مستقبل العمل: هل تستطيع الثورة التكنولوجية إعادة تشكيل سوق الوظائف؟
قبل خمسين عاماً، لو حاول أحدٌ أن يتخيّل شكل سوق العمل في عام 2025، لكان من المستبعد أن يقترب من الواقع. فمن كان يتوقع مكاتب تمتلئ بالحواسيب، تتدفق فيها البيانات عبر شبكة عالمية واحدة؟ أو عالماً يمكن فيه للعاملين في ما يُعرف بـ”اقتصاد العمل الحر” (gig economy) أداء مهام متعددة لصالح جهات مختلفة في أسبوع واحد فقط؟ أو عالماً يتفوّق فيه عدد سائقي التوصيل على عدد عمّال مناجم الفحم؟
إن استشراف المستقبل عملية يكتنفها الغموض بطبيعتها، غير أنّ معالم سوق العمل في عام 2025، مقرونةً بالتحولات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة، تمنحنا ملامح أولية لما قد تبدو عليه طبيعة العمل في العقود المقبلة.
ولكي نفهم ما ينتظرنا، لا بدّ أن ننظر أولاً في الحاضر. فكيف يبدو عالم العمل اليوم؟ خلال السنوات الأخيرة، شهد مفهوم العمل أحد أعمق تحولاته منذ القرن الثامن عشر، أو منذ اللحظة التي دخلت فيها النساء سوق العمل. وكل ذلك بفعل فيروس مجهري واحد قلب قواعد اللعبة رأساً على عقب.
تسببت جائحة كوفيد-19 خلال عامي 2020 و2021 في نزوح جماعي غير مسبوق من المكاتب والمصانع، حيث احتمى الناس بمنازلهم بحثاً عن ملاذ آمن من العدوى. ومع الوقت، ترسخ هذا السلوك وأصبح جزءاً من واقع العمل الجديد. فاليوم يعمل نحو 28% من القوى العاملة العالمية عن بُعد، بشكل جزئي أو كامل، في ارتفاع دراماتيكي مقارنة بنسبة 5% فقط ممن كانوا يعملون من المنزل قبل عام [1] [2]2020. وتكشف بعض القطاعات ميلاً أكبر نحو العمل عن بُعد؛ ففي قطاع التكنولوجيا، على سبيل المثال، يعمل 67% من الموظفين من منازلهم، وغالباً دون لقاء عملائهم وجهاً لوجه على الإطلاق.
ويبدو أن هذا الاتجاه، بعد أن ترسّخ، غير مرشح للتراجع في أي وقت قريب. فثلاثة أرباع العاملين اليوم يعبّرون عن شعور أكبر بالرضا والسعادة عند العمل عن بُعد، فيما أبدى نصفهم استعداداً للتنازل عن جزء من رواتبهم مقابل الحفاظ على هذا الامتياز. وعلى المستوى المجتمعي، يحمل العمل من المنزل بُعداً بيئياً إيجابياً؛ إذ يمكن أن يخفّض البصمة الكربونية المرتبطة بالوظيفة بنسبة تصل إلى 80%، تبعاً للظروف الفردية، بمجرد إزالة رحلات التنقّل اليومية من المعادلة [3]. أما أرباب العمل، فيستفيدون بدورهم من هذا التحول؛ إذ تسجل الشركات زيادة قدرها 13% في إنتاجية العاملين من المنزل، وهو ما يفسّر ربما سبب اتجاه 71% من الشركات اليوم إلى توفير شكل من أشكال المرونة في مكان العمل. ومع تنامي هذا التوزّع الجديد للقوى العاملة، يُتوقع أن يتضاعف حجم سوق الاتصالات المرئية عالمياً بحلول عام 2030، ليصل إلى نحو 60 مليار دولار أمريكي [4]. لقد أصبحت طاولة المطبخ، فعلياً، هي المكتب الجديد.
لقد تغيّر مفهوم مكان العمل إلى الأبد. وكذلك تبدّلت طبيعة العمل الذي نؤديه.
