هل تواكب اللوجستيات الحضرية نبض العصر؟
إن عجز مخططي المدن وتجار التجزئة عن مواكبة تحوّلات سلوك المستهلك — بل عن استباقها بخطوة — لا يشكّل خطراً على أعمالهم فحسب، بل يُنذر بتداعيات أوسع تطال نسيج المجتمع بأكمله.
لقد جرّبنا سابقاً عواقب تجاهل التغيير. فخلال العقد الأول من الألفية الجديدة، شهدنا تحوّلاً متسارعاً نحو التسوّق الإلكتروني، الأمر الذي أدّى إلى إغلاق المتاجر في الشوارع الرئيسية بوتيرة مقلقة، لتتحوّل مراكز المدن شيئاً فشيئاً إلى مناطق مهجورة، بعدما تراجعت أعداد الزوار بشكل حاد وملحوظ.[1]
واليوم، تقف منظومة اللوجستيات الحضرية أمام مفترق طرق حاسم، حيث أصبحت رهانات تحسين جودة حياتنا المشتركة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد غيّرت أنماط توزيع السلع الحديثة — من الطلبات الفردية المتكررة والعشوائية، إلى التوسّع في خدمات الإرجاع، وصولاً إلى التعقيدات التنظيمية المتصاعدة — قواعد اللعبة بالكامل، لتجعل من توصيل المنتجات للمستهلكين تحدياً بالغ التعقيد. وإن لم يستعد قطاع التجزئة لهذا الواقع المتحوّل، فإن العواقب لن تكون اقتصادية فحسب، بل بيئية أيضاً، إذ يلوح في الأفق خطر حقيقي بتفاقم التدهور البيئي في قلب مجتمعاتنا الحضرية.
ويُعد تلوّث الهواء من أخطر التهديدات التي تواجه مدننا، إذ تُظهر الدراسات أن الأطفال في المناطق الحضرية هم الأكثر عرضة للإصابة بالربو وغيره من أمراض الجهاز التنفسي.[2] والمفارقة أن جزءاً كبيراً من هذا الخطر ينبع من نقل البضائع، الذي يُعتقد أنه مسؤول عن قرابة نصف الانبعاثات في المدن — مما يجعله المتهم الصامت الذي نراه بأعيننا، لكننا نختار تجاهله.[3]
ولا تنتهي التحديات عند حدود الانبعاثات، إذ تمتد لتطال تفاصيل حياتنا اليومية؛ فازدحام الطرق وما تخلّفه من ضجيج وتشويه بصري يؤثران سلباً على راحة سكان الأحياء وجودة بيئتهم المعيشية.[4] والأسوأ من ذلك أن هذه التأثيرات مرشّحة للتفاقم في السنوات المقبلة إذا لم نتحرّك بسرعة نحو حلول مستدامة.

وما لم تُتخذ تدابير تصحيحية عاجلة، فقد ترتفع الانبعاثات الناتجة عن شحن البضائع داخل المدن بنسبة 60% إضافية بحلول عام 2030[5]— ما يُنذر بأزمتين متداخلتين: أزمة عالمية تتمثل في تسارع ارتفاع درجات الحرارة، وأخرى محلية تتمثل في تزايد تركيز المواد الكيميائية السامّة في هواء المدن. لكن ما الذي غيّر قواعد اللعبة وجعل هذا التحوّل الجذري في اللوجستيات أمراً واقعاً؟
ربما نجد الجواب ببساطة في سجلّات التصفّح على أجهزتنا.
ما الذي يدفع باتجاه التغيّر في اللوجستيات الحضرية؟
لقد ولّت الأيام التي كان فيها الذهاب إلى المتجر المحلي مرة أسبوعياً كافياً لتلبية احتياجات المنزل والمأكل. فالمستهلك المعاصر، الذي يعيش في سباق دائم مع الوقت، لا يملك ترف الانتظار؛ فما إن يتّخذ قرار الشراء، حتى يتوقّع وصول طلبه دون تأخير. فرؤوس فرشاة الأسنان قد تُطلب يوم الإثنين، وطعام القطط يوم الثلاثاء، وبحلول الأربعاء تبرز رغبة في اقتناء رواية من قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، بطبعة فاخرة. ولحسن الحظ، فإن متاجر الإنترنت المتاحة على مدار الساعة تجعل من هذه الرغبات أمراً يمكن تحقيقه بضغطة زر. أما مهمة إيصال هذه السلع إلى أبواب منازلنا بسرعة خارقة، فذلك عبءٌ يقع على عاتق طرف آخر.
