صعود الروبوتات: كيف سيُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع التصنيع؟
يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الصناعات الخدمية بوتيرة متسارعة وملموسة، إذ تحوّل خلال فترة وجيزة من مجرد تصور مستقبلي إلى شريك تشغيلي واستراتيجي فاعل عبر طيف واسع من الوظائف، بدءاً من تحليل بيانات العملاء لاستخلاص رؤى تسويقية عالية الدقة، مروراً بإدارة التعاملات في أسواق العملات بكفاءة متقدمة، ووصولاً إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سلاسل الإمداد استناداً إلى قدرات تنبؤية واستشرافية متطورة.
لكن ما الذي يعنيه الذكاء الاصطناعي — بوصفه أداة رقمية نستخدمها عادة ونحن جالسون خلف مكاتبنا — بالنسبة للمهام الصناعية والتصنيعية الملموسة؟ تلك التي تُنفّذ داخل المصانع، والورش الهندسية، ومرافق الإنتاج المختلفة؟
بفضل التقنيات الناشئة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، نقف اليوم على أعتاب ثورة مماثلة في العمليات الفيزيائية، تمتد آثارها إلى مختلف المراحل، من عمليات التجميع المعقدة، مروراً بالصيانة والفحص، وصولاً إلى التعبئة والتغليف وغيرها من الأنشطة التشغيلية.
وقد أفضت التطورات الحديثة في مجالي الروبوتات وتعلّم الآلة إلى ظهور جيل جديد من الأجهزة القادرة على الرؤية والتفسير والتفاعل والاستجابة، وهو تقاطع تقني مرشح لإحداث تحول جذري في المصانع وخطوط الإنتاج عالمياً.
ولا يقتصر الأمر على كونه تصوراً نظرياً أو سيناريو مستقبلياً، بل هو واقع يتشكل بالفعل ويؤثر بشكل مباشر في الأداء المالي للشركات. فعلى سبيل المثال، نجحت شركة «أمازون» (Amazon) في تقليص أوقات التسليم بنحو 25% بفضل تشغيلها لأكبر أسطول روبوتي في العالم داخل مستودعاتها [1]. وفي المقابل، حققت شركة «فوكسكون» (Foxconn) وفورات في التكاليف بلغت 15% عبر توظيف روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام دقيقة مثل ربط البراغي، وهي مهام كانت تتطلب سابقاً مهارات بشرية دقيقة.
فما هي الصناعات التحويلية الأخرى التي بدأت تتأثر بهذه التحولات؟ وإلى أي مدى يبدو المستثمرون والعمال مستعدين للتكيف مع هذا الواقع الصناعي الجديد؟
هل تمهّد الروبوتات الحسية الطريق نحو مستقبل التصنيع؟
ماذا يحدث عندما يندمج الذكاء الاصطناعي — الذي يعمل بدقة على مستوى الإلكترونات — مع أجهزة مادية قادرة على التفاعل مع البيئة المحيطة؟ الجواب يكمن في بزوغ حقبة جديدة ومثيرة في عالم الروبوتات، تقابلها فترة عميقة من عدم اليقين بالنسبة للمصنّعين التقليديين.
لقد أدّت الطفرات التكنولوجية إلى إدخال مهام كانت تُعد في السابق بالغة التعقيد أو قائمة على الحدس أو ذات حساسية دقيقة يصعب أتمتتها ضمن نطاق التنفيذ العملي للآلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويُعزى هذا التحول النوعي إلى نضج حزمة من التقنيات البرمجية المحورية، وفي طليعتها خوارزميات التعلّم المتقدمة وأنظمة التحليل البصري عالية الدقة.
ومع ذلك، لم يكن لأي من هذه التطورات أن يكتسب أهمية عملية لولا التقدم المتوازي في البُعد الفيزيائي؛ حيث برزت مكونات متعددة الاستخدامات، مثل المستشعرات اللمسية والمقابض المرنة، التي تمكّن الأذرع الروبوتية من التفاعل مع الأشياء بسلاسة ودقة.
