كيف يمكن للمؤسسات الاجتماعية أن تمهّد الطريق نحو مستقبل مشرق؟
يشهد قطاع المؤسسات الاجتماعية توسعاً متسارعاً وحضوراً متنامياً في مختلف أنحاء العالم. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يوجد اليوم نحو 10 ملايين مؤسسة اجتماعية تضع رسالتها وأهدافها المجتمعية في مقدمة أولوياتها، قبل السعي إلى تحقيق الربح. وتمتد أنشطة هذه المؤسسات إلى أكثر من 80 دولة في قارات مختلفة، بما يشمل أسواقاً ناشئة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وتولد مجتمعةً إيرادات سنوية تُقدَّر بنحو 2 تريليون دولار أمريكي. ولا يقل أثرها الاجتماعي أهمية عن ثقلها الاقتصادي؛ إذ توفر ما يقرب من 200 مليون فرصة عمل لأشخاص كان كثير منهم سيواجهون، في غياب هذه الفرص، صعوبات في إعالة أسرهم وتلبية احتياجاتهم المعيشية. [1]
ويكشف حجم هذا القطاع عن ثقل اقتصادي لافت؛ إذ تتجاوز قيمته صناعة الملابس العالمية، المقدّرة بنحو 1.57 تريليون دولار أمريكي، كما تفوق بأكثر من الضعف قيمة قطاع الإعلانات البالغة 875 مليار دولار أمريكي. غير أن تأثير المؤسسات الاجتماعية لا يُقاس بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل يمتد إلى إحداث تحولات اجتماعية ملموسة، من بينها تعزيز حضور المرأة في مواقع القيادة. فالنساء يتولين قيادة نحو نصف المؤسسات الاجتماعية تقريباً، مقابل نحو 20% فقط في الشركات التقليدية. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يميز المؤسسات الاجتماعية تحديداً؟ وما الذي مكّنها من تحقيق هذا التأثير الواسع في حياة الأفراد والمجتمعات؟

المؤسسات الاجتماعية على أرض الواقع
بالنسبة إلى كويكا نيانغيو، وهي أم تعيل أسرتها بمفردها في جنوب أفريقيا، تعني المؤسسة الاجتماعية القدرة على كسب دخل يكفي لرعاية أسرتها. فلم تكن إعانات الأطفال ومدفوعات الإعالة الحكومية كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وكان المستقبل يبدو قاتماً.
وتستعيد كويكا تلك الأيام قائلة: «كانت الحياة أشبه بصراع لا ينتهي. وبوصفي المعيل الوحيد لأسرتي، كان عبء البطالة يثقل كاهلي. وكان الضغط النفسي هائلاً، يستنزفني عاطفياً ونفسياً ويتركني غارقةً في شعور عميق بالعجز. مرّت علينا ليالٍ لم نجد فيها ما يسدّ جوعنا، وكنت أشعر بخجل شديد يمنعني من طلب العون من أي شخص». [2]
لكن طوق النجاة جاءها عبر مؤسسة «رعاية الأعمال» (TCB)، وهي مؤسسة اجتماعية ساعدت، منذ عام 2010، آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء جنوب أفريقيا على جمع الملابس والسلع الأخرى غير المرغوب فيها، وإصلاحها، ثم إعادة بيعها في الأسواق الثانوية لتحقيق دخل. وتقول كويكا إنها باتت اليوم قادرة على توفير الطعام لأسرتها من دون ذلك القلق الدائم من أن تخلو خزائن المنزل من المؤن، وهو ما منحها شعوراً بالاستقلال لم تكن تتخيل يوماً أنها ستنعم به.

وليست تجربة كويكا سوى مثال واحد ضمن مشهد أوسع من المؤسسات الاجتماعية التي تعمل حول العالم على تمكين المجتمعات الأكثر احتياجاً. فمن خلال تزويد الأفراد بالمهارات والأدوات وشبكات الدعم والعلاقات التي تساعدهم على بناء سبل عيش أكثر استدامة، تسهم هذه المبادرات في فتح مسارات جديدة للفرص والاستقلال الاقتصادي. كما تضطلع بدور بالغ الأهمية في سد الفجوات التي تتركها أحياناً الشركات التقليدية وبرامج الدعم الحكومي، حين لا تكون قادرة وحدها على توفير ما يكفي من فرص العمل أو مقومات الأمان والاستقرار للمجتمعات الأشد هشاشة.
