هل يمكن أن تشكل مقاومة الأدوية في الثروة الحيوانية تهديداً للرفاه العالمي؟
لم يعد تأثير مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) في صحة الإنسان موضع جدل، بل أصبح يمثل أحد أخطر التحديات الصحية العالمية. غير أن مقاومة الأدوية لدى البشر ليست سوى جزء من الصورة. فمقاومة مضادات الميكروبات لدى حيوانات المزارع قد تكون بالقدر نفسه من الخطورة، ليس على صحة الحيوانات فحسب، بل أيضاً على الأمن الغذائي العالمي، واقتصادات المناطق الريفية، والاستقرار المالي لقطاع يوفر سبل العيش لنحو 1.3 مليار شخص حول العالم. [1]
وغدت حيوانات المزارع، من غير قصد، بيئات حاضنة لتطور البكتيريا فائقة المقاومة للمضادات الحيوية (Superbugs). ففي أوروبا، على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 50% من الخنازير في المزارع تحمل بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين ( MRSA). [2]
وفي مواجهة هذه الظاهرة، ارتفع استخدام مضادات الميكروبات بأكثر من 50% خلال العقدين الماضيين، ولا سيما في الاقتصادات النامية، حيث غالباً ما تكون الأطر التنظيمية وآليات الرقابة أقل صرامة. ويُستخدم اليوم نحو 70% من إجمالي مضادات الميكروبات عالمياً في تربية الحيوانات، إذ يبلغ حجم استخدامها نحو 100,000 طن سنوياً، ومن المتوقع أن يرتفع إلى قرابة 140,000 طن بحلول عام 2040 [3]، [4] مدفوعاً بالنمو السكاني العالمي وما يصاحبه من زيادة مطردة في الطلب على اللحوم والمنتجات الحيوانية.
دراسة حالة: الدجاج يتسبب في موجة تفشٍ للسالمونيلا في الولايات المتحدة
شهدت عدة ولايات أمريكية خلال عام 2025 تفشياً واسعاً لبكتيريا السالمونيلا، ما أدى إلى إدخال مئات الأشخاص إلى المستشفيات بعد إصابتهم بإسهال حاد، وحمى، وقيء. وأظهرت الفحوص أن السلالة المسببة للعدوى كانت مقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة كخط علاج أول، ومنها الفوسفوميسين (Fosfomycin)، مما زاد من صعوبة علاج المصابين. وقد أودى التفشي بحياة شخصين، بينما كشفت التحقيقات الوبائية أن العدوى انتقلت إلى البشر من أسراب الدجاج التي تُربى في المنازل.
ومن الحقائق العلمية الراسخة أن الإفراط في استخدام مضادات الميكروبات يزيد من احتمالات تطور مقاومة الكائنات الدقيقة لها. فمع استمرار تعرض هذه الكائنات لمضادات الميكروبات، تكتسب الأنواع التي كانت في السابق تستجيب للعلاج ــ سواء كانت بكتيريا، أو فيروسات، أو فطريات، أو طفيليات مجهرية ــ قدرة متزايدة على مقاومة الأدوية التي كانت فعالة في القضاء عليها.
وتحذر الدراسات من أن استمرار تفاقم مقاومة مضادات الميكروبات قد يؤدي إلى انخفاض أعداد قطعان الماشية عالمياً بنسبة تصل إلى 8% بحلول عام 2050، وقد ترتفع هذه النسبة إلى 11% في البلدان منخفضة الدخل، التي تعاني أصلاً تحديات كبيرة في إنتاج الغذاء وتأمين احتياجاتها الغذائية. [5]
فكيف وصلنا إلى مرحلة تتدهور فيها صحة ثروتنا الحيوانية، وتصبح فيها منظوماتنا الغذائية العالمية عرضة لهذا القدر من التهديد؟

ولماذا نعتمد إلى هذا الحد على المضادات الحيوية؟
إذا كانت المضادات الحيوية هي سبب المشكلة، فلماذا لا نكتفي ببساطة بتقليل استخدامها؟ قد يبدو هذا الطرح، للوهلة الأولى، حلاً بديهياً في غاية البساطة، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.
