لعلنا لا نختلف كثيراً أن بإمكان الشركات أن تتحلى بسلوك مثالي على المدى الطويل، ولكن على المدى القصير، علينا جميعاً أن نتصارع مع الجانب المادي للحياة اليومية وواقعها العملي. ونحن هنا نتحدث عن “فن الممكن” وليس عن رؤية مثالية.

ولنأخذ مثالاً مساعي الانتقال السريع إلى صافي الصفر الكربوني، بالصورة التي تتوخاها أهداف اتفاقية باريس وتم تأكيدها في قمة كوب26. والسؤال المطروح هنا هو: هل تحقيق هذه المساعي يدخل في فن الممكن أو الرؤية الخيالية. تعتمد كل صناعة، إلى حد ما، على الوقود الأحفوري منذ عقود، بيد أن تغيير هذا الواقع – وبالتالي تحقيق انبعاثات كربونية صفرية صافية – هو أمر ضروري، بل وأحد الأهداف التي أؤمن بها بشدة، مع إدراكي التام لعدم إمكانية القيام بذلك بمجرد نقرة على زر، فالأمر يتطلب استثمارات مدروسة في التقنيات المستدامة، التي ليست جميعها جاهزة بما فيه الكفاية، أو ميسورة التكلفة، بحيث يتم تعميمها على نطاق واسع في الوقت الحالي.

توفر أرصدة الكربون حلاً عملياً وسطاً، وبديلاً مؤقتاً يوفر الوقت بشكل فعال للشركات لمعالجة بعض الصعوبات التي يثيرها تحقيق هدف صافي الصفر الكربوني. ويُعد شراء أرصدة الكربون وسيلة ناجعة تتيح للشركات التقليل من تلك الانبعاثات التي لا يمكنها التخلص منها تماماً. . . إلى أن يحين الوقت، كما آمل، الذي تتاح لها هذه الإمكانية.

ما هو “الرصيد الكربوني”؟

أرصدة الكربون هي شهادات تمثل كميات من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (GHG) التي تم تجنبها أو إزالتها من الهواء. بمعنى، عندما تشتري شركة ما رصيداً كربونياً لطن واحد من ثاني أكسيد الكربون، على سبيل المثال، فإنها تحصل فعلياً على إذن لتوليد كمية من ثاني أكسيد الكربون تعادل هذا الرصيد.

تتولد أرصدة الكربون نفسها من المشاريع المناخية المعتمدة التي تسعى إلى تقليل غازات الاحتباس الحراري أو إزالتها أو تتجنبها بطرق يمكن قياسها والتحقق منها. ومن أكثر الأمثلة الشائعة لهذه المشروعات هي مزارع الأشجار أو تزويد المجتمعات بوسائل أكثر كفاءة في استخدام الطاقة لتدفئة المنازل والطهي.

Abdul Latif Jameel VCM PIF signing

في أواخر أكتوبر 2022، قمت بتمثيل عبد اللطيف جميل في مزاد طوعي لتداول أرصدة الكربون لصندوق الاستثمارات العامة السعودي على هامش مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، وهو أول مزاد لتداول تعويضات الكربون في الشرق الأوسط. وشهد المزاد بيع ما مجموعه 1.4 مليون طن من أرصدة الكربون، مما يجعله أكبر صفقة بيع لأرصدة الكربون على الإطلاق في المنطقة. وقد شاركت عبداللطيف جميل إلى جانب 15 شركة سعودية وإقليمية تمثل جميع قطاعات اقتصاد البلاد، من بنك الخليج الدولي إلى الخطوط الجوية السعودية، ومن أرامكو إلى شركة أسمنت ينبع.

ما هي آلية عمل أرصدة الكربون؟

لتحقيق أهدافنا الصفرية الصافية، تحتاج كل شركة إلى تقليل انبعاثاتها قدر الإمكان. ولكن بالنسبة لبعض الشركات، فإن خفض الانبعاثات باستخدام تقنيات اليوم يُعد مكلفا للغاية، على الرغم من أن تكاليف هذه التقنيات قد تصبح أرخص بمرور الوقت. وبالنسبة لقطاعات أخرى، لا يمكن القضاء تماماً على بعض مصادر الانبعاثات على الإطلاق استنادا إلى البدائل الحالية.