وذاك “الطرف الآخر” ليس سوى تجار التجزئة ومزوّدي الخدمات اللوجستية، الذين يتحمّلون تبعات هذا التحوّل في سلوك المستهلك. إذ لم يعد النموذج التقليدي، القائم على الشاحنات الثقيلة التي تجوب الطرق السريعة وتُفرغ حمولاتها في مراكز توزيع ضخمة، مناسباً لزمن السرعة والطلب الفوري. ففي عقد العشرينيات من القرن الحالي وما بعده، لم نعد بحاجة فقط إلى شبكات توصيل وطنية، بل إلى أنظمة أكثر مرونة واستجابة — قادرة على الوصول مباشرة إلى باب العميل، في الوقت المناسب، وبالكفاءة المطلوبة.
ولا تقتصر التحديات على تسارع وتيرة الطلب، بل تزداد تعقيداً بفعل تحوّلات اجتماعية أخرى، أبرزها صعود ما يُعرف باللوجستيات العكسية — أي حركة السلع في الاتجاه المعاكس. هذا المفهوم لم يظهر من فراغ، بل جاء كنتيجة طبيعية لتزايد الشراء عن بُعد دون تجربة مسبقة. فكلما ارتفع معدل التسوّق الإلكتروني، ارتفعت معه نسب الإرجاع. وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب 30% من المشتريات عبر الإنترنت تُعاد، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 8.89%.[6] عند الشراء من المتاجر التقليدية. وفي قطاع الأزياء تحديداً، قد ينتهي الأمر بإعادة ما يصل إلى نصف المشتريات إلى الشركة المصنعة أو بائع التجزئة[7]، ما يعني أن عملية التوصيل لم تعد رحلة في اتجاه واحد، بل باتت أشبه برحلة ذهاب وإياب — وهو ما يضاعف الضغط على سلاسل التوريد ويعيد تشكيل قواعد اللعبة اللوجستية من جديد.

وفي الوقت نفسه، يجد مزوّدو الخدمات اللوجستية أنفسهم في سباق دائم للتكيّف مع موجة من اللوائح البيئية الجديدة، التي تفرضها الحكومات الوطنية والمحلية بهدف كبح الآثار السلبية للتزايد الهائل في حركة النقل داخل المدن.
ومن بين أبرز هذه التدابير وأكثرها شيوعاً، فرض رسوم على استخدام الطرق داخل المناطق الحضرية، تُحسب غالباً وفق وزن المركبة أو كمية الانبعاثات الصادرة عنها. ففي قلب لندن على سبيل المثال، تُطبّق ضريبة الازدحام على معظم المركبات التي تدخل منطقة محددة خلال ساعات الذروة النهارية، في محاولة لتقليل التلوث وتحسين جودة الهواء في المدينة.
وفي عام 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي تحديثاً جديداً لتوجيه جودة الهواء المحيط (AAQD)، يفرض معايير أكثر صرامة على تركيزات الجسيمات الدقيقة (PM2.5) ومستويات ثاني أكسيد النيتروجين (NO₂) في الدول الأعضاء. واستجابة لذلك، تبنّت أكثر من 300 مدينة أوروبية حتى الآن سياسات “مناطق الانبعاثات المنخفضة” (LEZ)، في خطوة تهدف إلى تقليص استخدام المركبات القديمة ذات الانبعاثات المرتفعة.[8] وتتنوّع هذه السياسات على مستوى المدن، لتشمل حظراً تاماً لمركبات محركات الاحتراق الداخلي، وفرض رسوم على دخول مناطق محددة، إضافة إلى منح إعفاءات للمركبات المزودة بأنظمة متقدمة للتحكم في الانبعاثات، مثل فلاتر الجسيمات الخاصة بمحركات الديزل.