فالمضادات الحيوية تمثل حجر الأساس الذي تقوم عليه الممارسات الطبية الحديثة، إذ تعالج العدوى إما بالقضاء المباشر على البكتيريا أو بمنعها من التكاثر. وفي الطب البشري، تُستخدم لعلاج مجموعة واسعة من الحالات، من بينها:
- التهابات الجهاز التنفسي، مثل التهاب الشعب الهوائية والالتهاب الرئوي.
- الجروح المصابة بالعدوى.
- الأمراض المنقولة جنسياً.
- التهابات المسالك البولية والمثانة.
- وأمراض خطيرة أخرى، مثل التهاب السحايا.
وفي بعض الحالات، تُستخدم المضادات الحيوية كإجراء وقائي للأشخاص الذين يعانون ضعفاً في الجهاز المناعي أو الذين يستعدون للخضوع لعمليات جراحية، كما قد تُوصف بعد الإصابة بالعدوى لدعم دفاعات الجسم الطبيعية وتعزيز تعافيه.
وبالنسبة للبشر والحيوانات على حد سواء، تشمل المضادات الحيوية الأكثر شيوعاً:
- البنسلينات (Penicillins)، مثل الأموكسيسيلين (Amoxicillin).
- السيفالوسبورينات (Cephalosporins)، المستخدمة في علاج تعفن الدم (Sepsis).
- الماكروليدات (Macrolides)، لعلاج الالتهاب الرئوي.
- الفلوروكينولونات (Fluoroquinolones)، المستخدمة في علاج حالات العدوى المتكررة.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، غالباً ما تُعطى المضادات الحيوية الوقائية لقطعان كاملة عبر مياه الشرب أو الأعلاف. ورغم أن الوقاية خير من العلاج، فإن هذا النهج الوقائي يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى الإفراط في وصف هذه الأدوية. وهكذا، وبحسن نية، قد نسهم من حيث لا ندري في دفع البكتيريا الطبيعية إلى التحور، فتتحول إلى سلالات مقاومة للأدوية تشكل تهديداً صحياً في المستقبل.
ما مخاطر تجاهل تهديد مقاومة مضادات الميكروبات؟
لم تعد مقاومة مضادات الميكروبات خطراً افتراضياً قد نواجهه في المستقبل، بل واقع نعايش آثاره بالفعل. ففي غياب مضادات حيوية فعالة، يصبح علاج الحيوانات المصابة على النحو المطلوب أمراً بالغ الصعوبة، ما يؤدي إلى معاناة لا داعي لها ونفوق مبكر، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات واسعة تمتد آثارها إلى الإنسان.
قد يؤدي الإخفاق في التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات على المستوى العالمي إلى خسائر تراكمية في الناتج الاقتصادي تُقدَّر بنحو 100 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050.
وقد رُصدت بالفعل سلالات مقاومة للأدوية من الإشريكية القولونية (E. coli)، والعطيفة (Campylobacter)، والسالمونيلا (Salmonella) في قطعان الدواجن حول العالم، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ معدلات النمو، والاضطرار إلى تنفيذ عمليات إعدام جماعي للطيور. [6]
كما يشهد مربو الخنازير تزايداً في حالات الزحار الخنزيري المقاوم لمضادات الميكروبات، وهو مرض شديد العدوى يصيب الأمعاء ويسبب التهاباً مخاطياً نزفياً حاداً، وينتقل عبر البراز الملوث أو القوارض أو المعدات الملوثة.
دراسة حالة: سلالة مقاومة للمضادات الحيوية منشؤها الثروة الحيوانية تؤجج تفشي بكتيريا MRSA في المملكة المتحدة
خلال فترة الإغلاق التي فُرضت لجائحة كوفيد-19 في المملكة المتحدة، أُصيب اثنا عشر مريضاً، تراوحت أعمارهم بين 22 و70 عاماً، بعدوى في جروحهم أثناء تلقيهم العلاج في إحدى وحدات علاج الحروق. وأظهرت الفحوص أن العدوى ناجمة عن بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA).