وتتنوع نماذج المؤسسات الاجتماعية، لكنها تلتقي عند غاية مشتركة تتمثل في تلبية حاجة مجتمعية مع بناء مصادر دخل تكفل استمرارية نشاطها واستدامته. فقد تكون مؤسسات للتمويل متناهي الصغر توفر قروضاً محدودة لرواد الأعمال في البلدان النامية بما يدعم النشاط الاقتصادي، أو شركات للتجارة العادلة تساند المزارعين في الأسواق الناشئة عبر تسويق منتجات يجري الحصول عليها وفق معايير أخلاقية. وقد تتخذ كذلك شكل شركات لتنمية المجتمعات المحلية تستثمر في تحسين جودة الحياة وخلق فرص العمل، أو تجمعات محلية للطاقة المتجددة تولّد دخلاً من مصادر نظيفة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وعلى أرض الواقع، تنشط المؤسسات الاجتماعية في طيف واسع من المجالات، يمتد من الزراعة والتصنيع إلى الخدمات المالية والرعاية الصحية. ويمكن لهذه المؤسسات أن تتخذ أشكالاً وصوراً متعددة، بتنوع لا يحدّه سوى حدود الخيال والطموح الإنساني. ولإبراز هذا التنوع، نستعرض فيما يلي مجموعة من النماذج البارزة التي تُحدث، يوماً بعد يوم، أثراً ملموساً في مجتمعات حول العالم.
فقد طوّرت شركة «جرين ماينينغ» البرازيلية تقنية ذكية في مجال «اللوجستيات العكسية»، تساعد الشركات على استعادة عبوات منتجاتها من المستهلكين وإعادتها إلى سلسلة التوريد. وحتى الآن، نجحت الشركة في إيجاد استخدامات جديدة لنحو 10.1 مليون كجم من العبوات غير المرغوب فيها، وأسهمت في الوقت نفسه في تجنّب نحو 12.7 مليون كجم من الانبعاثات الكربونية غير الضرورية.
وتقدم «مزارع إمفيد» في غانا نموذجاً عملياً لهذا النهج، إذ توفر خدمات إدارية لصغار مزارعي الكاكاو من كبار السن أو ممن تحد أوضاعهم الصحية من قدرتهم على العمل، وكذلك لمن لا يستطيعون تحمّل تكاليف العمالة مقدماً. وخلال السنوات الخمس الأولى من نشاطها، نجحت «إمفيد» في رفع متوسط الإنتاج من 484 كجم إلى 894 كجم، فيما سجل متوسط صافي دخل المزارعين معدل نمو سنوي مركب بلغ 49%.
أما شركة «كلاسيكال هاند ميد برودكتس»، ومقرها بنغلاديش، فقد أسهمت في دعم المجتمعات الريفية من خلال توفير 4,500 فرصة عمل، بالتوازي مع طرح منتجات مصنوعة من مواد خام محلية في الأسواق العالمية. كما تضع الشركة سلامة موظفيها ورفاههم في صميم عملياتها، من خلال توفير بيئة عمل آمنة ومريحة وإخضاع العاملين لفحوص طبية دورية.
وفي الأردن، تعرض مؤسسة نهر الأردن منتجات حرفية مصممة حسب الطلب، تصنعها نساء من المجتمعات المحلية، ثم تُسوّق عبر متاجر «إيكيا» حول العالم. ويركز البرنامج على جودة الحرفية، والحفاظ على التراث الثقافي، وتبني ممارسات الإنتاج الرشيق، وقد استفاد منه حتى الآن ما يقرب من 80,000 شخص.
