شهدت مقاطعة كورنوال في المملكة المتحدة هذا العام حدثاً استثنائياً مرّ بهدوء بعيداً عن الأضواء، أو بالأحرى على عمق خمسة كيلومترات تحت سطح الأرض.

فقد نجحت شركة هندسية رائدة في حفر أعمق بئر برية في تاريخ المملكة المتحدة، وأطلقت أول محطة للطاقة الحرارية الجوفية في البلاد. وما إن دخلت المحطة حيز التشغيل حتى بدأت نحو 10,000 أسرة بريطانية في الاستفادة من طاقة نظيفة مصدرها مورد متجدد لا ينضب ويعمل على مدار الساعة، مما يسهم في تجنب انبعاثات آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. [1]

ويُعد مشروع «يونايتد داونز للطاقة الحرارية الجوفية العميقة» (United Downs Deep Geothermal Power Project)، الذي طورته شركة «جيوثيرمال إنجينيرينغ المحدودة» (GEL)، إنجازاً تقنياً استثنائياً بلغت قيمته 65 مليون دولار أمريكي. وتعتمد هذه المحطة، كغيرها من محطات الطاقة الحرارية الجوفية، على الحرارة المخزنة تحت سطح الكوكب الناتجة عن الاضمحلال الإشعاعي، وهي عملية طبيعية مستمرة منذ نشأة كوكب الأرض. وضمن هذه الآلية، تتدفق المياه عبر أنابيب إلى الأسفل داخل بئر حيث تتغلغل عبر الشقوق الطبيعية في الصخور التي تقترب درجات حرارتها من 200 درجة مئوية، ومن ثم تُضخ هذه المياه شديدة السخونة مرة أخرى إلى السطح لتُستخدم في تدوير التوربينات وتوليد الكهرباء التي يتم ضخها إلى شبكة الطاقة.

ويمثل هذا المشروع أحدث إنجاز في مسيرة النمو المتسارع لقطاع الطاقة الحرارية الجوفية عالمياً. وباعتباره مصدراً منخفض الكربون للطاقة، فإن توقيت هذا الإنجاز مناسب للغاية. ففي مارس 2026، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن مناخ الأرض بات أكثر اختلالاً من أي وقت مضى، إذ يراكم الكوكب كميات من الطاقة الحرارية تفوق بكثير قدرته على إطلاقها مجدداً إلى الفضاء. [2]   ويؤدي هذا الخلل، الناجم عن احتباس الغازات الدفيئة للحرارة في الغلاف الجوي، إلى تسارع ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات البحار، وسط توقعات بتسجيل درجات حرارة قياسية جديدة في وقت لاحق من هذا العام.

ومع اكتمال الأعمال في مشروع «يونايتد داونز»، تستعد شركة «جيوثيرمال إنجينيرينغ» للشروع في تطوير محطتين جديدتين للطاقة الحرارية الجوفية. وهي ليست سوى واحدة من بين العديد من الجهات التي تسابق الزمن للاستفادة من الزخم المتصاعد الذي يشهده هذا القطاع، والذي بات يجذب مستويات غير مسبوقة من الاهتمام والاستثمار حول العالم.

فهل تقترب الطاقة الحرارية الجوفية من الانتقال إلى قلب منظومة الطاقة العالمية؟

تفيد الوكالة الدولية للطاقة (IEA) بأن الاستثمارات في تقنيات الطاقة الحرارية الجوفية المتقدمة تشهد نمواً متسارعاً، إذ بلغت 2.2 مليار دولار أمريكي على مستوى العالم خلال عام 2025، بزيادة قدرها 80% مقارنة بالمستويات المسجلة منذ عام 2018. [3]  وتأتي هذه الاستثمارات الموجهة إلى «تقنيات المستقبل» في القطاع، إضافة إلى 5 مليارات دولار أمريكي جرى تخصيصها لمشروعات الطاقة الحرارية الجوفية التقليدية خلال عام 2025، فضلاً عن 11.5 مليار دولار أمريكي أخرى تم تأمينها لصالح أنظمة التدفئة الحرارية الجوفية على مستوى المناطق والأحياء.

وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن جانباً مهماً من هذا التدفق الاستثماري المتزايد يعود إلى الطلب المتنامي من شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء الموثوقة لتشغيل مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ولا تقتصر مزايا محطات الطاقة الحرارية الجوفية على توفير عشرات أو مئات الميجاواط من الكهرباء فحسب، بل تمنح شركات التكنولوجيا ميزة إضافية تتمثل في إمكانية إعادة ضخ الحرارة الفائضة الناتجة عن مراكز البيانات إلى أعماق الأرض مباشرة، بدلاً من إطلاقها إلى الغلاف الجوي الذي يعاني بالفعل من الإجهاد الحراري.