على سبيل المثال، عادة ما ينطوي تصنيع الأسمنت على تفاعل كيميائي، أو معالجة حرارية بالتكليس، وهذه العمليات مسؤولة عن حصة كبيرة من انبعاثات الكربون في قطاع الأسمنت. واستناداً إلى التقنيات الحالية المستخدمة في صناعة الأسمنت، وبالنسبة للعديد من منتجي الأسمنت، فليس من المجدي اقتصادياً صنع الأسمنت بأي طريقة أخرى، والنتيجة هي أنه ليس بالإمكان تجنب هذه الانبعاثات بالوسائل المتاحة بين أيدينا اليوم. وهنا يأتي الحل البديل متمثلاً في قيام الشركة بشراء أرصدة الكربون لتعويض الانبعاثات التي تعجز عن التخلص منها.

ومن المهم ملاحظة أن شراء أرصدة الكربون يجري بمبادرة طوعية تماماً. وبهذا المعنى، لم تكن أي من الشركات المشاركة في مزاد أرصدة الكربون الطوعي لصندوق الاستثمارات العامة تحت أي التزام قانوني للقيام بذلك، على عكس بعض الدول والمناطق التي تتبنى أنظمة إلزامية إزاء أرصدة الكربون.

فالاتحاد الأوروبي، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، وكاليفورنيا، وكيبيك بكندا، على سبيل المثال، تطبق جميعا ما يعرف باسم أنظمة “مقايضة الحد الأقصى للانبعاثات وتداولها”، وتسمى أيضا أنظمة تداول الانبعاثات (ETS). تم استخدام برامج انبعاثات الحد الأقصى وتداولها لأول مرة للسيطرة على التلوث في الثمانينيات والتسعينيات عندما أقرتها الولايات المتحدة بغية التخلص تدريجياً من الرصاص في البنزين وتقليل بعض الانبعاثات لمكافحة الأمطار الحمضية. وقد كان لنجاح هذه البرامج دوراً جوهرياً في وضع الأساس لاستخدامها في خفض انبعاثات الكربون وغازات الاحتباس الحراري1.

إذا فالفكرة ببساطة تكمن في أن الحكومة تضع حداً أقصى لمستوى الانبعاثات بغية تحفيز الشركات على خفض انبعاثاتها، وتنشئ تصاريح تسمى “أرصدة الكربون” تغطي كل وحدة من الانبعاثات المسموح بها بموجب الحد الأقصى. ويتطلب هذا النموذج من الشركات التي تصدر الانبعاثات الحصول على تراخيص لكل وحدة من انبعاثاتها. ويمكن الحصول على هذه التصاريح إما من الحكومة أو من خلال تداولها مع شركات أخرى. وقد تختار الحكومة منح التصاريح بالمجان أو بيعها في مزادات أرصدة الكربون.

وقد أدى ذلك إلى ظهور سوق ضخمة لأرصدة الكربون. ووفقاً لمؤسسة ريفينيتيف (Refinitiv)، مزود البيانات العالمي، يبلغ إجمالي حجم السوق 261 مليار دولار أمريكي، وهو ما يمثل 10.3 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون الذي تم تداوله في أسواق الامتثال الملتزمة بتطبيق هذه الأنظمة حتى عام 2020 2.

أما الشركات التي لا يتسنى لها الحصول على تصاريح كافية لمستوى الانبعاثات، فلديها خياران: إما أن تقلل من انبعاثاتها، أو تلجأ إلى شراء تصاريح إضافية من شركة أخرى لتغطية انبعاثاتها الإضافية. وبالنسبة لسعر التصريح، ستجد بعض الشركات أنه من الأسهل، أو الأرخص، خفض انبعاثاتها أكثر من غيرها، وسيدفعها هذا بالتالي إلى بيع تصاريحها. تضمن عملية التداول هذه وجود دخلاً إضافياً لجميع الشركات التي تطور أنشطتها في سبيل تخفض انبعاثاتها إلى المستوى المسموح به في إطار نظام الحد الأقصى للانبعاثات.

وبالطبع، لا يوجد سبب لتوقع أن سعر التصريح الذي يحقق توازناً في السوق في وقت ما سيظل متوازناً في المستقبل. فمع تغير الظروف الاقتصادية وظروف الشركات المنتجة لانبعاثات الكربون، ستتقلب أسعار التصاريح، بمعنى أن التصاريح ستصبح أكثر تكلفة عندما يكون الطلب مرتفعاً في مقابل تراجع حجم العرض، خاصة عندما يتوسع الاقتصاد بقوة. وفي المقابل، ستنخفض الأسعار عندما يتراجع الطلب، كما هو الحال عندما تؤدي وفرة الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة إلى تراجع الطلب على محطات التوليد الحراري.