ويمثّل هذا المجال سوقاً واعداً، يسعى قادة الصناعة إلى استكشافه والتوسع فيه. فبحلول نهاية عام 2024، تجاوز عدد الروبوتات الصناعية المستخدمة في المصانع حول العالم حاجز 4 ملايين وحدة للمرة الأولى، مسجّلاً نمواً سنوياً بنسبة 10% [2]. وعلى الرغم من الطابع العالمي لهذا الاتجاه، بدأت ملامح ريادة إقليمية تتشكل بوضوح؛ إذ استحوذت مراكز التصنيع في آسيا — ولا سيما الصين واليابان — على نحو 70% من إجمالي الروبوتات الجديدة التي تم تركيبها في عام 2023، في حين بلغت الحصة نحو 17% في أوروبا و10% في الأمريكتين.

فما هي التقنيات الأساسية التي تقف وراء هذا التسارع اللافت في تطور الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع؟
- الإدراك (Perception): أصبحت الروبوتات في أروقة المصانع «ترى» بشكل أفضل من أي وقت مضى. فالكاميرات عالية الدقة، إلى جانب أنظمة الكشف وتحديد المدى بالليزر (LiDAR)، توفّر مدخلات بصرية دقيقة لتقييم البيئات المعقدة. وبات بإمكان الروبوتات الآن التعرف على الأشياء، وتحديد مواقعها المكانية، وفهم استخداماتها المحتملة — وهي مجموعة مهارات متعددة ومتقدمة.
- الاستقلالية (Autonomy): كانت الروبوتات التقليدية مقيدة بنطاق محدود من الوظائف، أما روبوتات الذكاء الاصطناعي فهي مُبرمجة على الفهم والتفسير والابتكار؛ إذ يمكنها «التعلّم» داخل بيئات محاكاة ونقل هذه المهارات مباشرة إلى خطوط الإنتاج، والتعامل مع التحديات غير المتوقعة بمرونة تشبه العقل البشري. وقد بلغت هذه القدرات مستوى متقدماً بالفعل، حيث تقوم تقنيات مثل «جيميناي روبوتيكس» (Gemini Robotics) من «غوغل ديب مايند» و«إيزاك GR00T» من «إنفيديا» (Nvidia’s Isaac GR00T) بدمج الرؤية واللغة والفعل ضمن منظومة واحدة متكاملة، لتحديد سير العمل بشكل ذاتي وتحقيق الأهداف بأدنى قدر من التدخل البشري.
- المناولة (Manipulation): تتيح برمجيات التحكم المدعومة بالذكاء الاصطناعي إجراء تعديلات فائقة الدقة على أنظمة القبض ومحركات القوة، بما يمكّن الروبوتات من الإمساك بالعناصر الحساسة بثبات والتعامل معها بمهارة عالية. كما تتيح المستشعرات اللمسية المتطورة، القادرة على استشعار الضغط والانزلاق، محاكاة إحساس يكاد يضاهي اللمسة البشرية، الأمر الذي يوسّع بشكل كبير نطاق إمكانات استخدامها وتطبيقاتها.
وسيؤدي تكامل هذه التقنيات إلى بروز مفهوم «الروبوتات السياقية»، القادرة على أداء المهام دون تدريب مسبق على سيناريو محدد، فيما يُعرف بالتعلّم دون أمثلة مسبقة (Zero-shot learning).
ورغم أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله المبكرة، فإن المؤشرات تؤكد أن تأثيره سيطال معظم القطاعات. فقد بدأت الروبوتات الذكية بالفعل في الانتشار عبر مختلف مجالات التصنيع، في وقت يباشر فيه الرواد جني ثمار تطبيقاتها العملية على أرض الواقع.
