نعيش اليوم في عالم يتسارع فيه التحوّل الرقمي يوماً بعد يوم؛ عالم باتت التكنولوجيا فيه متغلغلة في أدق تفاصيل حياتنا اليومية. فعندما نفكّر في الحصول على قرض مالي، نلجأ إلى محرّكات البحث قبل أي باب آخر، بحثاً عن أفضل العروض. وحين يثير عرض صحي قلقنا، غالباً ما يكون الإنترنت أوّل طبيب نستشيره. وإذا باغتَنا الجوع على عجل، تكفي بضع نقرات ليصل الطعام إلى عتبة المنزل خلال دقائق معدودة. وحتى عند محاولة ضبط ميزانية الأسرة، يظلّ التسوّق عبر الإنترنت، في كثير من الأحيان، الخيار الأكثر توفيراً.

قد تبدو هذه الخيارات بديهية في العالم المتقدم، لكنها بالنسبة لملايين البشر حول العالم ليست مجرد ترفٍ مفقود، بل واقع يومي قاسٍ. جرّب أن تدير شؤون حياتك ليوم واحد من دون اتصال بالإنترنت، وسيتضح سريعاً إلى أي مدى بات الاتصال الرقمي ركناً أساسياً من أركان الحياة المعاصرة..

ورغم القفزة الهائلة في استخدام الإنترنت خلال العقد الأخير، إلا أن العالم لا يزال منقسماً رقمياً بشكلٍ صارخ. فحتى نهاية عام 2024، كان نحو 2.7 مليار شخص — ما يقارب ثلث سكان العالم — يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من الوصول إلى الإنترنت. وحتى بين أولئك المتصلين بالشبكة، لم يحظَ سوى أقل من النصف (47%) بخدمة النطاق العريض عالية السرعة التي نعدّها اليوم جزءاً بديهياً من حياتنا اليومية.

ولا شك أن الفجوة الرقمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجغرافيا، إذ تتحمّل الدول النامية والاقتصادات الناشئة العبء الأكبر من تبعاتها. ففي أوروبا والأميركيتين، تصل نسبة انتشار الإنترنت — أي نسبة السكان القادرين على الوصول إلى الشبكة — إلى نحو 90% و80% على التوالي. لكن الصورة تختلف تماماً في مناطق أخرى من العالم. ففي الدول العربية تلامس النسبة حدود 70%، بينما تنخفض عبر آسيا إلى نحو 60%. أما أفريقيا فلا تزال عند حدود 40% فقط. وتبدو الفجوة أوضح في دول كبرى مثل الهند، أكبر بلدان العالم سكاناً، حيث لا يتجاوز معدل استخدام الإنترنت 48.7%[1]. وفي كينيا، التي يُتوقّع أن يتضاعف عدد سكانها البالغ اليوم أكثر من 50 مليون نسمة بحلول عام 2050، لا تتعدى نسبة الاتصال بالإنترنت 32.7% — أي أقل من شخص واحد من بين كل ثلاثة أشخاص.

ويعاني سكان المناطق النائية بصورة أشدّ من تبعات ما يُعرَف بـ«الصحارى الرقمية». فعلى الصعيد العالمي، ترتفع احتمالات حرمان سكان المناطق الريفية من الاتصال بالإنترنت إلى الضعف مقارنةً بسكان المدن. وقد يعيش هؤلاء في العالم الرقمي ذاته الذي نعيش فيه[2]، غير أنّ غياب البنية التحتية اللازمة لما يُعرف بـ«الميل الأخير» — أي إيصال الشبكة إلى المنازل وأماكن العمل — يتركهم أسرى عتمةٍ رقمية خانقة.

إن غياب الاتصال بالشبكة الرقمية لا يعني فقط الحرمان من الإنترنت، بل يفتح الباب أمام حرمان أوسع يشمل الخدمات المالية والطبية والتعليمية والسياسية والثقافية؛ وهي الأدوات التي نبني بها حياتنا، ونصوغ هوياتنا، ونرسم بها ملامح مستقبل مجتمعاتنا. وغالباً ما تنزلق هذه المجتمعات إلى دوامة من الفقر طويل الأمد. فعندما يُستبعد أفرادها رقمياً، يفقدون أبسط مقومات المنافسة في العصر الحديث، وتتقلص قدرتهم بشكل حاد على بناء مستقبل أكثر إشراقاً لهم ولأسرهم.