وفي المكسيك، تقدم مراكز هيبوكامبوس للتعلّم خدمات لرعاية الأطفال وبرامج تعليمية بتكلفة ميسورة للأطفال من عمر سنة إلى 6 سنوات. ولا يقتصر أثرها على الأطفال فحسب، إذ تتيح أيضاً فرص عمل للنساء من المجتمعات المحلية، وتمنح مقدمي الرعاية مساحة أكبر للتركيز على تنمية مصادر دخلهم، إلى جانب إسهامها في إعداد الجيل المقبل من رواد الأعمال. ومنذ عام 2016، أنشأت «هيبوكامبوس» 12 مركزاً للتعلّم موزعة على خمس ولايات مكسيكية هي غواناخواتو، وميتشواكان، وفيراكروز، وولاية مكسيكو، ودورانغو.
وتمثل هذه المشروعات، إلى جانب مئات المبادرات المماثلة حول العالم، شريحة معتبرة من النشاط الاقتصادي؛ إذ تستحوذ المؤسسات الاجتماعية على 3% من إجمالي الشركات عالمياً، وتسهم بأكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. [3]
وبفضل ما تحققه من فوائد بيئية واقتصادية وثقافية، تمتلك المؤسسات الاجتماعية قدرة حقيقية على إحداث تغيير إيجابي في المجتمعات أينما وُجدت. لكن إذا كان أثرها بهذه القوة والاتساع، فما الذي يحول دون توسعها على نطاق أكبر وبلوغها آفاقاً أبعد؟
ما الذي يعوق تقدم المؤسسات الاجتماعية؟
على الرغم من الأدلة التي تؤكد فاعليتها، يرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن المؤسسات الاجتماعية تواجه مجموعة من التحديات الخاصة في مختلف مراحل مسيرتها، بدءاً من التأسيس ووصولاً إلى التوسع والنمو. [4]
- الوصول إلى التمويل: تحتاج المؤسسات الاجتماعية، شأنها شأن الشركات التقليدية، إلى التمويل لتغطية المشتريات الآجلة، ودفع أجور الموظفين، والترويج لمنتجاتها وخدماتها. غير أن جهات الإقراض التقليدية غالباً ما تكون أقل استعداداً لتوفير التمويل لهذه المؤسسات في مراحلها الأولى، لأن أهدافها لا تقتصر على العائد التجاري، بل تمتد إلى تحقيق غايات اجتماعية وثقافية أيضاً، ما يجعل قياس العائد على الاستثمار أكثر تعقيداً. ولا يبدو الوصول إلى التمويل العام أكثر سهولة؛ فحتى في سوق ناضجة مثل الاتحاد الأوروبي، لا تحصل سوى أقل من نصف المؤسسات الاجتماعية على أي شكل من أشكال التمويل من القطاع العام. [5]
- إيصال الرسالة: رغم الانتشار المتزايد للمؤسسات الاجتماعية، فإنها لا تزال تواجه صعوبة في إيصال أهمية رسالتها وأثرها إلى المجتمع على نطاق واسع، وربما يعود ذلك إلى افتقارها إلى الموارد التي تمكّنها من الاستثمار في الحملات التسويقية التي تلجأ إليها الشركات المنافسة ذات الأهداف التجارية البحتة. وفي غياب فهم واضح لأهداف هذه المؤسسات وحجم الأثر الذي تحدثه، قد يصعب على المشرعين والمستهلكين على السواء تكوين صورة متكاملة عن دورها الحقيقي وأهميتها.
- التشريعات: غالباً ما تُصمَّم الأطر التنظيمية والحوافز المالية بناء على مؤشرات ومعايير تجارية، لا اجتماعية. وقد يؤدي ذلك إلى إغفال صناع السياسات للإمكانات الحقيقية التي تتمتع بها المؤسسات الاجتماعية، لا سيما أن أثرها يكون في كثير من الأحيان أقل وضوحاً وأكثر صعوبة في القياس، مقارنة بالمؤشرات المالية المباشرة التي تعكسها بيانات الأرباح والخسائر.