كيف تتغيّر الأدوار الوظيفية؟
إن الوظائف التي كانت مألوفة بالأمس بدأت تتلاشى تدريجياً أمام أعيننا، فيما تظهر في المقابل وظائف جديدة تواكب أنماط حياتنا المشبعة بالتقنية في الألفية الثالثة.
فحتى وقت غير بعيد، كان ملايين الأشخاص يعملون في مهن مثل تنضيد الطباعة، وكتابة كشوف المرتبات، وتشغيل الآلات، والتسويق عبر الهاتف، وأعمال الطباعة على الآلة الكاتبة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المهن نادرة أو في طريقها إلى الاندثار. فالصحف والمجلات، مع تراجع معدلات توزيعها، بات إخراجها يتم عبر برامج التصميم الحديثة؛ والحواسيب حلّت محل الإدارة اليدوية لكشوف المرتبات؛ والآلات أصبحت مؤتمتة لتؤدي مهامها في كثير من الأحيان من دون أي تدخل بشري؛ أما العملاء المحتملون فتأتيهم الإعلانات عبر النوافذ المنبثقة والمدونات؛ فيما أدت برامج الإملاء الصوتي إلى تقليص الحاجة إلى لوحات المفاتيح والأصابع السريعة إلى حدّ كبير.
وبالنظر إلى هذه التحوّلات، قد يبدو من السهل تخيّل طوابير طويلة من العاطلين عن العمل واضطرابات اقتصادية عالمية واسعة النطاق. غير أن المدهش هو أنّ الواقع يأتي على النقيض تماماً. فمعدل البطالة العالمي ظلّ مستقراً عند نحو 5% منذ عام 2020، حتى مع استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي ــ 3.6% في عام 2022، و3.3% في عام 2023، و3.2% في عام 2024 [5].

والواقع أنّنا، ونحن نمضي بثبات نحو عصر رقمي جديد، نشهد بروز فئات وظيفية كاملة كبدائل للمهن التي فقدت صلتها بعصرنا الحديث. وهذه ليست مجرد ملاحظات عابرة؛ فبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية (ILO)، سيشهد عام 2025 وحده خلق نحو 53 مليون وظيفة جديدة. [6]
كيف ستبدو هذه الوظائف؟ بعضها سيكون امتداداً لأدوار مألوفة تتزايد أهميتها بحكم احتياجات المجتمع المتغيّرة، فيما يمثّل بعضها الآخر تخصّصات جديدة بالكامل، بل وضرورية للحفاظ على النظام التكنولوجي الذي بات يهيمن على عالمنا المعاصر.
وفي هذا السياق، يظلّ تطوير الويب ــ وهو تخصّص راسخ منذ تسعينيات القرن الماضي ــ من أكثر المهن طلباً، مع سعي الشركات الدائم للتميّز عن منافسيها عبر الإنترنت. ومع تطوّر لغات البرمجة وتكاملها مع الفرص المتسارعة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، قد تنمو وظائف تطوير الويب بنسبة إضافية تصل إلى 23% بحلول عام 2030. [7]
ومن المتوقع أن يرتفع متوسط العمر المتوقع بنحو خمس سنوات إضافية بحلول منتصف هذا القرن. ولمواكبة احتياجات السكان المتقدّمين في العمر، سيبرز طلب متزايد على جيوش من مقدّمي الرعاية المنزلية لتقديم خدمات الرعاية الشخصية وإنجاز الأعمال اليومية. وقد يرتفع عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية المنزلية بنسبة تصل إلى 25% بحلول نهاية العقد. كما سيشهد أخصائيو العلاج الوظيفي، الذين يساعدون الأفراد على التكيّف مع تحدياتهم الصحية والعيش باستقلالية، زيادة كبيرة في الطلب على خدماتهم. أما الممرضون، فقد يرتفع عددهم بأكثر من 40%، مدفوعين بتوسّع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية واعتماد خطط علاجية شخصية تقودها أدوات الذكاء الاصطناعي.
