حيث كان اللقب على المحك، قدمت دانية أداءً استثنائيًا. وعندما عبرت خط النهاية، لم تكن دانية تقتنص الفوز في السباق وحسب، بل كانت تجمع النقاط التي كانت تحتاجها كي تتوج بلقب البطولة، وتحفر اسمها في سجلات تاريخ رياضة السيارات بحروف من نور.
https://www.youtube.com/watch?v=j7eg04kjOWU
وتتذكر دانية لحظة عبور خط النهاية فتقول : ” كان شعورًا لا يوصف. فكل سنوات العمل الجاد، والتحديات، والشكوك، تكللت بتلك اللحظة. لم يكن الأمر مجرد حصادا للفوز؛ بل كان انتصارًا لكل من آمن بي ودعمني خلال رحلتي.”

دانية عقيل ومساعدها ستيفان دوبل مع كؤوس بطولة الشرق الأوسط باها لعام 2024. حقوق الصورة: © دانيةعقيل
نجاحات وإخفاقات ودروس مستفادة
لم يكن طريق دانية إلى قمة رياضة السيارات سلسًا. فمثل أي رحلة يخوضها المرء نحو المجد، عاشت دانية لحظات انتصار مفرحة وإخفاقات ملهمة. وسواء هذه أو تلك، كانت كل هذه اللحظات بمثابة قوة دافعة لبطلتنا كي تتوج بلقب البطولة. بدأت دانية مسيرتها في سباقات الدراجات النارية، لكنها انتقلت إلى حلبة سيارات الرالي في عام 2020 عندما تراجعت فرص المشاركة في سباقات الدراجات بسبب جائحة كوفيد-19. كان تحول دانية إلى مضمار سيارات الرالي بمثابة مخاطرة واضحة ولكنها أتت بالثمار المرجوة بعد أن حققت فيه نجاحا مستحقا. ففي عام 2021، اعتلت دانية المنصة لتثبت لنفسها والعالم أجمع أن بإمكانها أن تحتل مكانا بين أبرز سائقي الرالي العالميين. وبالطبع لا تعني النجاحات أن مسيرة دانية تخلو من لحظات الإخفاق. ففي بداية مسيرتها الرياضية، شكك البعض في قدرة بطلتنا على المنافسة على القمة. فكانت هناك إخفاقات في لحظات حاسمة، وحوادث وضعت عزيمتها أمام اختبار حقيقي، ناهيك عن الضغوط المستمرة الناتجة عن كونها رائدة في مجالها. إنها تلك الأوقات العصيبة التي أظهرت شخصية دانية الحقيقية وصقلتها. فقد جعلت دانية من كل نكبة تعرضت لها فرصة للتعلم، فحللت الأخطاء وراحت تعمل بلا كلل كي تصلحها. وخرجت دانية من كل هذه الأوقات العصيبة بدروس مستفادة لا تقدر بثمن. فقد استطاعت أن تكون لديها قوة ذهنية ومرونة توظفها بمهارة في المواقف التي تكثر فيها الضغوط. كما تعلمت أهمية بناء فريق قوي تثق فيه حولها. والأهم من ذلك كله، أنها أدركت أن النكبات ليست إخفاقات، بل مجرد حجر عثرة في الطريق المؤدي إلى النجاح. ولعل أهم درس تعلمته دانية كان قوة المثابرة. ففي رياضة يُقاس فيها الفارق بين الفوز والهزيمة بجزء من الثانية، أصبحت قدرة دانية على الحفاظ على تركيزها والتغلب على الشدائد ضمن أعظم الإمكانيات الفريدة التي تمتلكها بطلتنا.من الشغف إلى البطولة
ماذا عن إعتلاء دانية منصة التتويج واكتساب كل تلك الشهرة؟ كي نفهم ذلك دعونا نعود إلى جذور بطلتنا. ولدت دانية في 26 سبتمبر 1988 ونشأت في جدة بالمملكة العربية السعودية، وانتقلت إلى المملكة المتحدة أثناء دراستها الإعدادية، وحصلت على درجة البكالوريوس في التاريخ الحديث والسياسة من جامعة رويال هولواي في لندن، ثم أكملت دراستها لتحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال الدولية من كلية هولت للأعمال الدولية – وعادت إلى السعودية في عام 2016، وهو الوقت الذي كانت فيه المملكة تشهد العديد من التحولات الاجتماعية والثقافية. وقد لعبت عائلتها دورًا ملحوظا في رعاية شغفها برياضة السيارات منذ سن مبكرة. كانت بطلتنا في طفولتها مفتونة بالسرعة والإثارة، وكانت مشاهدة متابعة للسباقات الدولية على شاشات التلفاز. فأدرك والداها شغفها، وشجعا اهتمامها، على الرغم من أن مشاركة المرأة في مثل هذه الرياضات كانت نادرة إلى حد ما في ذلك الوقت. وجاءت نقطة التحول عندما وضعت دانية يدها لأول مرة على دراجة نارية. فقد كان شعور الحرية والبهجة الذي أحست به بمثابة الشعلة التي أنارت لها مستقبلها وشكلته. بدأت دانية مسيرتها بالمشاركة في الفعاليات المحلية، فصقلت مهاراتها وعززت ثقتها بنفسها. https://www.youtube.com/watch?v=uKypFHwHFxo ظهرت موهبة دانية جلية منذ بداياتها، وسرعان ما بدأت تسطر لنفسها اسما لامعا على ساحة السباقات المحلية. كما شاركت بطلتنا في بطولة البحرين بي إم آر 600 . ولكن قبل نهاية العام، أجبرها حادث تعرضت له في حلبة السباق على التراجع وقضاء بعض الوقت في التأمل والتفكير في حياتها. وقد سجلت تلك الأفكار في كتاب نُشر تحت عنوان “سقوط حر”. وبعد أن تعافت دانية، انضمت إلى عالم سباقات الرالي، وكانت أول امرأة سعودية تشارك في مسابقة رالي دولية. وقد مثل انتقال دانية من الدراجات النارية إلى مضمار سيارات الرالي في عام 2020 لحظة محورية في مسيرتها. لم يكن إتقان مجال جديد وتحقيق التميز فيه بالأمر اليسير، لكنه فتح أيضًا مجالا لفرص جديدة. وكانت سباقات الرالي الدولية، المعروفة بوعورة التضاريس وتنوعها عبر بلدان مثل الأرجنتين والمغرب والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وجنوب إفريقيا، تتناسب وروح دانية المغامرة وعقلها الذي يعشق التخطيط ووضع الاستراتيجيات. تقول دانية: “كان التحول من المركبة ذات العجلتين إلى المركبة ذات الأربع عجلات بمثابة قفزة مفعمة بالايمان. كان الأمر أشبه بتعلم لغة جديدة. لكن هذا ما أحبه في رياضة السيارات – فهي تدفعك باستمرار إلى تخطي حدودك وتقبل التحديات والتكيف والتطور”. وفي عام 2021، كانت دانية أول امرأة تشارك في رالي دولي وتحصد الفوز، فقد فازت بكأس العالم لسباقات باها فئة T3 بعد أن خاضت خمس جولات واحتلت المركز الأول في سباقات السعودية والأردن، والثاني في المجر، والثالث في بولندا، والرابع في الجولة النهائية في إيطاليا. وفي العام نفسه، احتلت دانية المركز الثامن في رالي داكار 2022 الفئة T3.
حقوق الصورة: دانية عقيل

تم اختيار دانية عقيل كأفضل رياضية لعام 2021 من قبل اللجنة الأولمبية السعودية لفوزها التاريخي بكأس العالم لسباقات الباها عبر البلاد في الفئة T3
دانية ترسم الطريق للنساء في رياضة السيارات
إن ما حققته دانية من نجاح وتألق في رياضة السيارات ليس جديرا بالملاحظة بسبب حجم هذا النجاح وحسب، بل أيضًا بسبب العقبات التي كان على بطلتنا التغلب عليها. فلأنها امرأة تتألق في مضمار يهيمن عليه الرجال منذ القدم، كان عليها مواجهة تحديات فريدة من نوعها.