- المشتريات: كثيراً ما تجد المؤسسات الاجتماعية نفسها مستبعدة، عن قصد أو من دون قصد، من عمليات المشتريات، ما يحد من قدرتها على بناء شراكات جديدة وتوسيع نطاق أعمالها. وغالباً ما تكون الاعتبارات المالية هي المعيار الحاسم في إسناد العقود الجديدة، على حساب اعتبارات البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، التي قد تكون أقل وضوحاً وقابلية للقياس، لكنها لا تقل أهمية.
وتشير الأدلة إلى أن محدودية فرص «تعليم ريادة الأعمال» تحرم كثيراً من المبتكرين حول العالم من تحويل أفكارهم إلى مشروعات قادرة على خدمة الصالح العام. فغياب الخبرات العملية والمعرفة المتخصصة اللازمة للتعامل مع تعقيدات الأطر التنظيمية ومتطلبات العمل التجاري يجعل كثيراً من المؤسسات الاجتماعية تتعثر في مراحلها الأولى، بل إن بعضها لا يتمكن من تجاوز حدود الفكرة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وإذا سلمنا بوجود هذا العائق الجوهري، فما الخطوات التي يمكن اتخاذها لسد فجوة تعليم ريادة الأعمال، ودفع مسيرة المؤسسات الاجتماعية قدماً على مستوى العالم؟
هل يمكن للتعليم أن يمهّد لعصر جديد من ريادة الأعمال الاجتماعية؟
طرحت جلسة «الابتكار من أجل الأثر الاجتماعي»، التي عقدها المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن اجتماعه الخاص حول التعاون العالمي والنمو والطاقة من أجل التنمية في المملكة العربية السعودية عام 2024، عدداً من المسارات التي يمكن أن تسهم في تسريع انتشار ريادة الأعمال الاجتماعية. وكان تعليم ريادة الأعمال في مقدمتها؛ أي غرس روح المبادرة الاجتماعية في جيل اليوم لإعداد رواد الأعمال الاجتماعيين في المستقبل.
وبحسب ما خلصت إليه الجلسة، ينبغي أن يبدأ هذا التعليم في سن مبكرة، وأن يصبح جزءاً من التجربة المدرسية نفسها. كما يمكن للمدارس الحكومية والخاصة أن تتكامل في تعليم الطلاب ليس فقط كيفية تأسيس المشروعات وإدارتها، وإنما أيضاً كيفية ابتكار مبادرات مجتمعية قادرة على إحداث أثر فعلي.
ومن المهم أيضاً تعريف الشباب بالفرص المهنية المتنوعة التي تتيحها المؤسسات الاجتماعية، وتشجيعهم على اختيار مسارات تجمع بين الطموح المهني وخدمة المجتمع. ويمكن للجامعات أن تسهم في ذلك من خلال تضمين مقررات إدارة الأعمال مؤشرات تقيس «الصالح الاجتماعي» وتقيّمه إلى جانب مؤشرات الأداء التجاري التقليدية.
ومن شأن ترسيخ الوعي بالابتكار الاجتماعي أن يسهم كذلك في تجاوز الفكرة التقليدية التي تفصل بين تحقيق الربح والعمل من أجل الصالح العام وكأنهما غايتان متعارضتان. فحتى الشركات التقليدية يمكنها دمج بُعد اجتماعي في أنشطتها عبر تبني سياسات أكثر تقدماً ومسؤولية، مثل إتاحة فرص العمل لأفراد من المجتمعات المحرومة، أو توجيه جزء من عائداتها إلى مشروعات إعادة تأهيل الأراضي واستصلاحها.
ومع ذلك، لا يزال قدر كبير من هذه الإمكانات بعيداً عن الاستفادة الفعلية. فالدراسات التي ترصد مستوى الوعي الاجتماعي لدى رواد الأعمال في مراحلهم المبكرة تكشف عن حماس واسع ينتظر أن يجد طريقه إلى التنفيذ، وغالباً ما يتركز هذا الحماس في الأسواق التي هي في أمسّ الحاجة إليه. ويأتي السودان والبرازيل وغواتيمالا وبنما ورومانيا وتوغو والمكسيك ضمن الدول العشر الأولى عالمياً من حيث قوة توجه الشباب نحو ريادة الأعمال الاجتماعية.