وتشكّل هذه الاعتبارات العملية حجر الأساس في الجهود العالمية الرامية إلى توسيع نطاق الوصول الرقمي، وتقليص الفجوة الخطيرة التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

كيف يمكن للتمويل أن يسهم في إتاحة الوصول الرقمي للجميع؟

على المستوى الكلّي، بات التحوّل الرقمي للاقتصادات شرطاً أساسياً لاندماجها في المنظومة الاقتصادية العالمية. فالدول لا تستطيع أن تتاجر بفعالية، ولا يمكن للشركات أن تنافس، من دون القدرة على تبادل البيانات وتحويل الأموال بسرعة وموثوقية — وهي متطلبات لا تتحقق إلا ببنية تحتية رقمية واسعة الانتشار. أما على المستوى الجزئي، فإن الوصول الرقمي يفتح الباب أمام الابتكار الفردي، الذي يتراكم أثره عند تكراره على نطاق المجتمع، ليشكّل قوة اقتصادية ملموسة تُسهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي وتحسين مستويات المعيشة.

لكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ بالتأكيد ليس من دون تكلفة باهظة. فمدّ شبكات النطاق العريض داخل المجتمعات النائية جغرافياً أو تلك التي تعاني من تحديات اقتصادية يُعدّ مشروعاً مكلفاً وبطيء التنفيذ، وينطبق الأمر ذاته على بناء شبكة مراكز البيانات اللازمة لخلق بيئة رقمية مزدهرة. أما إيصال الاتصال في «الميل الأخير»، فيبقى التحدي الأكبر، إذ يحتاج إلى جرأة في التخطيط بقدر ما يحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

ويشير أحد التقارير إلى أن إيصال الإنترنت إلى المليارات المحرومين منه اليوم قد يكلّف نحو 28 مليار دولار أمريكي بحلول عام [3]2030. ويبقى السؤال المحوري: من سيتحمّل هذه الكلفة؟ غير أن هذا التحوّل لا يمكن أن يقوم على التمويل وحده؛ فهو يحتاج أيضاً إلى استراتيجيات متكاملة تعالج جوانب البنية التحتية والتشريعات، وبالطبع، محو الأمية الرقمية.

ما هي الاستراتيجية المثلى لتحسين الاتصال الرقمي؟

تتّسم التحوّلات الرقمية بطبيعتها بتأثير تراكمي يشبه «كرة الثلج»، ما يعني أن منح الاقتصاد الرقمي الناشئ دفعة تمويلية أولى يمكن أن يحقق مكاسب واسعة للحكومات. ولهذا يتعيّن على المشرّعين في الدول النامية خفض تكاليف الترخيص المفروضة على مشغّلي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل جذري لفتح المجال أمام دخول لاعبين جدد. ويمكن للإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي أن يجذبا استثمارات كبرى إلى قطاع تُعد تكاليف تأسيسه مرتفعة بطبيعتها، وفي الوقت نفسه يوفّران بيئة صحية لتعزيز الابتكار التقني. أما ضخّ الاستثمارات في البحث والتطوير — سواء في الجامعات أو في مؤسسات القطاع الخاص — فيمكن أن يطوّر مهارات القوى العاملة المتحمّسة، ويُسرّع إنتاج التقنيات المطلوبة. كما يساهم الاقتصاد المنفتح، القادر على استقطاب الخبرات ورؤوس الأموال العابرة للحدود، اً في تسريع الانتقال نحو مجتمع مدعوم رقمياً. ويمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تساعد في توزيع المخاطر المرافقة لمشاريع التحوّل الرقمي واسعة النطاق، ما يمنح الحكومات مساحة أوسع للمضي في خططها بثقة أكبر.

وتتطلب مبادرات أخرى تدخّلاً مباشراً من مؤسسات التمويل متعددة الأطراف. ومن أبرز هذه المؤسسات البنك الإسلامي للتنمية (IsDB)، الذي يموّل مشاريع التحوّل الرقمي في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد خصّص البنك حتى الآن نحو مليار دولار أمريكي لدعم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات[4] . وتشمل أحدث مبادراته إنشاء بنية تحتية للألياف الضوئية في غامبيا وسيراليون، إضافةً إلى الاستثمار في كابلات بحرية تربط جيبوتي وبنغلاديش بالشبكات العالمية.