ورغم أن هذه الإجراءات قد تكون صعبة التطبيق أو لا تحظى بالقبول الشعبي في بداياتها… إلا أن فاعليتها لا تخفى. ففي لندن، تُظهر البيانات من منطقة الانبعاثات فائقة الانخفاض (ULEZ) نتائج واعدة؛ حيث ساهمت هذه السياسة في خفض تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 21% في الضواحي، و24% داخل المدينة، بينما سجّل وسط لندن — قلب العاصمة — انخفاضاً لافتاً بلغ 53%.[9]

أما خارج حدود أوروبا، فقد بدأت المدن الطموحة بتوسيع نطاق الطموح، متّجهة نحو مرحلة جديدة بالكامل من خلال إطلاق “مناطق خالية من الانبعاثات”، تُحظر فيها مركبات محركات الاحتراق الداخلي بشكل كامل، لصالح بدائل أنظف كالسيارات الكهربائية، أو الهجينة، أو العاملة بالهيدروجين. وتتصدر هذا التوجه مدن رائدة عالمياً مثل روتردام وأمستردام في هولندا، وبروكسل في بلجيكا، وسانتا مونيكا في الولايات المتحدة، وأوسلو في النرويج، وشنجن في الصين — وكلها في طليعة حركة التحوّل نحو بيئات حضرية خالية من الانبعاثات.
لكن المشهد يزداد تعقيداً أمام مزوّدي خدمات “الميل الأخير”، خاصة مع انتشار الأحياء منخفضة الحركة المرورية، ومناطق المشاة المحلية التي تمنع دخول المركبات نهائياً — حتى تلك المخصّصة لخدمات التوصيل.
وفي خضم هذا الزخم التشريعي المعقّد، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكننا ترسيخ ثقافة التوصيل المستدام والفعّال في مدننا وأحيائنا من دون التضحية بنمو قطاع التجزئة أو تقويض قدرته على التكيف؟
لماذا من المهم أن نبقي على أرض الواقع؟
قد يبدو من السهل، خاصةً لعشّاق التكنولوجيا والخيال العلمي، أن نغوص في عالم من التخيّلات ونقفز بأفكارنا جيلاً أو اثنين إلى الأمام — لنتصوّر مدناً تنبض بروبوتات التوصيل والطائرات المسيّرة، توزّع الطرود بانسيابية تامة على أبواب المستهلكين السعداء في كل مكان.
لكن… هل هذه المشاهد المستقبلية قابلة للتحقيق فعلاً، أم أنها مجرّد أحلام وردية؟ صحيح أن الصورة الكاملة لهذه الرؤى لم تتضح بعد، لكن لا يمكن إنكار أن الاستثمارات الجريئة والتطورات التقنية السريعة قد قرّبتنا أكثر من أي وقت مضى من جعل هذه التصوّرات واقعاً ملموساً.
أما على أرض الواقع، فلم تعد روبوتات توصيل الميل الأخير مجرّد فكرة مستقبلية، بل أصبحت حقيقة ملموسة تتجسّد في نماذج مبتكرة حول العالم.[10] لنأخذ على سبيل المثال كبسولات التوصيل الذكية من شركة ستارشيب تكنولوجيز (Starship Technologies)، والتي تعمل وفق المستوى الرابع من الاستقلالية في الذكاء الاصطناعي، وقد أنجزت حتى اليوم أكثر من 7 ملايين عملية توصيل في أكثر من مئة مدينة وجامعة وموقع صناعي.[11] وفي مثال آخر على الابتكار العملي، يبرز روبومارت (Robomart)، المتجر المتنقّل الذي يقصدك حيثما كنت، ليقدّم تجربة تسوّق فريدة. وتشير التقديرات إلى أن هذا النموذج قادر على تنفيذ عمليات التوصيل بتكلفة تقلّ بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بخدمات التوصيل التقليدية بواسطة البشر.[12]

أما في السماء، فلا تقل الابتكارات طموحاً. فقد بدأت شركة أمازون، عملاق التجارة الإلكترونية، بالفعل في اختبار تقنيات التوصيل عبر الطائرات بدون طيار داخل الولايات المتحدة، وتسعى حالياً لتوسيع هذه التجارب لتشمل دولاً أخرى مثل المملكة المتحدة وإيطاليا — في خطوة تمهّد الطريق لمستقبل تُحلّق فيه الطرود مباشرة إلى عتبات المنازل.[13]
ومع كل ما يُضخّ من استثمارات في رأس المال والتقنيات والموارد البشرية، لا يزال العالم ينتظر اللحظة التي تنتقل فيها خدمات التوصيل الآلي — سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الكبسولات الذكية — من نطاق التجربة إلى واقع معتمد في المدن الكبرى. وحتى ذلك الحين، لا يبدو أن الحل يكمن في ملء الشوارع الدائرية والتقاطعات بالمزيد من شاحنات التوصيل — سواء كانت كهربائية أو تقليدية.