هل ستحل الروبوتات محل البشر في المصانع؟
في المصانع حول العالم، باتت الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تنفذ بالفعل مهام كانت حكراً على البشر، من بينها:
- المواد: تتزايد قدرة الروبوتات على معالجة المكونات الجديدة؛ فهي تتقن عدداً من الحرف التقنية مثل اللحام التكيفي (الذي يضبط الجهد والتيار وسرعة الحركة بشكل مستمر لضمان جودة الوصلات)، بالإضافة إلى المعالجة السطحية الدقيقة باستخدام الرؤية المعززة بالذكاء الاصطناعي.
- الإنشاء والتجميع: أثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على تجميع وحدات معقدة من أجزاء متعددة، والتعامل مع المكونات باستخدام أذرع حساسة للمقاومة لتحقيق أعلى درجات الدقة.
- ما بعد التجميع: يمكن للذكاء الاصطناعي تقليل الهدر من خلال إنتاج عبوات مخصصة بالحجم المناسب، وتنظيم المنتجات داخلها لتحقيق أقصى كفاءة في استغلال المساحة.
- الدعم والخدمات اللوجستية: تؤدي الروبوتات أيضاً أدواراً مساندة، تشمل انتقاء المواد الخام الأنسب، واكتشاف العيوب، وتنفيذ مهام الصيانة الروتينية. ومن خلال دمج تقنيات الألفية الثالثة مع أحد أقدم الاختراعات البشرية — العجلة — ظهرت روبوتات متحركة قادرة على نقل المكونات داخل المصانع بكفاءة لوجستية عالية.
وكما سنرى، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل عنصراً أساسياً في العديد من البيئات الصناعية الحديثة.
ما هي الشركات التي تتصدر مشهد الذكاء الاصطناعي الميكانيكي؟
طوّرت شركة «أمازون»، ثاني أكبر شركة في العالم من حيث الإيرادات [3]، منظومة متقدمة من تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل مراكزها اللوجستية، بهدف الارتقاء بالكفاءة التشغيلية إلى مستويات أعلى..
وتشمل هذه الابتكارات نظام «سبارو» (Sparrow)، وهو ذراع روبوتية مدعومة بالرؤية الحاسوبية وتقنيات الحركة الذكية، قادرة على التعرف على نحو 60% من مخزون المستودعات والتقاطه وفرزه بكفاءة. كما يبرز نظام «بروتيوس» (Proteus) كنموذج متقدم آخر، وهو روبوت متحرك مخصص للتعامل مع السلع المسطّحة، يتميز بقدرته على التحرك بأمان جنباً إلى جنب مع العاملين دون الحاجة إلى مناطق عزل مخصصة.

وقد انعكست هذه التقنيات بشكل مباشر على الأداء؛ إذ أسهم تطبيق الذكاء الاصطناعي في أحد مستودعات «أمازون» بولاية لويزيانا الأمريكية في خفض التكاليف بنسبة 25%، بالتوازي مع زيادة الوظائف المتخصصة داخل المنشأة بنسبة 30%. [4]
وفي تايوان، تعتمد شركة «فوكسكون» على منصة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«إنفيديا»، إلى جانب منظومة من الأذرع الروبوتية، لأتمتة مهام دقيقة مثل إدخال الكابلات، وهي عمليات كانت تتطلب سابقاً مهارات يدوية بشرية عالية. ولتحقيق هذا المستوى من الدقة، توظّف الشركة مزيجاً من تقنيات التحكم الدقيق القائمة على التغذية الراجعة للقوة، إلى جانب محاكاة «التوأم الرقمي» — وهي نماذج افتراضية مطابقة للواقع تستند إلى بيانات المستشعرات. وقد أظهرت الدراسات الداخلية أن هذه المنظومة أسهمت في خفض معدلات العيوب بنسبة 25% وتقليص تكاليف التشغيل بنسبة 15%. [5]
أما شركة «بي إم دبليو» (BMW)، فقد طوّرت نظام «كار تو إكس» (Car2X) المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والذي يحوّل المركبات إلى عناصر تفاعلية ضمن عملية الإنتاج. ويتيح هذا النظام السحابي تبادل البيانات بشكل فوري بين السيارة وخط الإنتاج، إلى جانب إرسال تقارير حالة مستمرة وتنبيهات بالأخطاء. كما يمكنه رصد العيوب المادية، مثل خلل التوصيلات أو نقص المكونات، ومعالجتها في الوقت الفعلي. وبالتوازي، يدير نظام «الذكاء الاصطناعي للجودة المتقدمة» (AIQX) شبكة من الكاميرات والمستشعرات على امتداد خط الإنتاج بالكامل، وقد أدى اعتماد هذين النظامين إلى خفض العيوب بنسبة 60%. [6]
وتسير شركة «فولفو كارز» (Volvo Cars) في الاتجاه ذاته، إذ تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي مزوّدة برؤية حاسوبية لتعزيز الاعتمادية، من خلال تحليل أنماط التآكل في الإطارات ورصد الشقوق في الهياكل الفرعية، بما يسهم في إطالة العمر التشغيلي للمركبات.