وقد أثبت التاريخ القريب مدى هشاشتنا أمام الأمراض، ما يجعل علم الأوبئة أحد المجالات المرشحة للنمو أيضاً، مع توقع زيادة الوظائف فيه بنسبة 26% بحلول عام 2030. يعتقد العديد من الخبراء أن حدوث جائحة أخرى أمر لا مفر منه، مشيرين إلى أن النمو السكاني العالمي واستمرار التوسع العمراني على حساب موائل الحيوانات يزيدان من احتمالات انتقال الأمراض الحيوانية المنشأ (من الحيوان إلى الإنسان).
كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل بيئة العمل؟
يبدو أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل خلال العقد المقبل سيكون بمثابة زلزال اقتصادي ومهني يعيد تعريف الأدوار والمهارات وأنماط الإنتاج. فالقطاع يعيش اليوم طفرة مالية غير مسبوقة، إذ يُتوقّع أن ينمو من 244 مليار دولار أمريكي حالياً إلى أكثر من 800 مليار دولار مع نهاية العقد. [8]
وتكشف نتائج استطلاع حديث أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي بين كبار قادة الشركات حول العالم عن تحوّل جذري في النظرة إلى المستقبل، إذ يرى نحو 86% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي سيكون الاتجاه الأهم والأكثر تأثيراً في أعمالهم على المدى القريب والمتوسط. [9] ولا يثير هذا التصوّر الكثير من الدهشة، إذ تشير التوقّعات إلى أن أسرع ثلاث مجموعات مهارية نمواً في سوق العمل ستكون متمحورة حول: الإلمام بالتكنولوجيا المتقدمة، وتحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني.
يُعدّ الذكاء الاصطناعي، بطبيعته، مظلّة واسعة تضم طيفاً واسعاً من التقنيات المتقاربة والمتداخلة. ومن هذا المنطلق، يمكن توقّع نشوء مسارات مهنية جديدة بالكامل تمتد عبر تخصصات متعددة، بدءاً من مهندسي التكنولوجيا المالية (Fintech)، ومتخصصي تعلّم الآلة، ومطوّري التطبيقات، وخبراء البيانات، وفنيّي المركبات الكهربائية، ومحرري الأوامر النصية الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي (Prompts)، وصولاً إلى مجتمع عالمي من «المبدعين التخييليين» (Imagineers) في مجالات لم تُبتكر مسمياتها بعد.

ومن جهة أخرى، تبدو بعض التوقعات مثيرة للقلق؛ إذ قد يتسبب الذكاء الاصطناعي، نظرياً، في فقدان أكثر من 90 مليون وظيفة بحلول عام 2030، [10] وقد يتولى في نهاية المطاف ربع المهام الوظيفية في الاقتصادات المتقدمة مثل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. [11]
غير أن هذه الخسائر تقابلها حاجة متنامية إلى أفواج من المتخصصين في طيف واسع من المجالات الناشئة. فالتخصصات المرتبطة بمعالجة اللغة الطبيعية، والتعلّم العميق، والرؤية الحاسوبية — التي تمنح الحواسيب القدرة على “رؤية” الصور على نحو يقارب العين البشرية — إضافة إلى صناعة المحتوى، ستغدو فجأة ضرورية وبكثافة. ووفقاً لبعض التقديرات، قد يسهم الذكاء الاصطناعي ذاته في خلق ما يصل إلى 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، ما يعني حصيلة صافية إيجابية لسوق العمل العالمي. [12]
وباعتباره شريان الحياة للعديد من وظائف المستقبل، يفرض الذكاء الاصطناعي أيضاً تحولاً جوهرياً في منظومات التدريب والتعليم نحو المهارات الرقمية. فمع بروز تخصصات جديدة كلياً تقوم على التفاعل مع الحاسوب، ستغدو «المعرفة التشغيلية» — أي القدرة على فهم التطبيقات الرقمية والتعامل معها والتحكّم بوظائفها — متطلباً أساسياً لا غنى عنه.