وربما يكمن أحد أكثر الحلول واقعية لبناء منظومة توصيل مستدامة — على الأقل في المستقبل القريب — في خيار أبسط مما نتصوّر: مراكز اللوجستيات الحضرية (ULH)، التي قد تُحدث فرقاً حقيقياً من دون الحاجة إلى قفزات تكنولوجية بعيدة.
كيف يمكن لمراكز اللوجستيات الحضرية أن تعيد الحياة إلى المناطق الصناعية المتدهورة؟
تشكّل مراكز اللوجستيات الحضرية (ULH) نقطة التقاء حيوية بين سلاسل الإمداد العالمية والتوزيع المحلي، وتقع غالباً على أطراف المناطق السكنية، في مواقع استراتيجية تهدف إلى فصل حركة الشاحنات الثقيلة عن طرق المدينة المزدحمة. وتعمل هذه المراكز على استقبال البضائع من المصنّعين، أو تجّار الجملة، أو المستوردين، ثم تعيد توزيعها في مرحلة “الميل الأخير” باستخدام مركبات أصغر حجماً وأكثر كفاءة، وغالباً ما تكون كهربائية أو صديقة للبيئة. وبهذا الأسلوب، لا تساهم فقط في تحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات، بل قد تلعب أيضاً دوراً محورياً في تنشيط المناطق الصناعية المتراجعة، وتحويلها إلى محاور لوجستية نابضة بالحياة.
ومع اختلاف حجم السوق في كل مدينة، تظهر نماذج فرعية من مراكز اللوجستيات الحضرية قد تحقق جدوى أكبر اقتصادياً وبيئياً، بما يلبّي احتياجات كل منطقة بشكل أكثر تخصيصاً وفعالية.
- “الفنادق اللوجستية”، على سبيل المثال، هي مراكز متوسطة إلى كبيرة الحجم تُستخدم للتخزين وإعادة التوزيع، ويمكن أن تخدم منطقة حضرية أوسع.
- “المستودعات الصغيرة”، وهي مراكز صغيرة تقل مساحتها عن 2,000 متر2، تخدم مناطق محددة داخل كتلة حضرية.
- “مراكز التوصيل السريع”، وهي عبارة عن مرافق مدمجة للغاية ومخصّصة لتلبية الطلبات بسرعة داخل المناطق الحضرية الصغيرة.
ومهما اختلف النموذج المُعتمد، فإن الهدف الجوهري لمراكز اللوجستيات الحضرية يبقى ثابتاً: تقليص ما يُعرف بـ”التكاليف الاجتماعية” لحركة الشحن. فهي تسعى إلى تبسيط سلاسل الإمداد، وتقليص مسافات التوصيل، وخفض انبعاثات الهواء، والتخفيف من وطأة الازدحام المروري في الأحياء. والأهم من ذلك، أنها تفتح المجال أمام مشاركة أوسع وأكثر فاعلية لأصحاب المصلحة المحليين، مما يعزز التكامل بين الخدمات اللوجستية والنسيج المدني للمدينة أكبر.[14]
ولا يشترط أن تكون مراكز اللوجستيات الحضرية منشآت جديدة تُبنى من الصفر؛ ففي كثير من الحالات، يمكن إعادة استغلال مواقع صناعية مهجورة أو تكييف بنى تحتية قائمة — كالمباني الشاهقة أو المرافق تحت الأرض — لتلائم هذا الغرض الحيوي. وتُعد هذه النماذج مثالاً حيّاً على قوة الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ حيث تمتلك السلطات المحلية أدوات التنظيم والموافقة، بينما يجلب القطاع التجاري خبراته في الإنشاء والتشغيل بكفاءة وفعالية اقتصادية. وإذا ما أُحسن تخطيطها وتوجيهها، يمكن لتلك المساحات اللوجستية غير المستغلة أن تتحوّل إلى أصول ديناميكية متعددة الاستخدامات تخدم الاقتصاد والمجتمع في آنٍ معاً.