وبعد إخفاق عدة محاولات للعلاج، تبيّن أن السلالة المسببة للعدوى منشؤها الثروة الحيوانية، وأنها مقاومة للمضاد الحيوي الميثيسيلين (Methicillin)، مما قلّص بشكل كبير الخيارات العلاجية المتاحة. ورغم نجاة جميع المرضى، فإن التحقيقات لم تتمكن من تحديد الكيفية التي تسللت بها البكتيريا إلى المنشأة الصحية.
وفي كثير من الحالات، لم تعد المضادات الحيوية التقليدية تحقق الفاعلية المطلوبة، ما دفع المربين إلى الاعتماد بصورة متزايدة على البلوروموتيلينات (Pleuromutilins)، وهي مضادات بكتيرية أقوى تستهدف موقعاً مختلفاً على الريبوسوم البكتيري، فتمنع البكتيريا من تصنيع البروتينات اللازمة لنموها. إلا أن هذه الفئة من المضادات الحيوية بدأت هي الأخرى تواجه تزايداً في مقاومة البكتيريا لها، بما يهدد بخسائر كبيرة في الثروة الحيوانية.
وقد يخلف الزحار الخنزيري آثاراً مدمرة أيضاً، إذ تصل معدلات الإصابة داخل القطعان المصابة إلى 90%، بينما تبلغ معدلات النفوق نحو 30%. [7]
ولم يعد التقاعس خياراً يمكن تحمله. فالإخفاق في التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات في قطاع الثروة الحيوانية على مستوى العالم قد يكلف الاقتصاد العالمي خسائر تراكمية تصل إلى 100 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050، نتيجة انخفاض الناتج المحلي الإجمالي السنوي [8] بنحو 3.8%. أما في أسوأ السيناريوهات، فإذا فقدت جميع المضادات الحيوية فاعليتها بسبب تحور البكتيريا، فإن الثمن الحقيقي سيكون أرواح البشر.
لماذا تتجاوز آثار مقاومة مضادات الميكروبات في الثروة الحيوانية حدود المزارع؟
لا تتوقف آثار مقاومة مضادات الميكروبات في الثروة الحيوانية عند أسوار المزارع، بل تمتد عبر سلاسل الغذاء، والأنظمة الصحية، والنظم البيئية، والاقتصادات. ولهذا تُصنَّف هذه الظاهرة على نحو متزايد ضمن تحديات «الصحة الواحدة» (One Health)، وهو نهج يقوم على أن صحة الإنسان، والحيوان، والنبات، والبيئة مترابطة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
أما بالنسبة للحيوانات، فتظهر التداعيات بصورة مباشرة وملموسة. فعندما تصبح العدوى الشائعة أكثر صعوبة في العلاج، تطول معاناة الحيوانات، وترتفع معدلات النفوق، ويتحمل المربون تكاليف بيطرية أعلى، إلى جانب تراجع الإنتاجية وتزايد الخسائر. وفي الحالات الشديدة، قد تؤدي العدوى المقاومة للأدوية إلى تنفيذ عمليات إعدام جماعي للحيوانات، وتعطيل برامج التربية والتكاثر، وتقليص إمدادات البروتين الحيواني الآمن والميسور التكلفة. ومن ثم، فإن القضية بالنسبة للأسر والمجتمعات التي تعتمد في معيشتها على الثروة الحيوانية لا تقتصر على صحة الحيوانات فحسب، بل تمتد إلى الدخل، والتغذية، والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
كما يمكن للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية أن تنتقل إلى الإنسان عبر الاحتكاك المباشر بالحيوانات، أو من خلال الأغذية الملوثة، أو السماد العضوي، أو التربة، أو المياه، أو البيئة المحيطة على نطاق أوسع. وما إن تدخل هذه الكائنات الدقيقة المقاومة إلى التجمعات البشرية، حتى تجعل علاج حالات العدوى اليومية أكثر صعوبة، كما تزيد من المخاطر المرتبطة بالعمليات الجراحية، وعلاج السرطان، والولادة، والرعاية المركزة. وتشير دراسة تحليلية عالمية نشرتها مجلة «ذا لانسيت» (The Lancet) إلى أنه، في حال عدم اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، قد تصبح مقاومة مضادات الميكروبات مسؤولة بصورة مباشرة عن 1.91 مليون حالة وفاة سنوياً بحلول عام 2050، مع ارتباط ما يصل إلى 8.22 مليون وفاة سنوياً بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. [9]