وبعيداً عن هذا المستوى القاعدي، فإن الأشخاص القادرين على فهم آليات عمل البرمجيات من الداخل — أي الشيفرات الكامنة وراء تجربة المستخدم — واستيعاب المنطق الخوارزمي، هم من سيشقّون مسارات مهنية جديدة. ومع مرور الوقت، ستتزايد الحاجة إلى أفراد متمكنين في مجالات التواصل الاجتماعي، وحماية الأصول السيبرانية، وتقنيات البلوك تشين، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، إضافةً إلى المجال الصاعد المتعلق بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ولا تقف المهارات الرقمية عند حدود الجوانب التقنية؛ بل تشمل بُعداً أكثر إنسانية يتمثل في القدرة على تحويل البيانات إلى معرفة، وتسخير هذه المعرفة لتحقيق مكاسب استراتيجية ومعلوماتية واتصالية. وأصحاب هذه المهارات الشمولية هم الأقدر على أن يصبحوا قادة الغد وأصحاب رؤاه.
لقد بات واضحاً أن سوق العمل يتجه نحو مشهد جديد بالكامل تقوده التكنولوجيا. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الخيال لتصور شبكات من الزملاء العاملين عن بُعد، تجمعهم أدوات التعاون الرقمي، ومنصات التواصل الآني، وأنظمة التخزين السحابي. لكن يبقى السؤال الأعمق: ماذا عن ثقافة العمل ذاتها؟ وكيف ستبدو تفاصيل الحياة اليومية لكسب الرزق في عالم يتغير بهذه الوتيرة المتسارعة؟
هل يُعدّ «العمل الحر» ظاهرة عابرة أم مؤشراً على تحوّل دائم؟
يبدو أن عام 2025 قد جاء ليقلب الصورة التقليدية للوظيفة رأساً على عقب؛ فذلك النموذج الممتد من التاسعة صباحاً إلى الخامسة مساءً، خمسة أيام في الأسبوع، وعلى امتداد الحياة المهنية، بات أشبه بمشهد من الماضي. فالقوى العاملة اليوم تُوصَف إمّا بمرونتها وقدرتها العالية على التكيّف، أو بارتفاع معدلات التنقّل الوظيفي وما يصاحبه من شعور بانعدام الاستقرار.
وقد أصبح ما يُعرف بـ«اقتصاد العمل الحر» — القائم أساساً على العمل قصير الأجل أو الحر أو المؤقت — واقعاً يومياً جديداً لكثير من الناس حول العالم. ويستند هذا النموذج إلى ترتيبات فردية أو متجددة بين الأفراد وجهات وسيطة لتنفيذ مهام أو خدمات محددة، تمتد من سائقي التوصيل وأخصائيي رعاية الحيوانات الأليفة، إلى مقدّمي الرعاية والمستشارين، ومطوّري الويب وعمّال تنظيف النوافذ. وبوتيرة متسارعة، يجري ربط العاملين المستقلين بالعملاء عبر منصّات رقمية متخصصة في هذا المجال، بعدما تحوّلت منصّات مثل “أب وورك” (Upwork)، و”فايفر” (Fiverr)، و”بيبول بير آور” (PeoplePerHour)، و”شوبيفاي” (Shopify)، و”أوبر” (Uber)، و”ليفت” (Lyft)، و”تاسك رابيت” (TaskRabbit)، وغيرها، خلال سنوات قليلة، من أفكار على الورق إلى أسماء مألوفة في كل بيت.
وبات اقتصاد العمل الحر قطاعاً اقتصادياً ضخماً بحدّ ذاته. ففي عام 2024، بلغ حجم هذا السوق نحو 556 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتضخّم ليجاوز 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2032. [13] وتشير التقديرات إلى أن ثلث العمال في الولايات المتحدة على الأقل يعرّفون أنفسهم اليوم كمستقلين يعملون لحسابهم الخاص.