- ففي باريس، تفرض السلطات عقود إيجار لمدة 12 عاماً على مراكز اللوجستيات الحضرية، وتشترط تصميمها بما يسمح بتفكيكها أو تغيير وظيفتها بسهولة، في حال تغيرت احتياجات المجتمع المحلي مستقبلاً.[15]
- وفي طوكيو، حيث ارتفع الطلب على توصيل الطرود بنسبة 46% خلال عقد واحد، بدأت الحكومة بتخصيص أراضٍ للمرافق اللوجستية في المناطق الصناعية والمرافئ التقليدية. وتغذي هذه المنشآت محطات توصيل صغيرة تُستخدم فيها دراجات شحن أو عربات يدوية تقليدية لتوصيل البضائع من الباب إلى الباب.
- أما في البرازيل، حيث يعيش 85% من سكان البرازيل البالغ عددهم 200 مليون نسمة في المناطق الحضرية، فمن المتوقع أن تمثل التجارة الإلكترونية 25% من إجمالي التجارة في غضون خمس سنوات.[16] وبسبب تأخّر تصاريح البناء في بعض المدن البرازيلية لأكثر من 36 شهراً، بدأت مدينة ساو باولو بتحويل المرافق القائمة إلى مراكز توزيع جاهزة. وبحلول أوائل عام 2024، كانت ساو باولو قد جهّزت بالفعل 300 ألف متر مربع من المساحات المُعدلة، وتخطط لإضافة 500 ألف متر مربع إضافية بنهاية العام.
- أصبحت لندن في مرحلة ما بعد كوفيد-19 نقطة جذب لمراكز اللوجستيات الحضرية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مركز الفرز البيئي الجديد لشركة توصيل الطرود “دي بي دي” (DPD) في حي دوكلاندز، الذي يستخدم أسطول من 500 شاحنة توصيل كهربائية لخدمة المناطق الدائرية الشمالية والجنوبية في لندن. وقد برزت لندن أيضاً كنقطة انطلاق لنموذج جديد في عالم التوصيل: المطابخ المظلمة. هذه المطابخ الضخمة (المعروفة أيضاً باسم المطابخ “الشبحية” أو “الافتراضية”) غالباً ما تكون موجودة في المستودعات وتوفر خدمة التوصيل فقط للعملاء الذين يطلبون عبر الإنترنت. يقوم الطهاة بتسليم الوجبات إلى سائقي التوصيل من تطبيقات مثل Uber Eats وDeliveroo، والذين يوصلونها باستخدام دراجات هوائية أو كهربائية. ويُقدّر وجود أكثر من 100 مطبخ شبحي في لندن وحدها، وأكثر من 750 في جميع أنحاء المملكة المتحدة — مع ازدياد مستمر في عدد المواقع الجديدة.[17]
ومع تأسيس شبكة متنوعة من مراكز اللوجستيات الحضرية المتكاملة، تتجه الأنظار نحو الحلقة الأضعف — والأكثر حساسية — في سلسلة التوصيل: “مرحلة الميل الأخير”. هنا تتكثّف التحديات، وتبرز فرص الابتكار.
فكيف يمكن للقطاع الخاص، من خلال ما يملكه من أدوات وتقنيات متطورة، أن يُعيد صياغة هذه المرحلة لتصبح أكثر استدامة وكفاءة؟ وهل يمكن للتقنيات الجديدة أن تُعزّز هذا التحوّل الجذري في بنية اللوجستيات الحضرية، وتُمهّد الطريق نحو منظومة توصيل ذكية تخدم المدن وسكانها على حد سواء؟
كيف يُسهم الابتكار التكنولوجي في دعم الحلول الخضراء؟
تشير المؤشرات الحديثة إلى أن القطاع الخاص بات في موقع مثالي لقيادة مرحلة التغيير في خدمات توصيل “الميل الأخير”، وتوجيهها نحو مسارات أكثر استدامة. وتُعد عبد اللطيف جميل من بين أبرز الشركات التي تبادر بالاستثمار في حلول كهربائية مدمجة وصديقة للبيئة، تم تطويرها خصيصاً لتلبية متطلبات التوصيل في المناطق الحضرية.