ولا تقتصر التداعيات على الجانب الصحي، بل تمتد إلى آثار اجتماعية واقتصادية هائلة. فقد حذّر البنك الدولي من أن استمرار مقاومة مضادات الميكروبات دون سيطرة قد يدفع نحو 28 مليون شخص إلى براثن الفقر. كما تشير النماذج الاقتصادية إلى أن الخسائر المرتبطة تحديداً بمقاومة مضادات الميكروبات في قطاع الثروة الحيوانية قد تصل إلى 950 مليار دولار أمريكي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين قد تبلغ الخسائر الناجمة عن انتقال مسببات الأمراض المقاومة من الحيوانات إلى البشر ما يصل إلى 5.2 تريليون دولار أمريكي. [10] وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الحقيقي، إذ يمكن لمقاومة مضادات الميكروبات أن تُضعف الأنظمة الصحية، وتعطل حركة التجارة، وترفع تكاليف الرعاية الصحية على الأسر، وتفاقم الضغوط على الدول التي تعاني أصلاً انعدام الأمن الغذائي.
ولا تقف تداعيات مقاومة مضادات الميكروبات عند حدود صحة الإنسان والحيوان، بل تمتد لتطال البيئة أيضاً. فبقايا مضادات الميكروبات والكائنات الدقيقة المقاومة قد تتسرب إلى التربة والمجاري المائية عبر السماد العضوي، ومياه الصرف الزراعي، وأنظمة الاستزراع المائي. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن ما بين 75% و90% من المضادات الحيوية التي خضعت للدراسة تُفرَز من أجسام الحيوانات من دون أن تتحلل أو تُستقلب، مما يوفر بيئة مواتية لبقاء الكائنات الدقيقة المقاومة وانتشارها على نطاق أوسع. [11]
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية الاستخدام الرشيد لمضادات الميكروبات في قطاع الثروة الحيوانية على حماية صحة الحيوانات فحسب، بل تمتد إلى حماية الإنسان والبيئة وتعزيز الأمن الغذائي. فالحيوانات الأكثر صحة تحتاج إلى كميات أقل من الأدوية، كما أن تعزيز تدابير الأمن الحيوي يحد من مخاطر العدوى، وتساعد أنظمة الرصد الأكثر كفاءة على احتواء بؤر التفشي في مراحلها المبكرة، في حين يسهم تحسين إدارة المخلفات في الحد من التلوث البيئي. وفي المحصلة، فإن التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات في قطاع الثروة الحيوانية يعني غذاءً أكثر أماناً، وقطاعاً زراعياً أكثر قدرة على الصمود، ومخاطر صحية أقل، واستقراراً اقتصادياً أكبر على المدى الطويل.
وإذا كانت آثار مقاومة مضادات الميكروبات تمتد عبر المزارع، والمستشفيات، وسلاسل الغذاء، والنظم البيئية، فإن التصدي لها لا بد أن يكون مترابطاً بالقدر نفسه. ويبدأ ذلك بفهمٍ أعمق للبؤر التي تنشأ فيها هذه المقاومة، والآليات التي تنتشر من خلالها، والتدخلات الكفيلة بالحد من الحاجة إلى استخدام مضادات الميكروبات، من دون المساس برفاه الحيوان أو الأمن الغذائي.
كيف يمكننا الحد من مقاومة الأدوية؟
على الرغم من أن مقاومة مضادات الميكروبات باتت تشكل تهديداً متنامياً على مستوى العالم، فإنه لا توجد حتى الآن جهة مركزية تتولى رصد بؤر انتشارها أو توثيق التراجع المستمر في فاعلية المضادات الحيوية التقليدية.