ومن جانبها، توظّف شركة «بوش» (Bosch) الألمانية متعددة الجنسيات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف خطوط إنتاجها لتنفيذ طيف واسع من المهام. وتُعد «بوش» من أوائل الشركات التي تبنّت هذه التقنيات، حيث سجّلت أكثر من 1500 براءة اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي، وتخطط لاستثمار 3 مليارات دولار أمريكي إضافية بحلول عام 2027 لتعزيز الابتكار [7] . وتعتمد الشركة على شبكة من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» — وهي أنظمة مستقلة تعمل بتدخل بشري محدود — داخل مصانعها، كما تستخدم الصور المُولّدة اصطناعياً لفحص المكونات الدقيقة، مثل الأسلاك النحاسية في المحركات الكهربائية، وضمان جودة المضخات عالية الضغط. وإلى جانب ذلك، أسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقليص زمن تطوير التطبيقات من ستة أشهر إلى بضعة أسابيع فقط، مع تحقيق وفورات مالية تُقدّر بملايين الدولارات على مستوى الموقع الواحد.
وفي قطاع الطاقة، تعتمد شركة «أدنوك» (ADNOC)، المملوكة لحكومة أبوظبي، على حلول الصيانة التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر منشآتها النفطية والغازية، حيث تدمج بين المراقبة اللحظية وتحليل البيانات التاريخية للمعدات بهدف التدخل بشكل استباقي قبل وقوع الأعطال. وتُطبّق هذه التقنيات على أكثر من 2500 قطعة من المعدات الثقيلة، بما في ذلك التوربينات والمحركات والمضخات الطاردة المركزية والضواغط. [9]
ومع محدودية المساحات التخزينية، بدأ الذكاء الاصطناعي يبرهن على قدرته في تحسين إدارة المخزون عبر تحليل أنماط الطلب وتكاليف التخزين وفترات التوريد. فقد اعتمدت شركة «بيكر هيوز» (Baker Hughes) الأمريكية برنامج «سي 3.إيه آي» (C3.ai) لإدارة المخزون، ما أسهم في خفض مستويات المخزون بنسبة تراوحت بين 10% و35%، إلى جانب تقليص تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 5% و15%. [10]
وفي سياق آخر، اعتمدت شركة «أديداس» للمستلزمات الرياضية الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتعزيز التصميم الشخصي للمنتجات، إذ تتيح منصات التصميم الرقمية للعملاء اختيار الألوان والنصوص والخامات والأنماط وفق تفضيلاتهم. ويقوم الذكاء الاصطناعي بتحويل هذه المدخلات إلى خطوط إنتاج مؤتمتة، مدعومة بتحسينات تنظيمية تسهم في تبسيط سير العمل وتقليل فترات توقف الآلات. وبفضل هذه المنظومة، تمكنت «أديداس» من زيادة الإيرادات لكل مستخدم بنسبة 18.5% خلال شهر واحد فقط. [11]
ومن المتوقع أن تتقاطع هذه المفاهيم بشكل متزايد ضمن نموذج «المصانع الذكية»، حيث تتكامل خطوط الإنتاج المؤتمتة بدرجة كبيرة مع أنظمة ذكاء اصطناعي تتولى مواءمة استخدام المواد الخام مع قرارات العرض والطلب المستندة إلى تحليل البيانات.