ويمكن لأدوات تحليلية مثل «منصّة شمول التحوّل الرقمي» (Digital Inclusion Navigator) التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن تمكّن صُنّاع السياسات من تشخيص مواطن القصور في مسارات التحوّل الرقمي. ويأتي هذا المشروع ثمرة تعاون بين استشاريين من القطاع الخاص ومنظمتين دوليتين بارزتين، هما المنتدى الاقتصادي العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بهدف تسليط الضوء على المناطق القابعة في الظلام الرقمي عبر تجميع أحدث البيانات الخاصة بالشمول الرقمي حول العالم. ومن خلال الاستفادة من دراسات الحالة والرؤى المتخصصة، ستسهم هذه المنصّة في توجيه أولويات الموازنات وصياغة الأطر التشريعية خلال السنوات المقبلة.

وتُعدّ الاستراتيجيات السياساتية الأكثر فاعلية هي تلك التي تتخذ طابعاً إقليمياً. وفي هذا الإطار، تقود «لجنة النطاق العريض من أجل التنمية المستدامة» — وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص لتعزيز التعاون الرقمي — مبادرة «انطلاقة البنية التحتية الرقمية لأفريقيا» (Digital Infrastructure Moonshot for Africa). وتحتضن أفريقيا نحو واحد من كل خمسة أشخاص على مستوى العالم، ومع ذلك لا تمثل سوى 13% فقط من مستخدمي الإنترنت، يتركز معظمهم في دول أكثر تقدماً نسبياً مثل جنوب أفريقيا ومصر والمغرب[5]. وتهدف مبادرة «الانطلاقة» إلى إتاحة الإنترنت لنحو مليار أفريقي إضافي بحلول نهاية هذا العقد، رغم أن التكلفة التقديرية لتحقيق هذا الهدف تصل إلى نحو 100 مليار دولار أمريكي.

وتتولى مجموعة عمل مخصّصة ضمن هذا المشروع مهمة تأمين التمويل من المصادر العامة والخاصة، كما وضعت سلسلة من السياسات الرامية إلى إنهاء حالة الإقصاء الرقمي التي يعيشها ملايين الأفارقة يومياً، وتشمل:

  • إنشاء أسواق تنافسية للنطاق العريض لتشجيع خفض الأسعار
  • خفض الضرائب المفروضة على مزوّدي خدمات الاتصالات
  • الحدّ من مخاطر الاستثمارات الخاصة من خلال مواءمة التزاماتها مع التمويل العام
  • تشجيع الحكومات على استخدام الخدمات الرقمية بأنفسها لخلق طلب أولي
  • تغليب مبدأ تكافؤ الفرص على الربحية عبر توفير التغطية الشبكية للمناطق النائية
  • تطوير المهارات المحلية للمساعدة في صيانة الشبكات حالياً وفي المستقبل

وتتسم بعض المبادرات بتركيز جغرافي أكثر تحديداً. فعلى سبيل المثال، وافقت مجموعة البنك الدولي على تمويل بقيمة 92 مليون دولار أمريكي لبرنامج «التسريع الرقمي من أجل اقتصاد شامل» (DARE) في جمهورية كازاخستان، بهدف إيصال خدمة الإنترنت لأول مرة إلى مليون شخص إضافي في المناطق الريفية. ويعتمد البرنامج على استثمارات مشروطة بمساهمات تمويلية مماثلة، بما يعزّز نشر شبكات «الربط الخلفي» — وهي الشبكات التي تربط المجتمعات المحلية بالبنى التحتية الأساسية عبر أبراج الإرسال وغيرها — فضلاً عن سد الثغرات المرتبطة بالاتصال في «الميل الأخير».

ويُعدّ تبادل المعرفة ركناً حاسماً في دفع هذا المسار إلى الأمام، جنباً إلى جنب مع ترسيخ أفضل الممارسات. وفي هذا السياق، ستلعب المنتديات العابرة للحدود — مثل «شبكة دول المنارة» (Lighthouse Countries Network) — دوراً محورياً في مواصلة دفع عجلة التحوّل الرقمي. وتضم هذه الشبكة مشرّعين من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، وجمهورية رواندا، وجمهورية توغو، وجمهورية هندوراس، بهدف إطلاق موجة جديدة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتمكين كل دولة من تعظيم العائد الاقتصادي من الاتصال الرقمي الشامل.