فكيف يمكننا التصدي بفاعلية لمقاومة مضادات الميكروبات إذا كنا لا نملك فهماً دقيقاً لمدى انتشارها أو حجم خطورتها؟
في محاولة لسد هذه الفجوة، أُنشئت قاعدة البيانات الإلكترونية resistancebank.org، التي تجمع مئات التقارير المتعلقة بمقاومة مضادات الميكروبات في الثروة الحيوانية من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية.
ومع ذلك، لا تزال هذه القاعدة بعيدة عن أن تكون شاملة، إذ تقتصر على الحالات التي تتجاوز فيها معدلات مقاومة مضادات الميكروبات في الثروة الحيوانية 50%، فضلاً عن تأثرها بتفاوت أساليب أخذ العينات وجودة البيانات بين مختلف الدول والمناطق.
إن الكميات الزائدة من المضادات الحيوية التي تتسرب من المزارع إلى التربة والمجاري المائية توفر بيئة مواتية لتطور البكتيريا المقاومة في الطبيعة. وحتى وجود بقايا هذه الأدوية في السماد الحيواني قد يؤدي إلى انتشارها على نطاق أوسع، نظراً لاستخدام المخلفات الحيوانية على نطاق واسع كأسمدة زراعية. ولذلك، يستطيع العاملون في قطاع الثروة الحيوانية الإسهام في الحد من هذه المشكلة من خلال ضبط استخدام لمضادات الحيوية، وصرفها بالكميات الضرورية فقط، مع ضمان التخلص الآمن من أي كميات متبقية من الأدوية. كما ينبغي تطبيق أساليب سليمة للتخلص من المخلفات الحيوانية وأي مخلفات زراعية أو صناعية أخرى قد تكون ملوثة بمضادات الميكروبات.
وثمة محور آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحد من تفشي الأمراض داخل قطعان الثروة الحيوانية من خلال تحسين مستويات النظافة والرعاية الصحية في المزارع. ويعد حسن إدارة الثروة الحيوانية حجر الأساس في هذا المجال، ويشمل ما يلي:
- عزل الحيوانات الوافدة حديثاً قبل دمجها مع القطعان.
- الحد من أعداد الزوار المسموح لهم بدخول المزارع.
- استخدام أحواض تطهير للأحذية عند مداخل المزارع.
- تقييد الوصول إلى مناطق الرعي.
- تعقيم المركبات والأدوات والمعدات بصورة دورية.
- مكافحة الآفات والحيوانات البرية التي قد تصل إلى معالف الحيوانات وتنقل مسببات الأمراض.
كما ينبغي للمربين إعداد برامج تحصين مصممة وفق احتياجات كل قطيع، بالتعاون مع الأطباء البيطريين المختصين، بما يضمن تحقيق مناعة فعالة من دون الإفراط غير المبرر في استخدام اللقاحات. ويجب أيضاً فحص الحيوانات يومياً لرصد أي علامات مرضية، مع عزل أي حيوان يشتبه بإصابته فوراً، إضافة إلى إزالة الجثث والتخلص منها بسرعة لمنع انتقال العدوى إلى الحيوانات الأخرى.

وتصف المنظمة العالمية لصحة الحيوان (World Organization for Animal Health) مقاومة مضادات الميكروبات بأنها «واحدة من أعظم التحديات الصحية العالمية في عصرنا». ومع ذلك، تؤكد المنظمة أن الفرصة لا تزال قائمة لاحتواء هذا الخطر، في ظل بروز عدد من الاستراتيجيات القادرة على الحد من الانتشار المتزايد للبكتيريا فائقة المقاومة. [12]
«واحدة من أعظم التحديات الصحية العالمية في عصرنا» — المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) عن مقاومة مضادات الميكروبات.