هل ينبغي تشجيع اقتصاد العمل الحر؟ ذلك سؤال مختلف تماماً. فقد أفاد ما يصل إلى 30% من العاملين في هذا القطاع أنهم انخرطوا فيه بدافع الضرورة لا الاختيار، سواء كمصدر دخل أساسي أو وسيلة لتعويض نقص الدخل من وظيفة أخرى. وغالباً ما تفتقر هذه الأعمال إلى المزايا المرتبطة بالوظائف التقليدية: فلا إجازات مدفوعة، ولا حدّ أدنى مضمون للأجور، ولا برامج واضحة لتطوير المسار المهني، ولا تغطية صحية أو خطط تقاعد. كما أن غياب الأمان الوظيفي قد يحدّ من قدرة العامل المستقل على الحصول على قرض أو رهن عقاري، ما قد يُبقيه عالقاً في دائرة الدخل المتدنّي والشعور بالانتماء إلى مرتبة اجتماعية أدنى. وتبدو الفجوة بين الأجيال واضحة في هذا السياق؛ فبينما عمل 45% من جيل الألفية في سوق العمل المؤقت، لم تتجاوز النسبة 9% لدى المولودين في ستينيات القرن الماضي [14].

وتتواصل اليوم النزاعات القضائية في مختلف أنحاء العالم سعياً إلى إرساء حقوق أساسية للعاملين في اقتصاد العمل الحر. وفي خطوة لافتة، قضت المحكمة العليا في المملكة المتحدة بوجوب معاملة سائقي «أوبر» (Uber) بوصفهم عمّالاً لا متعاقدين مستقلين، وبأن لهم الحق في تقاضي أجور عن كامل الوقت الذي يضعون فيه أنفسهم رهن الطلب، بغضّ النظر عن حجم الإقبال على الرحلات. وفي ولاية كاليفورنيا — رابع أكبر اقتصاد في العالم — يسهم قانون AB5 في ترسيخ مبدأ المساواة بين العاملين في اقتصاد العمل الحر والموظفين بدوام كامل، عبر تكريس حقوق أساسية مثل أجر العمل الإضافي والتغطية التأمينية.
وتتخذ بعض هذه التطورات طابعاً شعبياً يستمد زخمه من القواعد العمالية ذاتها؛ إذ تضطلع مجموعات حملات دولية، وفي مقدمتها “تحالف عمال المهن المؤقتة” (Gig Workers Alliance)، بدور متنامٍ في ممارسة الضغوط على الحكومات لاعتماد إجراءات جماعية تكفل صون حقوق العاملين وتعزيز بيئة عمل أكثر إنصافاً. كما تدفع هذه المجموعات نحو ابتكار حلول حديثة، من أبرزها إنشاء أنظمة مزايا وظيفية قابلة للنقل تمتد عبر عقود متعددة، بما يمكّن العاملين المستقلين من تجميع مزاياهم بالآلية ذاتها التي يستفيد منها الموظفون بدوام ثابت.
ومع إعلان 80% من الشركات الكبرى نيتها زيادة نسبة العاملين المؤقتين لديها في المستقبل القريب، فمن المتوقع أن تسهم هذه التحركات التشريعية في ترسيخ سوابق قانونية تعود بالنفع على أجيال قادمة. [15]
ويمكن تعويض جزء من انعدام الأمن الملازم لاقتصاد العمل الحر عبر مفهوم آخر يكتسب زخماً متصاعداً، وهو «الدخل الأساسي الشامل» (Universal Basic Income – UBI).
ويُعرَّف هذا الدخل بأنه حدّ أدنى من المدفوعات المضمونة لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن مستوى مواردهم المالية أو وضعهم الوظيفي، بهدف إبقائهم فوق خط الفقر وتمكينهم من تغطية أساسيات الحياة، مثل الغذاء والسكن والدواء.
نظرياً، يتيح هذا النظام للأفراد فسحة من الوقت يكرّسونها لأنشطة يصعب قياس مردودها مادياً، كالتطوع لخدمة قضايا مجتمعية، أو الانخراط في الفنون الإبداعية، أو المشاركة في جهود حماية البيئة واستعادة توازنها.