غير أن تحويل هذه الرؤى والنوايا إلى برامج قابلة للتطبيق على أرض الواقع يتطلب رافعة تكنولوجية قادرة على حملها.

لماذا قد يكمن الحل في الاتصال اللاسلكي؟

قد يمتلك العلماء والمبتكرون والمستثمرون في تقنيات الجيل القادم مفتاح الحل لمعضلة “الميل الأخير” في الاتصال الرقمي حول العالم.

ففي الشبكات السلكية التقليدية، تُقدَّر تكلفة المئة متر الأخيرة من التوصيل بأنها تستحوذ وحدها على نحو 90% من إجمالي التكلفة[6]. ولمواجهة هذا التحدي، تبرز حلول مثل «الوصول اللاسلكي الثابت» (Fixed Wireless Access – FWA)، وهي تقنية يمكن تركيبها بتكلفة منخفضة نسبياً ومن دون الحاجة إلى مستوى عالٍ من الخبرة التخصصية. وتعتمد هذه الأنظمة على نقل البيانات عالية السرعة من أبراج الإرسال باستخدام الموجات الراديوية بدلاً من الكابلات، ما يفتح آفاقاً واسعة لربط المجتمعات التي تعيقها التضاريس الصعبة أو القيود المالية عن نشر بنية تحتية مادية.

وعلى مستوى العالم اليوم، يزوّد أكثر من 100 مشغّل مستخدميهم بتقنيات «الوصول اللاسلكي الثابت»، خصوصاً في الأسواق الناشئة. وتشير التوقعات إلى أن الهند ستصبح خلال السنوات [7]المقبلة أكبر سوق لهذه التقنية، بما يتراوح بين 45 و50 مليون اتصال فردي بحلول نهاية العقد

كما يمكن لتقنيات الأقمار الصناعية أن تسهم بدور مهم في سد الفجوة الرقمية التي تهدد بتكريس أوجه عدم المساواة داخل النظام العالمي. فمن مداراتها العالية، تتيح الأقمار الصناعية نظرياً إمكانية الاتصال الرقمي لنحو 95% من سكان العالم — وهو نطاق لا تستطيع أي بنية تحتية أرضية أن تضاهيه.

ولا غرابة أن تتجه الطموحات نحو الفضاء. ففي عام 2023، عقدت الجمعية الدولية لمشغّلي شبكات الهاتف المحمول (GSMA) — وهي منظمة تجارية غير ربحية — شراكة مع وكالة الفضاء الأوروبية لإطلاق مبادرة تهدف إلى ضمان التوافق بين الشبكات الأرضية وتقنيات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية[8].. وسيتولى «مسرّع الابتكار فاوندرِي» (Foundry Innovation Accelerator)، التابع للمبادرة، دفع الأفكار الواعدة من مرحلة التجارب التجارية المبكرة إلى حلول إقليمية وعالمية قابلة للتوسع، وجاهزة للاندماج ضمن شبكات الجيل الخامس (5G) والجيل السادس (6G) المستقبلية.

وسيكون للذكاء الاصطناعي دور محوري في جسر الفجوة الرقمية. فمن خلال الجيل الجديد من الأدوات الخوارزمية، أصبح بالإمكان تحليل كمّ هائل من المتغيرات اللازمة لتوسيع نطاق التغطية الرقمية. وفي حين أن المؤشرات الحالية تخبرنا أن بعض المجتمعات ما تزال خارج نطاق الإنترنت عالي السرعة، وأن اختيار التقنية الأنسب — من بين طيف واسع من الحلول المتاحة — هو العامل الحاسم لضمان وصول أكبر عدد ممكن من السكان في كل منطقة إلى العالم الرقمي، فقريباً، ومع التطورات المتسارعة، ستتمكن أدوات المسح المدعومة بالذكاء الاصطناعي من تقديم تقييمات دقيقة لهذه الاحتياجات الملحّة.

وفي بعض الحالات، لا ترتبط مسألة «الميل الأخير» بالاتصال بقدر ما تتعلق بتأمين إمدادات كهربائية موثوقة. وهنا تبرز الابتكارات في مجال «نقل الطاقة لاسلكياً» (Wireless Power Transfer – WPT) كحل قد يُحدث تحولاً جذرياً. فهذه التقنية تتيح نقل الطاقة الكهربائية من مصدرها إلى الأجهزة عبر المجالات الكهرومغناطيسية، ما يلغي الحاجة إلى البنية التحتية التقليدية للكهرباء أو الكابلات. ونتيجة لذلك، يصبح الوصول إلى الاتصال الرقمي متاحاً فعلياً لعدد أكبر من الناس، دون أن تقف العوائق المادية حاجزاً أمامهم.