إن الكميات الزائدة من المضادات الحيوية التي تتسرب من المزارع إلى التربة والمجاري المائية توفر بيئة مواتية لتطور البكتيريا المقاومة في الطبيعة. وحتى وجود بقايا هذه الأدوية في السماد الحيواني قد يؤدي إلى انتشارها على نطاق أوسع، نظراً لاستخدام المخلفات الحيوانية على نطاق واسع كأسمدة زراعية. ولذلك، يستطيع العاملون في قطاع الثروة الحيوانية الإسهام في الحد من هذه المشكلة من خلال ضبط استخدام لمضادات الحيوية، وصرفها بالكميات الضرورية فقط، مع ضمان التخلص الآمن من أي كميات متبقية من الأدوية. كما ينبغي تطبيق أساليب سليمة للتخلص من المخلفات الحيوانية وأي مخلفات زراعية أو صناعية أخرى قد تكون ملوثة بمضادات الميكروبات.
وثمة محور آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحد من تفشي الأمراض داخل قطعان الثروة الحيوانية من خلال تحسين مستويات النظافة والرعاية الصحية في المزارع. ويعد حسن إدارة الثروة الحيوانية حجر الأساس في هذا المجال، ويشمل ما يلي:
- عزل الحيوانات الوافدة حديثاً قبل دمجها مع القطعان.
- الحد من أعداد الزوار المسموح لهم بدخول المزارع.
- استخدام أحواض تطهير للأحذية عند مداخل المزارع.
- تقييد الوصول إلى مناطق الرعي.
- تعقيم المركبات والأدوات والمعدات بصورة دورية.
- مكافحة الآفات والحيوانات البرية التي قد تصل إلى معالف الحيوانات وتنقل مسببات الأمراض.
كما ينبغي للمربين إعداد برامج تحصين مصممة وفق احتياجات كل قطيع، بالتعاون مع الأطباء البيطريين المختصين، بما يضمن تحقيق مناعة فعالة من دون الإفراط غير المبرر في استخدام اللقاحات. ويجب أيضاً فحص الحيوانات يومياً لرصد أي علامات مرضية، مع عزل أي حيوان يشتبه بإصابته فوراً، إضافة إلى إزالة الجثث والتخلص منها بسرعة لمنع انتقال العدوى إلى الحيوانات الأخرى.
يمكن للفحوص الدورية أن تساعد في اكتشاف الحالات الفردية لمقاومة مضادات الميكروبات قبل أن تتحول إلى بؤر تفشٍ واسعة النطاق.
ومن جهة أخرى، ينبغي لمربي الماشية في المراعي استخدام مياه الشبكات العامة بدلاً من مياه الجداول والخنادق لسقي الحيوانات، نظراً إلى أن مياه الشبكات تخضع للمعالجة الكيميائية وتتميز بمصدر موثوق. كما ينبغي الامتناع عن نشر الروث السائل في المراعي خلال فترات الرعي. وتساعد الفحوص المنتظمة على اكتشاف حالات مقاومة مضادات الميكروبات في مراحلها المبكرة قبل أن تتطور إلى تفشيات واسعة. كذلك، ينبغي تحديث خطط الأمن الحيوي باستمرار، بحيث تتضمن إجراءات واضحة للتعامل مع أي حالة إصابة، بما في ذلك إبلاغ الجهات المختصة على الفور، والاحتفاظ بسجلات دقيقة لحركة الحيوانات بما يضمن سهولة تتبعها عند الحاجة.
وفي المقابل، بدأ عدد من الخبراء في مجالي الزراعة والتغذية يتطلعون إلى ما هو أبعد من الاعتماد على مضادات الميكروبات وحدها، عبر التركيز على مفهوم أكثر شمولاً لصحة الحيوان. ويتجه بعضهم إلى استخدام البروبيوتيك (Probiotics)، وهي كائنات دقيقة نافعة، مثل بعض أنواع البكتيريا أو الخمائر، لتعزيز توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء، وتقوية المناعة الطبيعية، ودعم صحة الثروة الحيوانية بصورة مستدامة.