الأسواق الإلزامية والطوعية

تعد أسواق الكربون الإلزامية حلقة مهمة من الجهود المبذولة لتحقيق هدف اتفاقية باريس المتمثل في الحد من الزيادة في متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية ومواصلة الجهود للحد منها إلى 1.5 درجة مئوية كمعدل مثالي، على الرغم من أن بعض هذه الأسواق تسبق التزامات باريس.

ومن الأمثلة على ذلك آلية التنمية النظيفة بموجب بروتوكول كيوتو، وخطة الاتحاد الأوروبي لمقايضة الانبعاثات (EU-ETS)، وسوق الكربون في كاليفورنيا. ومع ذلك، فإن معظم الأسواق الإلزامية تقتصر على قطاعات صناعية محددة ومصادر معينة للانبعاثات، ولا يزال بإمكان الشركات التي تعمل في قطاعات أخرى، مثل عبد اللطيف جميل، تعويض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من خلال المشاركة الطوعية في أسواق الكربون..

يزيد الحميّد، نائب المحافظ ورئيس الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

والمملكة العربية السعودية مصممة على دعم ذلك في إطار رؤية السعودية 2030 التطلعية. وتحقيقاً لهذه الغاية، أنشأت المملكة الشركة الإقليمية لسوق الكربون الطوعي، وهي مشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة تداول السعودية، الشركة القابضة التي تدير البورصة في البلاد. وقد كان المزاد الأخير لأرصدة الكربون – والذي حضرته نيابة عن عبداللطيف جميل – فرصة للتعرف عن كثب على دور الشركة في دعم الشركات الإقليمية لتعزيز مساهمتها في التحول العالمي نحو صافي الصفر.

ويأتي دعم صندوق الاستثمارات العامة لأرصدة الكربون الطوعية في إطار حملته الخاصة لمعالجة آثار تغير المناخ وتحقيق صافي صفر بحلول عام 2060.

وقال يزيد الحميد، نائب المحافظ ورئيس الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا3: نحن متحمسون لإمكانات أسواق الكربون الطوعية وقدرتها على تقديم فوائد إضافية للحد من انبعاثات الكربون في جميع أنحاء المنطقة، وهذا يضمن أن تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في طليعة العمل المناخي ويعني للمملكة العربية السعودية دوراً رائداً في معالجة التحدي المناخي“..

قضايا مثيرة للجدل

على الرغم من الإجماع الدولي الواسع على أهمية أرصدة الكربون كخطوة ضرورية على مسار صافي الصفر الكربوني، إلا أنها لا تزال موضع جدل في بعض الأوساط. ومن بين الاعتراضات التي طرحها المنتقدين هي أن أرصدة الكربون لا تقلل فعلياً من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وأنها لا تعدو أن تكون إحدى صور ظاهرة “الغسل الأخضر”؛ وأن جميع مشاريع تعويض الكربون لا تتحقق في الغالب؛ بل ولا توجد تعويضات كربون كافية لجميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ويذهب المنتقدون أيضاً إلى القول بأن جائحة كوفيد-19 تسببت في أكبر انخفاض في انبعاثات الكربون المرتبطة بالطاقة منذ الحرب العالمية الثانية، بانخفاض قدره 2 مليار طن، لكن هذه الانبعاثات عادت بقوة وبسرعة بحلول نهاية عام 2020، إلى حد أنها بلغت في ديسمبر 2020 حوالي 60 مليون طن، أي أعلى من الكمية المسجلة في ديسمبر 2019. وهذا يشير إلى أن درجة حرارة الأرض لا تزال ترتفع بمعدل متسارع، ولا يتم بذل جهود كافية لتنفيذ ممارسات الطاقة النظيفة4.

ولا بد من التسليم أيضاً أن أنظمة أرصدة الكربون لا تطرح حلاً جذرياً ونهائياً للمشكلة، بل وهناك أدلة على أن بعض البرامج لم تؤتي ثمارها بالقدر الذي كان مأمولا منها. فعلى سبيل المثال، أصدر برنامج أوتْار مين تشيي (Oddar Meanchey Offset) أرصدة كربونية لحماية الغابات في كمبوديا حتى عام 2017، قبل أن تكتشف الحكومة أن الغابات المعنية كانت في الواقع تتعرض للتجريف بشكل منهجي على يد الجيش الكمبودي.