وفي خطوة لافتة، أعلنت شركة جميل للسيارات (الدولية) في سبتمبر الماضي عن شراكة توزيع استراتيجية مع شركة “جيلي فاريزون” الصينية للمركبات التجارية العاملة بالطاقة الجديدة، تغطي أكثر من 10 أسواق عالمية، من بينها الإمارات والمملكة المتحدة وأستراليا. وتُعتبر الشاحنة الكهربائية المتقدمة “فاريزون سوبرفان (SV)” محور هذه الشراكة، وقد صُمّمت خصيصاً لتلبية احتياجات الأساطيل الأوروبية، مدعومة بتقنيات رائدة وابتكارات غير مسبوقة في فئة المركبات التجارية الخفيفة. وقد خضعت شاحنة سوبرفان لبرنامج تطوير واختبارات صارمة امتدّ لمليون ميل، وهي تستوفي — بل وتتجاوز — جميع المعايير الأوروبية في مجالات المتانة والسلامة والاستدامة البيئية.

تستند مركبة “فاريزون سوبرفان” إلى منصة معيارية متكاملة صُمّمت خصيصاً كمركبة “كهربائية المنشأ”، ما يمنحها تفوقاً ملحوظاً في سعة الحمولة، وكفاءة المدى، ودقة التحكم، ومستويات الأمان. ومن أبرز مزاياها التقنية المتقدمة “من الخلية إلى الحزمة” (Cell-to-Pack)، التي ترفع سعة البطارية بنسبة 10%، وتخفض الوزن بنسبة 4%، وتزيد صلابة الهيكل بنسبة 20% — ما يعزز الأداء والكفاءة بشكل ملحوظ. وتُعد سوبرفان أول مركبة نقل في العالم تعتمد على منصة قيادة إلكترونية مزدوجة (dual-redundancy drive-by-wire)، وهي ابتكار يُحدث فرقاً فعلياً في تقليل مسافة التوقف بنسبة 10%، وزيادة مدى السير بنسبة 5%، وتحسين استجابة التوجيه بنسبة تصل إلى 300%. ولا يتوقف الابتكار هنا، فتصميم المركبة يوفّر أيضاً قدرة تحميل محسّنة وارتفاعاً منخفضاً للغاية لمنطقة التحميل، ما يسهل عمليات الشحن والتفريغ، ويجعلها مثالية للبيئات الحضرية المكتظة.

وتعمل شركة ريفـيان (Rivian)، التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها والتي كانت عبد اللطيف جميل من أوائل المستثمرين الرئيسيين فيها، على استثمار الإمكانات الواعدة لقطاع لوجستيات الحضرية. وقد طرحت “ريفـيان” آلافاً من شاحناتها الكهربائية المخصصة للتوصيل في أوروبا والولايات المتحدة، مما ساهم في الحفاظ على الأحياء السكنية خالية من الملوّثات المرتبطة بالوقود الأحفوري. وفي عام 2023، عزّزت ريفـيان مكانتها بتوقيع صفقة مع عملاق التوصيل أمازون لتوريد أكثر من 300 شاحنة كهربائية تُستخدم في عمليات التوصيل إلى عتبات المنازل في مدن مثل ميونيخ وبرلين ودوسلدورف. وتهدف “ريفـيان” إلى تزويد “أمازون” بما لا يقل عن 100,000 شاحنة كهربائية بحلول عام 2030، وهو ما سيسهم في توفير ملايين الأطنان المترية من انبعاثات الكربون سنوياً، ودفع قطاع التوصيل العالمي نحو حقبة أنظف وأكثر استدامة.