وحتى إن لم تكن التقنيات اللاسلكية الوسيلة الأساسية لربط المجتمعات، فإنها تظل بديلاً موثوقاً للبنية التحتية المادية عند تعرّض الخدمة للانقطاع. ففي حالات انقطاع التيار الكهربائي، أو الأعطال الميكانيكية، أو تضرّر الشبكات نتيجة الكوارث المرتبطة بالمناخ — وهي كوارث تتزايد احتمالاتها في عالم يشهد ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة — تصبح الحلول اللاسلكية عنصراً [9]بالغ الأهمية لضمان استمرارية الاتصال.

ولا تزال تقنية نقل الطاقة لاسلكياً (WPT) تقتصر، في الوقت الراهن، على شحن الأجهزة الصغيرة، إذ إن تشغيل مجتمعات كاملة يتطلب مستويات أعلى بكثير من الكفاءة. ويعود ذلك إلى الفاقد الكبير للطاقة عند نقلها عبر مسافات طويلة. ومع ذلك، تتواصل الأبحاث العلمية بهدف رفع كفاءتها وتحسين مردودها، ما قد يفتح الباب أمام تطبيقات أوسع في المستقبل.

وبالنظر إلى الصورة الأشمل، يتضح أن التقنيات اللاسلكية والحلول المعتمدة على الأقمار الصناعية تمثل أدوات حيوية لربط المناطق النائية وسدّ الفجوة الرقمية. ويمكن، عند الحاجة، تعزيز هذه التقنيات بوسائل تقوية «الميل الأخير» مثل كابلات الألياف الضوئية لتقليل زمن الاستجابة، وشبكات أكثر تطوراً من أبراج الإرسال.  وبدمج هذه الوسائل معاً، يمكن تحقيق وصول فائق السرعة للإنترنت في المناطق المحرومة، وفتح آفاق حياة أوسع أمام المجتمعات التي طالما عانت من ضعف التغطية.

حلول متطورة من أجل مستقبل أكثر إنصافاً

لا يحتاج المستثمرون اليوم إلى كثير من الإقناع بشأن الفوائد طويلة الأمد لتقنيات الاتصال الرقمي المتقدمة. فحلول «الميل الأخير» المتطورة مرشّحة لتحقيق عوائد اقتصادية أكبر مع توسّع «مدن المستقبل» في تبنّي مبادئ المدن الذكية.

فمدن الغد — مثل مدينة «نيوم» الجاري تطويرها في المملكة العربية السعودية — ستعتمد على مزيج من أحدث التقنيات العالمية. غير أن قدرة هذه الأنظمة على العمل بتناغم تتوقف على تبادل البيانات بسرعة وموثوقية. فتنسيق حركة المركبات الذكية سيصبح ضرورياً لضمان انسيابية المرور، وستحتاج شبكات الطاقة المتولدة من مصادر متجددة متنوعة إلى إدارة دقيقة لتحقيق التوازن المطلوب، كما ستُدار عمليات استهلاك المياه ومعالجة النفايات عبر شبكات من العدّادات الذكية. ولا يمكن أن تتحقق كل هذه التصورات إلا في بيئة رقمية متكاملة تدعم تبادل البيانات دون تأخير.

ولا يمكن لمجتمع غير ممكَّن رقمياً أن يجني ثمار التحوّل العميق الذي تعد به التقنيات الجديدة. فالاتصال الرقمي يشكّل، على سبيل المثال، العمود الفقري للشراكة بين شركة التكنولوجيا الإسبانية «داتا كوروم» (Datakorum) وشركة «ألمار لحلول المياه» (Almar Water Solutions)، التابعة لعبداللطيف جميل للخدمات البيئية. وتعتمد تقنيات «داتا كوروم» على تحويل مستويات المياه إلى بيانات ذكية، ما يعزّز الكفاءة التشغيلية ويحدّ من الهدر غير الضروري لهذا المورد الحيوي. وتظهر النتائج على أرض الواقع بالفعل. ففي أبوظبي، توفر «داتا كوروم» بوابات اتصال تعمل بتقنية الجيل الخامس (5G) لربط المستخدمين النهائيين بشبكات التوزيع، في خطوة تقود التحوّل الرقمي للبنية التحتية للمياه في الإمارة في إطار عقد يمتد لخمسة أعوام.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، كما في بقية أنحاء العالم، سيمثل إنهاء الإقصاء الرقمي خطوة حاسمة نحو توسيع آفاق الحياة أمام الفئات الأكثر هشاشة، كما سيسهم في تعزيز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات الوجودية، وعلى رأسها تغيّر المناخ.