وهذا لا يعني بالضرورة أنه يجب التخلي عن مبدأ أرصدة الكربون، بل يعني بالأحرى أن هذه البرامج بحاجة إلى مراقبة محكمة وإدارة سليمة وشفافة، وإلا فلن تكون هناك وسيلة أخرى موثوقة لتوجيه التمويل الخاص إلى مشاريع العمل المناخي.

الإدارة السليمة ضرورة ملحة

تعتمد تعويضات الكربون الطوعية على وجود صلة واضحة يمكن إثباتها بين النشاط المضطلع به والتأثير البيئي الإيجابي. ففي بعض الأحيان تبدو هذه الصلة واضحة عندما تكون الشركات التي تستخدم تقنية احتجاز الكربون لإزالة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وحبسها قادرة على إنتاج بيانات تظهر حجم الانخفاض في الانبعاثات. لكن البرامج الأخرى، مثل خطط التعويض التي تروج للسياحة الخضراء أو تسعى إلى تعويض الضرر الناجم عن السفر الدولي، قد تواجه صعوبة في قياس حجم الانخفاض في الانبعاثات. وهذا يعني أن سمعة المنظمة المصدرة للرصيد الكربوني هي التي تحدد قيمة التعويض أو تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو غازات الاحتباس الحراري الأخرى.   

عادةً ما تختار منظمات تعويض الكربون ذات السمعة الطيبة مشاريع الكربون بعناية وتقدم تقارير دقيقة عنها. كما يمكن لجهات التدقيق المستقلة المساعدة في ضمان عمل هذه المشروعات وفق معايير صارمة، مثل تلك التي وضعتها آلية التنمية النظيفة التابعة للأمم المتحدة. ما يميز برامج تعويض الكربون الموثوقة هو قدرتها على توفير بيانات ملموسة وقابلة للقياس لحجم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تم تخفيضها فعليا والتي يمكن للشركات استخدامها في مقابل التخفيض من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الخاصة بها..

وعلى الرغم من أن الشركة لم تخفض انبعاثاتها فعلياً، إلا أن النتيجة هي نفسها من الناحية المادية. في الواقع، اشترت الشركة لنفسها مزيداً من الوقت لجعل عملياتها أكثر مراعاة للبيئة، بينما فيما يتعلق بالجو، تم تخفيض مستوى ثاني أكسيد الكربون.

ونأخذ على سبيل المثال أرصدة الكربون التي تم طرحها بالمزاد العلني في مؤتمر “اف آي” في أكتوبر 2022، والتي تم تسجيلها بموجب معيار الكربون المعتمد (Verra) وتتوافق مع خطة كورسيا (CORSIA)، وهي تمثل المعايير الذهبية للاعتماد والامتثال. فيرا (Verra) هي منظمة غير ربحية تشرف على برنامج معيار الكربون المعتمد (VCS)، وهو البرنامج الأكثر استخداماً في العالم لأرصدة غازات الاحتباس الحراري.

يهدف برنامج معيار الكربون المعتمد إلى زيادة حجم التمويل الموجه نحو الأنشطة التي تقلل من الانبعاثات، وتحسن سبل العيش، وتحمي الطبيعة. وقد نجحت مشاريع برنامج معيار الكربون المعتمد فعلياً في تخفيض أو إزالة ما يقرب من مليار طن من الكربون وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري الأخرى من الغلاف الجوي. ولذلك يُنظر إلى برنامج معيار الكربون المعتمد على أنه عنصر حاسم ومتطور في الجهود المستمرة لحماية بيئتنا المشتركة5.

تم تطوير خطة كورسيا (CORSIA) 6من قبل منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) وهي تعني “خطة تعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي”، وتُعد أول حل عالمي قائم على السوق ويتيح للكيانات – وليس فقط شركات القطاع الخاص – استخدامه في إطار مساعيها لتحقيق أهدافها المناخية.

فقط المشاريع التي تم اعتمادها من قبل جهة خارجية موثوقة مثل معيار الكربون المعتمد (Verra) هي المؤهلة للمشاركة في خطة كورسيا، وهذا بدوره يوفر نوعاً من الطمأنينة والثقة بأن أرصدة الكربون هذه حقيقية.