لكنّ المنتقدين يخشون أن يكون هذا النظام عصيّاً على الاستدامة اقتصادياً، وأن يفتح الباب أمام عزوف شريحة أكبر من الناس عن العمل. غير أنّ التوقعات بأن يتقن الذكاء الاصطناعي 59% من المهام التي ينجزها البشر حالياً خلال خمس سنوات فقط، توحي بأن نظام الدخل الأساسي الشامل قد يتحوّل إلى الأداة التي نحتاج إليها فعلياً لإعادة صياغة ما نعدّه اليوم «استثماراً قيّماً للوقت».
وقد جرّبت أكثر من مئة دولة شكلاً من أشكال الدخل الأساسي الشامل، من بينها المكسيك وإيران وكينيا وإيطاليا، وإن جاء ذلك دائماً ضمن نطاقات تجريبية محدودة لا تتجاوز بضع مئات أو آلاف المشاركين. ولا يزال هذا النظام بعيداً عن تحقيق انتشارٍ واسع في السياسات العامة، رغم أن الأبحاث تُظهر بوضوح قدرته على رفع مستويات السعادة، وخفض معدلات الجريمة، وتحسين المؤشرات الصحية، وتعزيز الالتزام بالعمل، وزيادة الثقة بالمؤسسات العامة. [16]
ومهما تتباين ملامح مستقبل العمل وتتعدد مساراته، يبقى مبدأ واحداً حريّاً بأن يُترجَم إلى واقع: وألّا يبقى أي شخص خارج دائرة الفرص.
لماذا ينبغي للأنظمة الاقتصادية أن تعمل لصالح الجميع؟
لم يعد هناك متّسع لإضاعة الوقت في التخطيط لسوق وظائف الجيل القادم. فمع التحوّلات التكنولوجية والاجتماعية المرتقبة، سيحتاج ما يقرب من 60% من العاملين إلى تطوير مهاراتهم أو إعادة تأهيلها بحلول عام 2030 إذا أرادوا البقاء في دائرة المنافسة. [17] ومع تقدّم سكان العالم في العمر، يصبح تحقيق النمو الاقتصادي ضرورة ملحّة لدعم شريحة سكانية لم تَعُد قادرة على المساهمة مالياً في الاقتصاد.
غير أن الأهم من ذلك هو ضمان أن تعمل عملية الانتقال الوظيفي لصالح الجميع. فالفجوات الراسخة في سوق العمل العالمي — إذا تُركت من دون معالجة — قد تهدّد تماسك المجتمعات، وتعمّق أوجه عدم المساواة، وتقوّض أسس العقد الاجتماعي ذاته.
وتتجلى هذه الفوارق بوضوح في نسب البطالة بين الشباب؛ إذ تبلغ نسبة العاطلين عن العمل قسراً حول العالم 12.4% بين الشباب و12.3% بين الشابات، وهي أرقام تفوق بكثير المتوسط العالمي البالغ 5%. [18]
وفي الوقت الذي نرسم فيه استراتيجيات لمواكبة اتجاهات العمل المستقبلية، ينبغي علينا أيضاً الحرص على توفير فرص عادلة ومنصفة للنساء. فعلى الرغم من تقلّص فجوة المشاركة في سوق العمل منذ عام 2000، ما تزال الهوة بين الرجال والنساء واسعة. ففي عام 2024، بلغت نسبة النساء اللواتي لم يتمكنّ من العثور على عمل 12.8%، مقارنة بـ 8.3% فقط بين الرجال.

إن بزوغ فجر التقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، يمنحنا فرصة لا تضاهى لإعادة تقييم مفهوم العمل وإعادة ترتيب أولوياتنا. ومع تطلّعنا إلى المستقبل، يبرز سؤال جوهري: هل سيعمل عدد أكبر منا من أجل أن نعيش، بدلاً من أن نعيش لنواصل العمل؟ إن القرارات التي تُتَّخذ اليوم في غرف مجالس الإدارة وقاعات التشريع ستنعكس آثارها على الازدهار الاقتصادي والاجتماعي لعقود مقبلة.
وكما تبدو وظائف عام 1975 غريبة على أنظارنا اليوم، قد يشهد سوق العمل بعد خمسين عاماً قفزة نوعية جديدة تجعله مختلفاً جذرياً عمّا نعرفه اليوم. أما ضمان أن تصب هذه التحوّلات في مصلحة الصالح العام، فسيتطلّب قدراً كبيراً من الحكمة، وروحاً عالية من التعاون… والكثير من العمل.