وكشفت شركة غريفز إلكتريك موبيليتي (Greaves Electric Mobility)، الرائدة في قطاع المركبات الكهربائية في الهند، والتي تُعد عبد اللطيف جميل مستثمراً رئيسياً فيها، مؤخراً عن مجموعة جديدة من المركبات الكهربائية ثنائية وثلاثية العجلات، والمقرر طرحها في مختلف أنحاء الهند. ويأتي هذا التوسّع في واحدة من أكثر الأسواق حيوية في العالم، إذ تُعد الهند ثالث أكبر سوق للمركبات الخفيفة عالمياً، وتشكل المركبات ثنائية وثلاثية العجلات — التي تُعد الخيار المفضّل لتوصيل الميل الأخير — ما لا يقل عن 80% من إجمالي مبيعات المركبات في السوق الهندية.[18]

تشير هذه الابتكارات إلى أن اللوجستيات الحضرية — بدلاً من كونها أزمة تلوح في الأفق — قد تتحوّل إلى نقطة انطلاق تلهم الجيل القادم من التقنيات الذكية.
فعلى سبيل المثال، تستعد أمازون في عام 2025 لإطلاق 1,000 شاحنة كهربائية جديدة من إنتاج ريفيان، مزوّدة ببرنامج ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لاسترجاع الطرود. عادةً ما يقوم سائقو أمازون بأكثر من مئة عملية توصيل يومياً، ويضيعون وقتاً في فرز الطرود للعثور على السلعة الصحيحة في كل وجهة. وهنا يتدخل النظام الجديد، الذي يحدد موقع المركبة بدقة ويعرض رموزاً مرئية ذكية تتمثل في دائرة خضراء (O) على الطرود الصحيحة، وأخرى حمراء (X) على غير المطابقة — مما يختصر وقت الفرز من نحو خمس دقائق إلى أقل من دقيقة واحدة في المتوسط.
ومع ضخ مليارات الدولارات سنوياً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، يبدو أن مستقبل اللوجستيات الحضرية سيكون أكثر سرعة ونظافة وانسيابية مما تخيلناه.
ولنا أن تخيّل الآن أساطيل من المركبات المدمجة ذاتية القيادة (المستوى الخامس من الذكاء الاصطناعي)، تنساب بهدوء على الأرصفة، وتصعد وتنزل على مداخل المنازل، وأحياناً تحلّق في السماء فوق رؤوسنا — وكل ذلك تحت إشراف منظومة ذكية مترابطة تتفاعل مع حركة المرور بشكل لحظي.
ومع تكامل هذه المركبات مع شبكة إنترنت الأشياء (IoT)، يصبح لكل جهاز — من مركبة التوصيل إلى الثلاجة المنزلية — دور فاعل في سلسلة التوصيل. فقد تعرف ثلاجتك، قبل أن تدرك أنت، أنك بحاجة إلى خضروات مجمّدة، وتقوم تلقائياً بإرسال طلب إلى متجرك المفضل، ليصل الروبوت المبرد إلى باب منزلك محمّلاً بما ينقصك، من دون أي ضوضاء أو انبعاثات، وبأدنى تكلفة ممكنة.
وفي ظل هذا النموذج المتكامل للوجستيات الحضرية الذكية والمستدامة، يبقى السؤال الجوهري: ما الخطوات التي يجب أن يتخذها المنظّمون والشركات اليوم لضمان أن تتحوّل هذه الرؤية الجريئة إلى واقع ملموس في الغد؟
لماذا تعتبر الخدمات اللوجستية المستدامة ضرورية لمستقبل أكثر اخضراراً؟
في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التوصيل وسلوك المستهلك، يطرح المنتدى الاقتصادي العالمي خارطة طريق متكاملة تتضمن مجموعة من الإجراءات الفورية التي يمكن للقطاعين العام والخاص تبنّيها لتعظيم الفرص الكامنة في إعادة تشكيل منظومة اللوجستيات الحضرية — مع التأكيد على أهمية التكامل بين الجانبين لإنجاح هذا التحوّل.[19]
- القطاع العام: يقع على عاتق مخطّطي المدن دمج أنظمة التوصيل المنزلي ضمن استراتيجيات التخطيط الشامل، من خلال اعتماد خطط اللوجستيات الحضرية المستدامة (SULP). كما يجب العمل على توحيد اللوائح الناظمة لتفاعل المركبات الذكية — المزوّدة بالذكاء الاصطناعي — مع عناصر البيئة الحضرية مثل الطرق واللافتات والبنية التحتية. ويمكن دعم السلوكيات اللوجستية الآمنة والمستدامة من خلال الحوافز والمنح الحكومية.