ومعيار الكربون المعتمد (Verra) هو مجرد واحد فقط من بين عدة معايير لتعويض الكربون، ولكل منها مجموعة معينة من القواعد أو “البروتوكولات” التي تحدد كيفية تخصيص أرصدة الكربون لأنواع مختلفة من المشاريع بناء على معايير مختلفة. تختلف هذه المعايير تبعاً لما إذا كانت سوقا إلزامية، وهنا يتم تحديدها عادة من قبل الجهات الحكومية، أو طوعية تخضع لإدارة منظمات غير ربحية مثل احتياطي العمل المناخي، وسجل الكربون الأمريكي (الذي تديره منظمة وينروك (Winrock)).

تقوم المنظمات التي تقف وراء المعايير بتحصيل رسوم من إدارة شهادات المشاريع وكذلك من تقديم الخدمات اللوجستية لإصدار الأرصدة وإلغائها. وتخضع جميع المشاريع القياسية للتدقيق من جانب جهات تدقيق خارجية تقوم بالتحقق من صحة المشاريع مقدماً، ثم تتحقق من أنها تعمل وفقا للبروتوكول. وهذا يضمن للمنظمات المشاركة تجنب الوقوع ضحية لمشاريع لم يتم التحقق منها على غرار برنامج أوتْار مين تشيي (Oddar Meanchey) في كمبوديا.

هذه الرقابة أو الإدارة أمر لا غنى عنه.

باختصار، سوق أرصدة الكربون الطوعي مثل أي سوق آخر: أنت تدفع مقابل الجودة. وفي أسواق الكربون الحالية، يمكن أن يختلف سعر رصيد الكربون الواحد من بضعة سنتات لكل طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى 15 دولاراً أمريكياً لكل طن متري من ثاني أكسيد الكربون لمشاريع تشجير الغابات أو إعادة تشجيرها، أو حتى ما يصل إلى 300 دولار أمريكي لكل طن متري من ثاني أكسيد الكربون في مشاريع إزالة الكربون القائمة على التكنولوجيا7.

تعقيدات التسعير

ورغم كل الجهود السابقة، إلا أن تسعير أرصدة الكربون ما زال يواجه بعض التعقيدات الجدية. فثمة مجموعة كبيرة من الأرصدة في السوق وهناك عدة عوامل تؤثر على السعر، أهمها وأبرزها هو طبيعة المشروع الأساسي، والتي تندرج بشكل عام تحت واحدة من فئتين: التجنب والإزالة. تمنع مشاريع التجنب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (GHG)، بينما تركز مشاريع الإزالة على التقاط وإزالة غازات الاحتباس الحراري من الغلاف الجوي.

Metz Solar Farm Aerial view
مزرعة ميتز للطاقة الشمسية، أستراليا التي شيدتها شركة فوتواتيو لمشاريع الطاقة المتجددة، وهي جزء من شركة عبداللطيف جميل للطاقة، وقد بدأت المزرعة في إنتاج الطاقة النظيفة للاستخدام التجاري في سبتمبر 2022. تقع المحطة على مساحة 248 هكتار وتبلغ قدرتها الانتاجية 115 ميجاوات، وهي قادرة على تلبية الطلب على الطاقة لما يصل إلى 40000 أسرة.

على سبيل المثال، تندرج مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع خفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها في البلدان النامية، تحت فئة مشاريع التجنب، التي تستهدف وقف إزالة الغابات أو تدمير الأراضي الرطبة أو تعزز الممارسات الزراعية التي تحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مثلما هو الحال في مشاريع الحد من كميات الميثان المنبعثة من الماشية عن طريق تغذيتها بمحتوى غذائي مختلف. وثمة أمثلة أخرى تشمل المشاريع التي تعمل على تحسين كفاءة الوقود، أو تشييد مبانٍ موفرة للطاقة، أو التي تلتقط الملوثات الصناعية وتدمرها.

أما فئة الإزالة فهي تشمل المشاريع التي تلتقط الكربون من الغلاف الجوي وتخزنه، وهي غالباً ما تعتمد على الموارد الطبيعة مثل الأشجار أو التربة لإزالة الكربون واحتجازه عبر مشاريع مثل إعادة التشجير والتشجير وإدارة الأراضي الرطبة، فيما تلجأ مجموعة أخرى من مشروعات هذه الفئة إلى تقنيات مثل التقاط الكربون مباشرة من الهواء أو احتجاز الكربون وتخزينه.

ومن الطبيعي أن ينعكس كل هذا على السعر، حيث تجتذب أرصدة إزالة الكربون قيمة إضافية، ليس فقط لأن المشروع الأساسي يتطلب مزيداً من التمويل، ولكن أيضاً لوجود طلب أكبر من المستثمرين الذين يرون في هذه المشاريع أداة أكثر فعالية في مكافحة تغير المناخ.