ربما كان الوصول الرقمي يُعدّ في الماضي ميزة إضافية، أو رفاهية تُسهّل تفاصيل الحياة اليومية، وتفيدنا في اختصار الوقت وتسهيل المهام، دون أن تكون ضرورية للبقاء لكن هذا التصوّر لم يعد قائماً. فمنذ ظهوره، تطوّر الاتصال الرقمي من ترفٍ إلى ضرورة حتمية، وأصبح اليوم المحرك الذي يدير شؤون حياتنا كافة.

وإذا بدا هذا الطرح نظرياً، فجرّب إطفاء هاتفك المحمول لمدة 24 ساعة، وسرعان ما ستدرك أنك لن تتمكن من استخدام الخرائط الحيّة للوصول إلى اجتماعك، أو إجراء دفعة عاجلة لمورّد، أو حجز موعد طبي، أو تحويل الأسهم بين الشركات، أو حتى مساعدة أطفالك في واجباتهم المدرسية عبر الموارد التعليمية المتاحة على الإنترنت. وفي نهاية المطاف، يتضح أن غياب الاتصال الرقمي لا يمكن أن يكون، بأي حال، طريقاً للخروج من دائرة الفقر أو لبناء مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.

فالفجوة الرقمية اليوم تهدّد بتوسيع الهوّة بين من يملكون ومن لا يملكون في هذا العالم، بينما يمثل الشمول الرقمي نافذة للتحرر وفتح الفرص أمام مليارات البشر.

حقائق سريعة حول سد الفجوة الرقمية

س: كم عدد الأشخاص حول العالم الذين ما زالوا يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من الوصول إلى الإنترنت؟

ج: حتى نهاية عام 2024، كان يُقدَّر أن نحو 2.7 مليار شخص — أي ما يقارب ثلث سكان العالم — يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من الوصول إلى الإنترنت، في حين لا يتمتع أقل من نصف المتصلين بخدمات النطاق العريض عالية السرعة.

س: ما المناطق التي تسجّل أدنى معدلات النفاذ إلى الإنترنت؟

ج: تتصدر أفريقيا أدنى معدلات النفاذ بنحو 40%، تليها آسيا بنسبة تقارب 60%. وعلى النقيض، تبلغ النسبة في أوروبا نحو 90%، وفي الأميركيتين قرابة 80%. أما الهند، رغم كونها الدولة الأكثر سكاناً في العالم، فلا يتجاوز معدل استخدام الإنترنت فيها 48.7%.

س: كم ستبلغ تكلفة إيصال خدمة الإنترنت إلى المليارات المحرومين منها حالياً؟

ج: يقدّر أحد التقارير أن إتاحة الاتصال الرقمي لمليارات البشر الذين يفتقرون إليه حالياً سيكلّف نحو 28 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.

س: لماذا يُنظر إلى تقنية «الوصول اللاسلكي الثابت» (FWA) بوصفها نقلة نوعية في مجال الاتصال؟

ج: في الشبكات السلكية التقليدية، تستحوذ المئة متر الأخيرة من التوصيل على نحو 90% من إجمالي التكاليف. أما تقنية الوصول اللاسلكي الثابت، فيمكن تركيبها بتكلفة أقل نسبياً ومن دون خبرات تخصصية عالية، إذ تنقل البيانات عالية السرعة من أبراج الإرسال عبر الموجات الراديوية بدلاً من الكابلات.

س: كم عدد الأشخاص الذين يمكن لتقنيات الأقمار الصناعية ربطهم بالإنترنت من حيث الإمكان؟

ج: تتيح تقنيات الأقمار الصناعية، من الناحية النظرية، إمكانية توفير الاتصال الرقمي لنحو 95% من سكان العالم، ما يجعلها أداة حاسمة للوصول إلى المناطق النائية التي يتعذّر فيها نشر البنية التحتية التقليدية.