وفي كثير من الأحيان، يكون الإلهام والإرشاد عاملين حاسمين في تحويل الطموح إلى مشروع قابل للنمو والاستمرار. ومن هنا تبرز أهمية إتاحة فرص التوجيه لرواد الأعمال الاجتماعيين في بداية مسيرتهم، بما يساعدهم على فهم متطلبات السوق والتعامل مع تحديات بيئة الأعمال التنافسية. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، يعمل المعهد العربي لتمكين المرأة على ربط قيادات تنفيذية نسائية رفيعة المستوى بكفاءات مهنية شابة في مستهل مسيرتهن، بما يتيح لهن الاستفادة من خبرات عملية في تأمين التمويل وتطوير برامج اجتماعية قادرة على إحداث أثر ملموس ومستدام.
وبعيداً عن التعليم، ما الأدوات الأخرى التي يمكن أن تسهم في إطلاق الإمكانات الكاملة للمؤسسات الاجتماعية؟
اتجهت بعض الدول، من بينها فرنسا وكندا والمملكة المتحدة، إلى تطوير أطر تشريعية تعترف بالمؤسسات الاجتماعية باعتبارها كيانات قانونية قائمة بذاتها، بما يمنحها قدراً أكبر من الحماية القانونية والامتيازات الممنوحة للشركات. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تشمل الصيغ القانونية الشائعة شركات المصلحة المجتمعية، والمنظمات الخيرية المتمتعة بالشخصية الاعتبارية، إلى جانب المؤسسات الاجتماعية المحدودة بالضمان أو بالأسهم. وتترتب على كل صيغة من هذه الصيغ آثار مختلفة فيما يتعلق بهيكل الحوكمة والالتزامات الضريبية والقدرة على استقطاب التمويل. ومن خلال توفير قواعد قانونية أكثر وضوحاً، تساعد هذه الأطر على تعزيز الثقة بقطاع لا يزال يواجه قدراً من الغموض وعدم اليقين، كما تقدم نماذج يمكن لدول أخرى الاستفادة منها عند تطوير تشريعاتها الخاصة بالمؤسسات الاجتماعية.
كما حددت قمة الأهداف العالمية، التي تركز على تطوير استراتيجيات قابلة للتنفيذ لمواجهة التحديات العالمية وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، مجموعةً أخرى من الإجراءات العملية التي يمكن أن تسهم في دعم المؤسسات الاجتماعية وتعزيز قدرتها على توسيع نطاق تأثيرها.
- المبادرات المحلية: لا شك أن المجتمعات المحلية هي الأقدر على فهم التحديات التي تواجهها وتحديد ما يلزم للتخفيف من آثارها. ومن ثم، نحتاج إلى أطر قوية تمنح السكان المحليين القدرة على قيادة تدخلات فعالة من خلال المؤسسات الاجتماعية. كما أن التدريب المصمم وفق طبيعة كل مجتمع واحتياجاته يمثل عنصراً أساسياً لمعالجة القضايا المحلية، سواء ارتبطت بالجغرافيا أو الاقتصاد أو التنوع، بما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل الأحياء والمجتمعات.
- التمويل: تحتاج جهات الإقراض العامة والخاصة إلى ابتكار فئة جديدة من المنتجات المالية المصممة خصيصاً للمؤسسات الاجتماعية. وينبغي أن تتمتع هذه القروض بالمرونة الكافية لتجاوز العقبات التي تعرقل تدفق التمويل، سواء من خلال أدوات التمويل المختلط أو عبر الاستفادة من الضمانات لتقليل مستوى المخاطر التي يراها المستثمرون.
- دور الوسطاء: يمكن للوسطاء أن يساعدوا في التوفيق بين احتياجات المؤسسات الاجتماعية ومتطلبات الشركات الكبرى، بما يهيئ مساحة أكثر ملاءمة للتعاون بين الطرفين. فالوسطاء ذوو الخبرة قادرون على التفاوض بشأن شروط سداد عادلة والمساعدة على تسريع اتخاذ القرارات. والأهم من ذلك، أنهم يستطيعون المواءمة بين أهداف قد تتعارض أحياناً، بما يضمن جاهزية المؤسسات الاجتماعية للاندماج في سلاسل القيمة، وفي المقابل استعداد الشركات الكبرى للتجاوب مع اعتبارات أخلاقية جديدة في ممارسة الأعمال.