وأياً كان النهج المتبع، فإن القطاع الخاص، بما يملكه من قدرات تمويلية واستثمارية، يظل شريكاً لا غنى عنه في الجهود العالمية الرامية إلى التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات. ويبرهن التعاون الواعد بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجميل للأبحاث (Jameel Research)، التابعة لشبكة عبد اللطيف جميل الدولية، على ما يمكن أن تحققه الشراكات الاستراتيجية من أثر في تعزيز صحة الثروة الحيوانية وترسيخ قدرتها على الصمود في مواجهة التحديات المستقبلية.
هل يستطيع القطاع الخاص توظيف الذكاء الاصطناعي لمواجهة تنامي مقاومة الأدوية؟
في يناير 2026، أعلنت جميل للأبحاث عن تمويل مشروع بحثي جديد في قسم الهندسة البيولوجية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يهدف إلى التصدي لمشكلة مقاومة مضادات الميكروبات.

ويقود هذا المشروع الطموح، الممتد على مدى ثلاث سنوات، البروفيسور جيمس جيه. كولينز، أستاذ تيرمير للهندسة والعلوم الطبية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وقائد قطاع علوم الحياة في عيادة جميل بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي تُعد المركز الرئيس للمعهد في مجال الذكاء الاصطناعي وابتكارات الرعاية الصحية.
ويعمل البروفيسور كولينز وفريقه على تطوير جيل جديد من العلاجات المضادة للبكتيريا وأدوات التشخيص السريع. ومن خلال الجمع بين البيولوجيا التركيبية (Synthetic Biology) وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) المتقدمة، يهدف المشروع إلى تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية، وتوجيه المضادات الحيوية إلى المواقع التي تحقق فيها أعلى مستويات الفاعلية.
تقوم فكرة المشروع على إيصال جزيئات بروتينية مصغرة مصممة خصيصاً للارتباط بأهداف محددة (Minibinders) عبر كائنات دقيقة معدلة، بهدف تحييد السموم الحيوية والأهداف البروتينية الرئيسة.
وتركز المرحلة الأولى من المشروع على تطوير واختبار علاجات مضادة للبكتيريا قابلة للبرمجة، صُممت للتصدي لمقاومة مضادات الميكروبات لدى طيف واسع من مسببات الأمراض البكتيرية. وتعتمد هذه العلاجات على جزيئات تُعرف باسم «البروتينات الارتباطية المصغرة» (Minibinders)، تُنقل بواسطة كائنات دقيقة مُعدلة، لتقوم بتحييد السموم الأساسية والأهداف البروتينية الحيوية داخل البكتيريا.
وتمثل هذه المقاربة الجديدة في تطوير المضادات الحيوية خطوة مهمة نحو تحقيق هدف طويل الأمد يتمثل في ابتكار علاجات قابلة للبرمجة قادرة على التغلب على مقاومة مضادات الميكروبات لدى كل من الإنسان والثروة الحيوانية. كما يمكن لهذا التوجه مستقبلاً أن يسرّع تطوير التدابير الطبية المضادة لمواجهة مسببات الأمراض الناشئة أو التي تعاود الظهور بوتيرة أسرع، بما يعزز جاهزية العالم للاستجابة للأوبئة.
ويقول البروفيسور جيمس جيه. كولينز:
«تُعد مقاومة مضادات الميكروبات واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً التي نواجهها اليوم، والتصدي لها يتطلب علماً طموحاً وتعاوناً مستداماً. ويجسد هذا المشروع قناعتي بأن مواجهة مقاومة مضادات الميكروبات تستلزم الجمع بين الأفكار العلمية الجريئة والقدرة على تحويلها إلى حلول عملية تحدث أثراً ملموساً في الواقع.»
ويضيف:
«يُسعدنا دعم هذا المشروع البحثي الجديد، استناداً إلى شراكتنا الممتدة مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتزامنا الراسخ بتعزيز الصحة العالمية والإسهام في بناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.»