كيف تقود المصانع الذكية التحوّل نحو الثورة الصناعية الرابعة؟
يُعد مصنع «ميتابلانت» (Metaplant) التابع لشركة «هيونداي»، في ولاية جورجيا الأمريكية، أحد أبرز نماذج «المصانع الذكية» على مستوى العالم.
ويُصنَّف هذا المصنع كنموذج إنتاجي متكامل قائم على الروبوتات، مع الحفاظ على الدور المحوري للعنصر البشري، إذ ينتج أكثر من 500,000 مركبة سنوياً، معتمداً على أكثر من 850 روبوتاً ونحو 300 مركبة موجهة آلياً لتنفيذ عمليات التجميع ونقل المكونات داخل المنشأة.
ولتعزيز الإنتاجية في الموقع الممتد على مساحة 2,900 فدان، تخطط «هيونداي» لطلب آلاف الوحدات الروبوتية الإضافية من شركة «بوسطن دايناميكس» (Boston Dynamics). وتشمل أبرز هذه النماذج الروبوت «سبوت» (Spot)، المستوحى من شكل الكلب، والقادر على تنفيذ عمليات فحص المركبات، إلى جانب الروبوت «أطلس» (Atlas)، وهو روبوت بشري الشكل مزوّد بقدرات حركية متقدمة. [12]
وفي ضوء هذه الإمكانات المتقدمة، يبدو أننا بصدد دخول عصر «الروبوتات التعاونية» (Cobot)، المصممة للعمل بأمان إلى جانب البشر ضمن بيئة عمل مشتركة.
فعلى سبيل المثال، يستطيع روبوت «دي-بوت» (D-Bot) متعدد الاستخدامات من شركة «دلتا» بالفعل تنفيذ طيف واسع من المهام، بدءاً من اللحام ووصولاً إلى التعبئة ومراقبة الجودة. كما يمكن تجميع وحدة واحدة منه خلال ساعة واحدة فقط، وبطاقة تحميل تصل إلى 30 كيلوغراماً.
ومن المتوقع أن تتمتع الأجيال القادمة من الروبوتات الذكية بقدرات متقدمة تمكّنها من التعلم من أخطائها، وفهم اللغة البشرية، بل وإنتاج أشكال اصطناعية من التواصل اللفظي.
وتُعد هذه التطورات مجتمعة من أبرز سمات ما يُعرف بـ«الثورة الصناعية الرابعة»، التي تقوم على دمج التصنيع الذكي بالمصانع المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

ومع أن مسار التبني الواسع لهذه التقنيات لا يخلو من التحديات، فإن قادة الصناعة مطالبون بالتحرك من الآن لتهيئة أعمالهم واستراتيجياتهم لعصر الذكاء الاصطناعي.
ما الذي قد يعرقل ثورة الروبوتات؟
تشير المؤشرات الأولية إلى أن تبنّي الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدفع الصناعات نحو تحقيق مستويات أعلى من الربحية، مع خفض التكاليف بأكثر من 60% وزيادة الإنتاجية بما يتجاوز النصف تشير المؤشرات الأولية إلى أن تبنّي الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدفع الصناعات نحو تحقيق مستويات أعلى من الربحية، مع خفض التكاليف بأكثر من 60% وزيادة الإنتاجية بما يتجاوز النصف. ومع ذلك، تظل هناك مجموعة من التحديات التي قد تبطئ وتيرة الانتشار السريع لهذه التقنيات. [13]. ومع ذلك، تظل هناك مجموعة من التحديات التي قد تبطئ وتيرة الانتشار السريع لهذه التقنيات.