- التكنولوجيا الحديثة: كثيراً ما تجد المؤسسات الاجتماعية نفسها خارج دائرة الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تتيحها البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي بسبب ارتفاع تكاليفهما الأولية. ومن الضروري معالجة هذا الخلل حتى يتمكن رواد الأعمال الاجتماعية من الاستفادة الكاملة من إمكانات التكنولوجيا الحديثة. وغالباً ما تعمل هذه المؤسسات داخل مجتمعات محرومة أو محدودة الموارد، ومن شأن تزويدها بالبيانات المناسبة، وبقدرات متقدمة في التعلم الآلي، أن يساعدها على مواجهة التحديات بكفاءة وعلى نطاق واسع. كما يمكن للمؤسسات الاجتماعية أن تؤدي دوراً في تضييق «الفجوة الرقمية» وما تخلّفه من آثار سلبية؛ ففي الوقت الذي يمثل فيه الاقتصاد الرقمي 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لا يزال 2.6 مليار شخص يفتقرون إلى اتصال موثوق بالإنترنت. [6]
وإذا ما أُديرت المؤسسات الاجتماعية بكفاءة، فإنها قادرة على تسريع التحول نحو «اقتصاد أصحاب المصلحة»، بما يمثله من نموذج أكثر عدلاً واستدامة لتنظيم المجتمع الإنساني.
هل تصنع روح المبادرة عالماً يبعث على مزيد من الأمل؟
لطالما آمنت عائلة جميل بقيمة ريادة الأعمال المحلية القائمة على أسس أخلاقية، وبقدرتها على إحداث أثر ملموس في المجتمعات. ومن هذا المنطلق، دعمت مفهوم المؤسسات الاجتماعية عبر مجموعة من المبادرات، وكذلك عبر مؤسساتنا الخيرية العالمية، ومنها، على سبيل المثال، مجتمع جميل السعودية في المملكة العربية السعودية، ومجتمع جميل على المستوى الدولي.
ومن بين أبرز هذه المبادرات باب رزق جميل، الذي يعمل على دعم الشباب في المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وتمكينهم من الوصول إلى فرص عمل لائقة، من خلال ربط الباحثين عن عمل بالفرص المناسبة وفتح مسارات تساعدهم على تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي. وفي عام 2024، أطلق باب رزق جميل النسختين الثانية والثالثة من معرض التوظيف الافتراضي، مستفيداً من تقنيات الواقع الافتراضي لتوفير تجربة أكثر تفاعلاً تجمع بين أصحاب العمل والباحثين عن وظائف، وقد استفاد من المعرض عشرات الآلاف من المشاركين. وبالتوازي مع ذلك، واصل تنفيذ برنامجه للتدريب والتوظيف في قطاع القهوة، كما أطلق برنامجاً مماثلاً في قطاع المخابز، بالتعاون مع شبكة من شركاء التدريب والتوظيف في مختلف أنحاء المملكة.
وفي سياق جهودها الرامية إلى تنمية قدرات الجيل الجديد من رواد الأعمال السعوديين وتحفيزهم، أطلقت مؤسسة مجتمع جميل السعودية النسخة الثامنة من مسابقة ستارت سمارت لريادة الأعمال في عام 2024، بهدف تمكين رواد الأعمال السعوديين، وتزويدهم بالمهارات والخبرات اللازمة، ودعم نمو قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ويحصل المتأهلون إلى المراحل النهائية على برنامج تدريبي مكثف، إلى جانب فرص للإرشاد والتوجيه على أيدي خبراء ومتخصصين. كما نظمت المؤسسة على مدار العام سلسلة من «لقاءات ستارت سمارت»، وفّرت منصةً تفاعلية للنقاش وتبادل الخبرات والأفكار ضمن بيئة ريادية محفزة وملهمة.