حقائق سريعة: كيف يبدو مستقبل العمل؟
س: ما مدى نمو العمل عن بُعد منذ الجائحة؟
ج: ارتفع معدل العمل عن بُعد ارتفاعاً لافتاً، من 5% فقط قبل عام 2020 إلى نحو 28% من القوى العاملة العالمية التي تعمل اليوم عن بُعد، سواء لبعض الوقت أو معظمه.
س: كم عدد الوظائف الجديدة التي ستُخلق في عام 2025؟
ج: تقدّر منظمة العمل الدولية أن عام 2025 وحده سيشهد خلق نحو 53 مليون وظيفة جديدة، رغم أن التطورات التكنولوجية ستستمر في القضاء على العديد من الوظائف التقليدية.
س: أي القطاعات الوظيفية يُتوقع أن تحقق أعلى معدلات نمو بحلول 2030؟
ج: يُتوقع أن تسجّل وظائف فنّيّي توربينات الرياح نمواً بنسبة 44%، والممرضين بنسبة 40%، وأخصائيي أمن المعلومات بنسبة 35%، وعلماء البيانات بنسبة 36%، لتكون من أسرع المهن نمواً.
ما هي نسبة العمال الذين سيحتاجون إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030؟
ج: سيحتاج نحو 60% من العاملين إلى تطوير مهاراتهم أو إعادة تأهيلها بحلول عام 2030 للحفاظ على قدراتهم التنافسية في سوق العمل، وذلك نتيجة التحوّلات التكنولوجية والاجتماعية المتسارعة.
س: ما القيمة المتوقعة لقطاع الذكاء الاصطناعي بحلول 2030؟
ج: من المتوقع أن يقفز حجم قطاع الذكاء الاصطناعي من 244 مليار دولار أمريكي اليوم إلى أكثر من 800 مليار دولار بحلول نهاية العقد، فيما يرى 86% من قادة الشركات أن الذكاء الاصطناعي يمثّل أكثر الاتجاهات تأثيراً وتحويلاً في عالم الأعمال.
[1] https://www.statista.com/topics/6565/work-from-home-and-remote-work/#topicOverview
[2] https://www.forbes.com/sites/gadlevanon/2020/11/23/remote-work-the-biggest-legacy-of-covid-19/
[3] https://www.strongdm.com/blog/remote-work-statistics
[4] https://neat.no/resources/top-remote-work-statistics/
[5] https://www.ilo.org/resource/other/world-employment-and-social-outlook-trends-2025-figures
[6] https://www.ilo.org/resource/news/global-employment-forecast-downgraded-7-million-jobs-2025-amid-rising
[7] https://finance.yahoo.com/news/20-most-demand-jobs-future-073358127.html
[8] https://www.statista.com/topics/3104/artificial-intelligence-ai-worldwide/#topicOverview
[9] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Future_of_Jobs_Report_2025.pdf
[10] https://www.mckinsey.com/capabilities/mckinsey-digital/our-insights/superagency-in-the-workplace-empowering-people-to-unlock-ais-full-potential-at-work
[11] https://www.nexford.edu/insights/how-will-ai-affect-jobs
[12] https://www.mckinsey.com/capabilities/mckinsey-digital/our-insights/superagency-in-the-workplace-empowering-people-to-unlock-ais-full-potential-at-work
[13] https://www.weforum.org/stories/2024/11/what-gig-economy-workers
[14] https://www.weforum.org/stories/2024/11/what-gig-economy-workers
[15] https://velocityglobal.com/resources/blog/gig-economy-statistics/
[16] https://www.vox.com/future-perfect/2020/2/19/21112570/universal-basic-income-ubi-map
[17] https://www.weforum.org/publications/the-future-of-jobs-report-2025/digest/
[18] https://www.ilo.org/resource/other/world-employment-and-social-outlook-trends-2025-figures




أُضيفت إلى الملف الصحفي