«يُسعدنا دعم هذا المشروع البحثي الجديد، استناداً إلى شراكتنا الممتدة مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتزامنا الراسخ بتعزيز الصحة العالمية والإسهام في بناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.» — البروفيسور جيمس جيه. كولينز
وفي الوقت الذي نترقب فيه ما قد تحققه الابتكارات الطبية والتكنولوجية الحديثة، ينبغي أن نبقى على قدر عالٍ من اليقظة في تعاملنا مع مقاومة مضادات الميكروبات. فلا بد أن ندرك أننا لن نستطيع منع مسببات الأمراض من التكيف مع بيئاتها أو من تطوير مقاومة للمضادات الحيوية. فالتطور، في نهاية المطاف، هو العملية الطبيعية ذاتها التي مكّنت الإنسان من التكيف والازدهار على كوكب الأرض.
غير أن تقبّل هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام أو التقاعس عن العمل، بل يفرض علينا توجيه جهودنا نحو دعم منظومة بحثية متقدمة تعزز الابتكار في مجال مقاومة مضادات الميكروبات، بالتوازي مع تبني ممارسات زراعية مستدامة تُبطئ قدر الإمكان تطور مقاومة مسببات الأمراض.
فالحفاظ على فاعلية مضادات الميكروبات في الثروة الحيوانية اليوم يعني في الوقت نفسه حماية مستقبل الرعاية الصحية، وتعزيز الأمن الغذائي، وصون صحة البيئة، ودعم قدرة المجتمعات حول العالم على الصمود اقتصادياً.
ويمثل هذا النهج الثنائي أفضل فرصة لتحقيق أثر مستدام في صحة الثروة الحيوانية على مستوى العالم، مع حماية الاقتصادات الزراعية وضمان استدامة إنتاج الغذاء للأجيال القادمة.
خمس حقائق سريعة
س: ما مدى انتشار الأمراض المعدية بين الثروة الحيوانية حول العالم؟
ج: تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 50% من الخنازير في المزارع الأوروبية تحمل بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA)، وهي سلالة من بكتيريا المكورات العنقودية تتمتع بمقاومة للعديد من المضادات الحيوية الشائعة.
س: هل يمكن أن تؤثر مقاومة مضادات الميكروبات في أعداد قطعان الماشية عالمياً؟
ج: تشير الدراسات إلى أن استمرار انتشار مقاومة مضادات الميكروبات قد يؤدي إلى انخفاض أعداد قطعان الماشية على مستوى العالم بنسبة تصل إلى 8% بحلول عام 2050.
س: هل تفرط المزارع في استخدام المضادات الحيوية؟
ج: نعم، فقد ارتفع استخدام مضادات الميكروبات بأكثر من 50% خلال العقدين الماضيين، ويُستهلك اليوم نحو 70% من إجمالي مضادات الميكروبات عالمياً في قطاع الثروة الحيوانية.
س: لماذا تشكل مقاومة مضادات الميكروبات لدى الحيوانات تهديداً للمجتمع ككل؟
ج: لأن البكتيريا المقاومة يمكن أن تنتقل عبر سلاسل الغذاء، أو من خلال الاحتكاك المباشر بالحيوانات، أو السماد العضوي، أو التربة، أو المياه، مما يزيد من خطر انتشار حالات عدوى يصعب علاجها لدى البشر.
س: ما حجم الخسائر التي قد يتكبدها الاقتصاد العالمي بسبب مقاومة مضادات الميكروبات؟
ج: يقدّر البنك الدولي أن تفاقم مقاومة مضادات الميكروبات دون سيطرة قد يؤدي إلى خسارة تعادل 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً بحلول عام 2050، فضلاً عن دفع نحو 28 مليون شخص إلى براثن الفقر.
[1] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[2] https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0195670121004357
[3] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[4] https://www.nature.com/articles/s41467-025-56825-7
[5] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[6] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[7] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[8] https://www.fairr.org/news-events/insights/amr-material-risks-animal-health
[9] https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736%2824%2901867-1/fulltext
[10] https://www.worldbank.org/en/topic/health/brief/antimicrobial-resistance-amr
[11] https://www.fao.org/one-health/areas-of-work/antimicrobial-resistance/en
[12] https://www.woah.org/en/what-we-do/global-initiatives/antimicrobial-resistance/
أُضيفت إلى الملف الصحفي