وتشمل المبادرات الأخرى الهادفة إلى تمكين الأفراد ودعم ازدهار المجتمعات همم جميل، التي تساند أصحاب الإعاقات من خلال إتاحة فرص العمل والتعليم والتدريب. أما نفيسة شمس، فتوفر للنساء بيئة عمل متكاملة تمكّنهن من إنتاج منتجات حرفية عالية الجودة، مستندةً إلى برامج تدريب متخصصة وخطوط إنتاج مهيأة لهذا الغرض. ومن بين هذه المبادرات برنامج العمل من المنزل، الذي يساعد المرأة السعودية على تحقيق التوازن بين مسؤولياتها الأسرية ومشاركتها الفاعلة في سوق العمل.
كما تقدم أكاديمية نفيسة شمس باقة متنوعة من الدورات التدريبية، عبر الإنترنت وحضورياً، تغطي مجالات متعددة تمتد من الإدارة ومهارات الحاسب الآلي إلى الفنون وتصميم الأزياء.
وفي المملكة العربية السعودية أيضاً، يواصل مستشفى عبد اللطيف جميل، منذ عام 1994، الاستجابة لأكثر احتياجات الرعاية الصحية إلحاحاً في السعودية، بدءاً من مواجهة الارتفاع المتزايد في معدلات الأمراض المرتبطة بأنماط الحياة، وصولاً إلى الريادة في تقديم علاجات طبية متقدمة لم تكن متاحة من قبل في المنطقة. ومن خلال التزامه بتوظيف أحدث التقنيات، ودعم التعليم الطبي المستمر، وتقديم رعاية تتمحور حول المريض، أسهم المستشفى في إحداث تحول ملموس في حياة أكثر من 175,000 مريض على مدى العقود الثلاثة الماضية، ليغدو بذلك إحدى الركائز المهمة لمنظومة الرعاية الصحية في المملكة.
وعلى الصعيد الدولي، تشمل مبادرات مجتمع جميل برنامج «إجادة» (المعروف سابقاً باسم «تري» (TREE))، وهو برنامج متكامل لتدريب المعلمين على مستوى المنظومة التعليمية، يستند إلى نهج قائم على التعاطف لمساعدتهم على تجاوز آثار الصدمات وتعزيز قدرتهم على تقديم تعليم فعّال؛ وكذلك مبادرة «براثام جميل – الفرصة الثانية»، التي تهدف إلى دعم 10,000 فتاة وامرأة في الهند سنوياً ممن انقطعن عن الدراسة، لمساعدتهن على استئناف تعليمهن النظامي.
أما مؤسسة فن جميل، فتدعم الفنانين والمبدعين في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب نشاطها على الساحة الدولية. وتستند برامج فن جميل، التي تشمل المعارض والتكليفات الفنية والبحوث والتعلم وبناء المجتمعات، إلى رؤية متجددة للفنون بوصفها ركناً أساسياً في الحياة ينبغي أن يكون متاحاً للجميع. ومن أبرز شركائها المؤسسيين متحف فيكتوريا وألبرت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، ومؤسسة دلفينا. وعلى المستوى المحلي، تتعاون فن جميل مع الأفراد والمؤسسات لتطوير برامج مبتكرة تمزج بين التقنيات التقليدية والمعاصرة، وتفتح آفاقاً أوسع أمام ريادة الأعمال، وتسهم في تعزيز الروابط والشبكات الثقافية.
كما دخل مجتمع جميل في شراكة مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عام 2005 لدعم معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)، وهو شبكة عالمية من الأساتذة الجامعيين تكرّس جهودها للحد من الفقر حول العالم. وفي عام 2014، شارك مجتمع جميل في تأسيس معمل عبد اللطيف جميل للماء والغذاء (J-WAFS) في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يجري أبحاثاً تهدف إلى المساعدة في مواجهة شح المياه ونقص الإمدادات الغذائية حول العالم؛ إلى جانب معمل عبد اللطيف جميل العالمي للتعليم (J-WEL)، الذي يتعاون مع المبتكرين في مجال التعليم حول العالم لتطوير أفكار جديدة وعملية قادرة على إحداث تحول واسع النطاق في منظومة التعلم.