عندما يساعد مشروع الكربون الأساسي أيضاً في تحقيق بعض أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs)، فمن الممكن أن تكون قيمة الرصيد المتأتي من هذا المشروع أعلى. لذا، على سبيل المثال، إذا كان المشروع يوفر المياه النظيفة ويعالج الفقر أيضاً – وهما اثنان من أهداف التنمية المستدامة– فإن رصيد الكربون الذي يولده قد يتم تداوله بسعر أعلى مقارنة بأنواع أخرى من المشاريع.

وهذا هو السبب في أن أرصدة الكربون المتولدة من المشاريع المجتمعية التي تلبي أهداف التنمية المستدامة غالباً ما يتم تداولها بسعر أعلى مقارنة بالمشاريع التي لا تلبي تلك الأهداف، كما هو الحال بالطبع في المشاريع الصناعية. وهذا على الرغم من حقيقة أن المشاريع الصناعية عادة ما تكون واسعة النطاق ويمكن أن تنتج في كثير من الأحيان كميات كبيرة من الأرصدة مع إمكانية التحقق من قيمة تعويض غازات الاحتباس الحراري بسهولة أكبر من المشاريع المجتمعية، التي عادةً ما تكون نتاج مبادرات محلية، وتصممها وتديرها مجموعات محلية أو منظمات غير حكومية، وتولد كميات أصغر من أرصدة الكربون، وغالبا ما يكون اعتمادها أكثر تكلفة.

وثمة عوامل أخرى تؤثر على السعر لكنها لا تخرج عن نطاق العوامل المألوفة في أي سوق، وتشمل العرض والطلب، وموقع المشروع، ومدة التنفيذ وعمر المشروع، فكلما كان المشروع أقدم، كانت أرصدة الكربون التي ينتجها أرخص.

نقطة انطلاق نحو مستقبل مستدام

أكثر ما يميز هذا السوق هو أنه ينمو بسرعة، حيث يُقَدِر فريق العمل المعني بتوسيع نطاق أسواق الكربون الطوعية (TSVCM) أن الطلب على أرصدة الكربون يمكن أن يزداد بمعامل قدره 15 أو أكثر بحلول عام 2030 وبمعامل يصل إلى 100 بحلول عام 2050. وبشكل عام، يمكن أن تصل قيمة سوق أرصدة الكربون إلى 50 مليار دولار أمريكي في عام 2030. 8

ولكن تبقى الآمال معقودة على تحقيق توقعات النمو هذه لما لها من أهمية بالغة لكوكبنا، فلقد أوجد سوق أرصدة الكربون مورد تمويل خاص للمشاريع المناخية الإيجابية التي ما كانت لتظهر إلى العلن لولا هذه السوق الجديدة، التي تحظى بإطار حوكمة فريد من حيث النزاهة والشفافية التي يوفرها بطريقة لا يمكن للمساعدات الخارجية القيام بها في كثير من الأحيان. أخيراً، قد لا تكون أرصدة الكربون هي الحل النهائي لأزمة المناخ على كوكبنا، لكنها بلا شك واحدة من أكثر الوسائل الواعدة المتاحة بين أيدينا في وقتنا الحالي.

 

[1] https://www.lse.ac.uk/granthaminstitute/explainers/how-do-emissions-trading-systems-work/#:~:text=Emissions%20trading%2C%20also%20known%20as,emissions%20allowed%20under%20the%20cap.

[2] https://carboncredits.com/the-ultimate-guide-to-understanding-carbon-credits/#9

[3] https://carboncredits.com/saudi-pif-largest-corsia-compliant-carbon-credits-auction/

[4] https://impactful.ninja/reasons-that-make-carbon-offset-a-bad-idea/#:~:text=Carbon٪20offsetting٪20is٪20not٪20اقتصاديا,world’s٪20poor٪20is٪20high٪20Disproportionate.

[5] https://verra.org/programs/verified-carbon-standard/#how-it-works

[6] https://www.iata.org/en/iata-repository/pressroom/fact-sheets/fact-sheet—corsia/

[7] https://www.spglobal.com/commodityinsights/en/market-insights/blogs/energy-transition/061021-voluntary-carbon-markets-pricing-participants-trading-corsia-credits

[8] https://www.mckinsey.com/capabilities/sustainability/our-insights/a-blueprint-for-scaling-voluntary-carbon-markets-to-meet-the-climate-challenge