فالذكاء الاصطناعي المادي، شأنه شأن نماذج اللغة الكبيرة، يحتاج إلى كميات هائلة من البيانات ليتعلّم ويُحسّن أداءه. غير أن بيانات الروبوتات مكلفة ونادرة نسبياً، لأنها تُستمد من العالم الواقعي لا من البيئة الرقمية.
ويكمن أحد الحلول الممكنة في «البيانات الاصطناعية» — وهي بيانات يتم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي لمحاكاة أنماط وبنية البيانات الواقعية. وقد أصبحت تقنيات العرض الواقعي ثلاثي الأبعاد، مع اختلاف مستويات الإضاءة والملمس، تُستخدم بالفعل لتدريب الروبوتات على التعامل مع الأجسام المادية.
ويمثل العمل في بيئات العالم الحقيقي، لا سيما إلى جانب البشر، تحدياً إضافياً؛ إذ تظل السلامة أولوية قصوى، بينما لا يزال الإدراك المكاني يشكل عقبة أمام الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع، كما هو الحال في أنظمة القيادة الذاتية. ومع ذلك، تبرز مؤشرات واعدة مع تطور نماذج «الرؤية–اللغة–العمل» (VLA)، التي تجمع بين الإدراك والاستدلال والتحكم. وتفتح هذه النماذج آفاقاً جديدة لفهم البيئات المكانية داخل المصانع والمستودعات، حتى في السياقات غير المنظمة التي تتسم بتفاعلات بشرية غير متوقعة.
ولا تزال قدرات الإدراك المكاني ثلاثي الأبعاد، الضرورية لتعزيز المهارات الحركية الدقيقة، محدودة حالياً بسبب قيود ميكانيكية وحسية. غير أن هذا التحدي يُرجّح أن يكون مؤقتاً؛ إذ كلما تطورت قدرة الحواسيب على فهم متغيرات التفاعل في العالم المادي — مثل هندسة الأجسام وزواياها — ستتمكن من العمل بسلاسة أكبر، وستكتسب القدرة تدريجياً على أداء مهام أوسع تتجاوز نطاقها الحالي.
وفي ضوء هذه التحديات، فإن تعظيم إمكانات الذكاء الاصطناعي الميكانيكي وتحويله إلى فرصة اقتصادية واعدة يتطلب استراتيجيات تقنية وتنظيمية متكاملة من القطاعين العام والخاص.
ما هي الفوائد الاجتماعية للذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع؟
يسلط المنتدى الاقتصادي العالمي الضوء على مجموعة من الأولويات الأساسية لمساعدة الصناعات — والاقتصادات — على الاستعداد للموجة المقبلة من الذكاء الاصطناعي المادي، وتشمل:
- دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة الأدوات الصناعية الحالية المستخدمة في تطوير البرمجيات وبنائها.
- تطوير شراكات بين الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع لضمان قابلية التوسع والتوافق مع تطور التكنولوجيا.
- رفع مهارات القوى العاملة لضمان وجود تعاون فعّال بين الإنسان والآلة، وتهيئة كوادر قادرة على شغل وظائف جديدة مثل مدربي الذكاء الاصطناعي ومُحسّني الأنظمة.
وسيكون للدعم التشريعي دور محوري كذلك، حيث تبرز مؤشرات إيجابية على تقدم ملحوظ في هذا الاتجاه؛ إذ تُدير الولايات المتحدة برامج فيدرالية موجهة، من بينها معهد «التصنيع الأمريكي» التابع للمعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، والذي يركز على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع. وبالمثل، تهدف مبادرة «تقنيات التصنيع المتقدمة» (MFGTech) إلى تعزيز الأتمتة وتحسين السلامة على خطوط الإنتاج. أما في الشرق الأوسط، فقد خصصت الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية استثمارات بقيمة 20 مليار دولار لإنشاء 200 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وتدريب أكثر من 20,000 متخصص في البيانات والذكاء الاصطناعي. [14]
ومهما تباينت التقديرات في تقييم واقع سوق التصنيع الحالي، فإن المؤكد أن التغيير المدفوع بالذكاء الاصطناعي قادم لا محالة. وتكشف الدراسات عن توجه واسع نحو دمج هذه التقنيات في العمليات الصناعية، حيث تخطط 9 من كل 10 شركات في آسيا وأوروبا والأمريكتين لاعتماد الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها الإنتاجية خلال السنوات الثلاث المقبلة [15]. وقد بدأت الشركات الرائدة بالفعل في تحقيق مكاسب إنتاجية ملموسة، بمتوسط وفورات يُقدَّر بنحو 14% في تكاليف التصنيع التقليدية.