ومع دخول العالم العقود المقبلة، ستزداد حدة التحديات الاقتصادية والبيئية وتتداخل على نحو يجعل الحلول التقليدية وحدها غير كافية، ويضع الابتكار في صميم الاستجابة المطلوبة. وفي هذا السياق، أثبتت المؤسسات الاجتماعية أنها نموذج فاعل للتصدي لأوجه عدم المساواة، وفي الوقت نفسه الإسهام في دفع العالم نحو مسار أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات الوجودية المتنامية.
وتحمل قصص أولئك الذين غيّر تدخل المؤسسات الاجتماعية في اللحظة المناسبة مجرى حياتهم دلالة قوية على ما يمكن أن تصنعه هذه المؤسسات من أثر إنساني حقيقي. ومن خلال رفع مستوى الوعي بدورها، وتطوير أطر قانونية أكثر شمولاً، وتيسير وصولها إلى مصادر التمويل، يمكن مضاعفة أثرها وتمكينها من تحقيق كامل إمكاناتها، بما يدفع العالم نحو مستقبل أكثر إنصافاً واستدامة ويبعث على قدر أكبر من الأمل والتفاؤل.
خمس حقائق سريعة عن المؤسسات الاجتماعية
- س: كم يبلغ عدد المؤسسات الاجتماعية حول العالم؟
ج: تعمل نحو 10 ملايين مؤسسة اجتماعية في أكثر من 80 دولة، وتحقق مجتمعةً إيرادات سنوية تقارب 2 تريليون دولار أمريكي.
- س: ما حجم إسهام المؤسسات الاجتماعية في توفير فرص العمل؟
ج: توفر المؤسسات الاجتماعية قرابة 200 مليون فرصة عمل لأشخاص كانوا سيواجهون، لولاها، صعوبات مالية. كما تقود النساء نحو نصف المؤسسات الاجتماعية حول العالم، مقارنة بنحو 20% فقط من الشركات التقليدية.
- س: كيف يقارن حجم قطاع المؤسسات الاجتماعية بغيره من الصناعات العالمية؟
ج: يفوق حجم قطاع المؤسسات الاجتماعية صناعة الملابس العالمية، التي تبلغ قيمتها 1.57 تريليون دولار أمريكي، ويتجاوز ضعف حجم قطاع الإعلانات، البالغ قيمته 875 مليار دولار أمريكي.
- س: ما أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الاجتماعية؟
ج: تشمل أبرز التحديات محدودية الوصول إلى التمويل، وصعوبة إيصال أثر هذه المؤسسات إلى الجمهور، وعدم ملاءمة بعض التشريعات، إلى جانب استبعادها من عمليات المشتريات التي تعطي الأولوية للمؤشرات المالية على حساب الأثر الاجتماعي.
- س: كيف تدعم عائلة جميل المؤسسات الاجتماعية؟
ج: تدعم عائلة جميل هذا القطاع من خلال مبادرات عدة، من بينها باب رزق جميل لتوفير فرص العمل، ومسابقة «ستارت سمارت» للتدريب على ريادة الأعمال، وهمم جميل لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة، ونفيسة شمس لتمكين المرأة.
[1] https://initiatives.weforum.org/global-alliance-for-social-entrepreneurship/state-of-the-sector
[2] https://www.tcb.org.za/from-empty-stomachs-to-building-a-future/
[3] https://www3.weforum.org/docs/WEF_The_State_of_Social_Enterprise_2024.pdf
[4] https://www3.weforum.org/docs/WEF_The_State_of_Social_Enterprise_2024.pdf
[5] https://www.wipo.int/web-publications/global-innovation-index-2024/en/special-theme-2024-unlocking-the-promise-of-social-entrepreneurship.html
[6] https://technologymagazine.com/articles/wef-equitys-role-in-the-green-digital-transformations
أُضيفت إلى الملف الصحفي