تظهر دانية عقيل عند خط النهاية في رالي المغرب 2024 في منكوب، المغرب، في 11 أكتوبر 2024. حقوق الصورة: © كين مارسين، مجموعة محتوى ريد بول

تظهر دانية عقيل في المرحلة الثانية من رالي المغرب 2024 في زاكورة، المغرب، في 8 أكتوبر 2024. حقوق الصورة: © كين مارسين، مجموعة محتوى ريد بول
وفي الشراكة قوة…
لقد كانت شراكة دانية مع عبد اللطيف جميل و جميل لرياضة المحركات من العوامل المهمة
والمؤثرة في نجاحها وتألقها، فقد أمَنت لها الشركة الموارد والخبرات اللازمة للتنافس على القمة.

من اليسار إلى اليمين، حسن جميل، نائب رئيس مجلس إدارة عبد اللطيف جميل في المملكة العربية السعودية، وعبد الله باخشب، مالك مؤسسة اي بي (ونائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية سابقا)، وبطلة رياضة السيارات دانية عقيل في حفل الإعلان عن شراكة جديدة في جدة، المملكة العربية السعودية، فبراير 2022. حقوق الصورة: © عبد اللطيف جميل
ما وراء حلبة السباقات
تثير إنجازات دانية داخل حلبة السباقات إعجاب الكثيرين، لكن كل تلك الإنجازات ما هي إلا جزء صغير من قصة كبيرة. فدانية شغوفة بالقراءة، تجد الإلهام والاسترخاء بين صفحات الكتب، وخاصة السير الذاتية للقادة الناجحين والمبتكرين والرياضيين. كما أنها من عشاق اللياقة البدنية، فهي تحافظ على نظام تدريب صارم حتى خلال فترة الراحة خارج الموسم من أجل ضمان أن تكون دائمًا في أفضل حالة للسباق. https://www.youtube.com/watch?v=2J5aHmINDRU وبعيدًا عن عالم السباقات، تملك دانية شغفًا كبيرًا بالتعليم وتمكين الشباب. فهي كثيرا ما تتحدث في المدارس والجامعات، فتنقل تجاربها للشباب، لاسيما الفتيات، وتشجعهم على متابعة شغفهم دون خوف. كما أنها تُشارك في مبادرات خيرية متنوعة، لا سيما تلك التي تركز على اتاحة الفرص للشباب من الفئات المحرومة لتجربة رياضة السيارات.
دانية عقيل: عزيمة وإصرار. حقوق الصورة: © كين مارسين، مجموعة محتوى ريد بول
الطريق أمامنا: الطموحات لعام 2025 وما بعده
تتطلع دانية إلى عام 2025 وما بعده. فعلى الصعيد الرياضي، تهدف بطلتنا إلى الدفاع عن لقبها في البطولة والدفع بنفسها إلى أقصى الحدود مرة أخرى في بطولة العالم، وبطولة الشرق الأوسط، وبطولة السعودية.
دانية عقيل في بداية رالي المغرب، المحطة الخامسة من بطولة العالم للرالي-رايد 2024 في مراكش، المغرب في 6 أكتوبر 2024. حقوق الصورة: © كين مارتشين، ريد بُل كونتنت بول
دانية تدخل التاريخ في رالي داكار 2025 كأول امرأة سعودية وعربية تحصد المركز الأول في إحدى مراحل الرالي، وذلك بفضل فوزها المذهل في المرحلة العاشرة
قصة دانية عقيل لم تنتهِ بعد… فهي في واقع الأمر لاتزال في بدايتها. وبينما تواصل دانية محاولاتها لدفع حدود ما هو ممكن في رياضة السيارات، تظل بطلتنا مثالًا يحتذى به لما يمكن تحقيقه من أحلام كبيرة بفضل الموهبة والعزيمة والشجاعة والطموح. تمضي دانية قدما نحو آفاق جديدة. و لكن ثمة أمر واحد لا يمكن لأحد إنكاره … وهو أن دانية ستواصل تخطي الحواجز وإلهام الأجيال القادمة.