وفي الوقت ذاته، تتسارع وتيرة تطور هذه التكنولوجيا بشكل لافت. ففي أغسطس 2025، حققت شركة «غوغل ديب مايند» إنجازاً بارزاً بحصولها على ميدالية ذهبية عن حل مشكلة واقعية معقدة خلال نهائيات المسابقة العالمية للبرمجة الجامعية (ICPC) في أذربيجان. وتمكن نموذج «جيميناي 2.5» من تحليل عدد هائل من الاحتمالات خلال أقل من ساعة، وتوزيع السوائل عبر شبكة من القنوات بأقصى كفاءة ممكنة، متفوقاً بذلك على مبرمجين بشريين محترفين. وقد وصفت «غوغل» هذا الإنجاز بأنه «لحظة تاريخية على طريق الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام». [16]
وفي قطاع يتسم بسرعة التحول كهذا، يوفّر الذكاء الاصطناعي للمصنّعين أداة استراتيجية للحفاظ على تنافسيتهم وتعزيز ربحيتهم. وإذا ما حظي هذا المجال باستثمارات طموحة، فمن المرجح أن يُحدث تحولاً في قطاع التصنيع يوازي ما أحدثه سابقاً في القطاعات الخدمية.
ولا تقتصر المكاسب المتوقعة على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى الأثر الاجتماعي أيضاً؛ إذ تفتح الابتكارات التكنولوجية آفاقاً لتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة، وفي الوقت ذاته تتيح للإنسان التركيز على مهام أكثر إنتاجية وإبداعاً، وأكثر ارتباطاً بطبيعته الإنسانية داخل بيئة العمل.
[2] https://ifr.org/ifr-press-releases/news/record-of-4-million-robots-working-in-factories-worldwide
[3] https://fortune.com/ranking/global500/
[4] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Physical_AI_Powering_the_New_Age_of_Industrial_Operations_2025.pdf
[5] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Physical_AI_Powering_the_New_Age_of_Industrial_Operations_2025.pdf
[6] https://www.chiefaiofficer.com/post/bmw-ai-quality-control-60-percent-defect-reduction-manufacturing
[7] https://metrology.news/bosch-set-to-revolutionizing-manufacturing-with-agentic-ai-in-industrial-technology/
[8] https://www.bosch-presse.de/pressportal/de/en/bosch-to-use-generative-ai-in-manufacturing-260806.html
[9] https://adnoc.ae/en/news-and-media/press-releases/2019/adnoc-embarks-on-one-of-the-largest-predictive-maintenance-projects
[10] https://www.bakerhughes.com/bhc3
[11] https://useinsider.com/case-studies/adidas/
[12] https://www.newsweek.com/hyundai-motor-group-boston-dynamics-robots-manufacturing-2060286
[13] https://www.strategyand.pwc.com/de/en/functions/digital/ai-across-industries.html
[14] https://www.kearney.com/service/operations-performance/article/ai-in-manufacturing-how-the-technology-is-poised-to-revolutionize-the-industry-and-its-players
[15] https://www.bcg.com/about/partner-ecosystem/world-economic-forum/ai-project-survey
[16] https://www.theguardian.com/technology/2025/sep/17/google-deepmind-claims-historic-ai-breakthrough-in-problem-solving
أُضيفت إلى الملف الصحفي