- القطاع الخاص: يتعيّن على الشركات أن تبادر إلى بناء قواعد متينة للكفاءة التشغيلية، من خلال التعاون على تطوير التقنيات الجديدة واعتماد نماذج مرنة مثل شبكات الاستلام والتوصيل (PUDO). كما أن التحوّل نحو أساطيل صديقة للبيئة يتطلّب استبدال المركبات التقليدية، وتقديم حلول تمويلية مبتكرة للمركبات الكهربائية. وعلى القطاع أيضاً أن يضطلع بدور توعوي، من خلال تثقيف المستهلكين حول فوائد التوصيل المستدام وتقديم عروض وخصومات خضراء تُشجع على تبنّيه.
- التعاون بين القطاعين العام والخاص: يجب على الشركات والسلطات المحلية التفكير سوياً في أفضل السبل الممكنة لاستغلال البنية التحتية والأصول المشتركة، مثل المراكز المصغّرة (micro-hubs) وخزائن الطرود الذكية. كما أن تبادل البيانات حول أنماط الشراء وحركة المرور يمكن أن يوفّر الأساس المالي والتشغيلي لتحوّل ناجح. وتُظهر دراسات الحالات الواقعية أن احترام البيئة الطبيعية لا يُعد عائقاً أمام النجاح التجاري — بل قد يكون محرّكه الأساسي.
والأهم، أن الطرح التجاري لهذا التحوّل لم يكن يوماً أكثر وضوحاً مما هو عليه اليوم، لا سيّما وأن أكثر من 70% من المتسوّقين اليوم يصرّحون بأن خيارات التوصيل المستدام تُسهم في تحفيز قراراتهم الشرائية.[20]
علينا أن نتعلّم من أخطاء الماضي، وألّا نتجاهل المؤشرات الواضحة التي تؤكد تغيّر عادات التسوّق جذرياً. فالمستهلكون اليوم يفضّلون المعاملات الصغيرة المتكرّرة، ويطالبون براحة التوصيل السريع والمنتظم إلى عتبات منازلهم، وكل ذلك دون المساس بسلامة ونظافة مجتمعاتهم السكنية. وهنا يبرز دور اللوجستيات الحضرية المتكاملة كحل ذكي يجمع بين الكفاءة والوعي البيئي؛ فهي لا تعزّز فقط القيمة الشاملة لقطاع التجزئة، بل تسهم أيضاً في حماية المجتمعات التي نعيش فيها ونفخر بالانتماء إليها.
[1] https://internetretailing.net/how-online-growth-has-reshaped-the-uks-high-streets-and-the-effect-on-retail-jobs-24430/
[2] https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9288815/
[3] https://www.itf-oecd.org/urban-logistics-hubs
[4] https://www.itf-oecd.org/urban-logistics-hubs
[5] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Transforming_Urban_Logistics_2024.pdf
[6] https://www.invespcro.com/blog/ecommerce-product-return-rate-statistics/
[7] https://www.theguardian.com/business/2023/nov/10/many-unhappy-returns-uk-retailers-count-the-costly-growth-in-sent-back-items
[8] https://dieselnet.com/standards/eu/lez.php
[9] https://tfl.gov.uk/corporate/about-tfl/air-quality
[10] https://evmagazine.com/top10/top-10-autonomous-delivery-innovators-you-didnt-know-about
[11] https://www.starship.xyz/
[13] https://www.aboutamazon.com/news/operations/amazon-prime-air-drone-delivery-updates
[14] https://www.itf-oecd.org/sites/default/files/docs/final-frontier-urban-logistics.pdf
[15] https://urban-mobility-observatory.transport.ec.europa.eu/news-events/news/new-guide-urban-logistics-hubs-aims-deliver-sustainable-freight-transport-cities-2024-08-09_en
[16] https://www.itf-oecd.org/sites/default/files/urban-logistics-six-case-studies.pdf
[17] https://www.twobirds.com/en/insights/2021/uk/use-of-dark-kitchens-in-franchised-systems
[18] https://alj.com/en/perspective/advancing-indias-ev-market/
[19] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Transforming_Urban_Logistics_2024.pdf
[20] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Transforming_Urban_Logistics_2024.pdf
أُضيفت إلى الملف الصحفي