ما هي آفاق وإمكانات الطاقة الحرارية الجوفية؟

لا تزال محطات الطاقة الحرارية الجوفية تتركز إلى حد كبير في عدد محدود من المواقع التي تتيح الوصول إلى الموارد الحرارية القريبة نسبياً من سطح الأرض. ونتيجة لذلك، لا تسهم الطاقة الحرارية الجوفية حالياً إلا بنحو 1% فقط من إجمالي إنتاج الكهرباء العالمي. غير أن هذا الواقع قد يكون على وشك أن يتغير جذرياً. [4]

فإذا استمر مسار التطور التقني بالوتيرة الحالية، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن تتمكن الطاقة الحرارية الجوفية من تلبية ما يصل إلى 15% من الطلب العالمي على الكهرباء بحلول منتصف القرن الحالي، وهو ما يعادل قدرة إنتاجية حرارية أرضية تبلغ نحو 800 جيجاواط على مستوى العالم، وهو حجم كافٍ لتوليد طاقة تضاهي إجمالي الطلب الحالي على الكهرباء في الولايات المتحدة والهند مجتمعتين. [5]

وعلى خطى كينيا، حيث توفر الطاقة الحرارية الجوفية نحو 40% من مزيج الطاقة الحالي، وآيسلندا التي تؤمن من خلالها نحو 30% من احتياجاتها الكهربائية و90% من احتياجات التدفئة، بدأت دول أخرى بالانضمام إلى هذا التوجه المتنامي والاستثمار بقوة في هذا المصدر الواعد للطاقة. [6]

ووفقاً لتقرير صادر عن «مبادرة الطاقة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT Energy Initiative)، تضع كل من تركيا ونيوزيلندا وإندونيسيا توسيع استخدام الطاقة الحرارية الجوفية ضمن أولوياتها الاستراتيجية في إطار خطط أوسع نطاقاً لقطاع الطاقة، مدفوعة بتدفقات متزايدة من رؤوس الأموال الخاصة وتغيرات متسارعة في السياسات البيئية. كما تسهم الخصائص الجيولوجية المواتية في دعم هذا التوجه، إذ تتمتع هذه الدول جميعها بنشاط بركاني كثيف وموارد هائلة في باطن الأرض، ما يجعلها بيئات مثالية لاستغلال الطاقة الحرارية الجوفية. وحتى في الولايات المتحدة، حيث لا تبدي الإدارة الحالية حماسة كبيرة تجاه القضايا البيئية، تشهد البلاد تشريعات تحظى بدعم من الحزبين لتعزيز البحث والتطوير في مجال تقنيات الطاقة الحرارية الجوفية المتقدمة القائمة على استغلال الصخور فائقة السخونة.

وبحلول نهاية عام 2025، بلغت القدرة الإنتاجية المركبة للطاقة الحرارية الجوفية عالمياً 17,173 ميجاواط، بزيادة قدرها 223 ميجاواط مقارنة بالعام السابق. [7]  وحافظت الولايات المتحدة على موقعها بوصفها أكبر منتج منفرد للطاقة الحرارية الجوفية في العالم بقدرة بلغت 3,953 ميجاواط، على الرغم من عدم تدشين أي مشاريع كبرى جديدة خلال العام. أما بقية المراكز الخمسة الأولى فقد ضمت عدداً من الدول التي سجلت توسعاً ملحوظاً في قدراتها الحرارية الجوفية خلال عام 2025، من بينها:

  • إندونيسيا (2,742 ميجاواط): بفضل دخول قدرات إنتاجية جديدة من مشروع «إيجين – الوحدة الأولى» (Ijen Unit 1)، ومشروع «لوموت بالاي – الوحدة الثانية» (Lumut Balai Unit 2)، إضافة إلى وحدة الدورة الثنائية في «سالاك» (Salak)، أصبحت إندونيسيا أسرع أسواق الطاقة الحرارية الجوفية نمواً في العالم.
  • الفلبين (2,034 ميجاواط): شملت القدرات الإنتاجية الجديدة محطة «تاناوون» الحرارية الجوفية ذات الدورة الثنائية (Tanawon Binary Geothermal Plant) ضمن مجمع «باكمان 2» (BacMan II).
  • تركيا (1,797 ميجاواط): بصفتها أكبر منتج للطاقة الحرارية الجوفية في أوروبا، قامت تركيا بتشغيل ثلاث محطات جديدة هي: «أمير» (Emir)، و«هيز مورالي» (Hez Morali)، و«نيزيهي بيرين – الوحدة الثانية» (Nezihe Beren Unit 2).
  • نيوزيلندا (1,259 ميجاواط): لم تكن محطة «توب 2» (TOPP 2) الجديدة للطاقة الحرارية الجوفية قد بدأت ضخ الكهرباء إلى الشبكة رسمياً بحلول نهاية عام 2025، إلا أن أعمال التشغيل التجريبي كانت قد انطلقت بالفعل.

وفي مناطق أخرى من العالم، شهد عام 2025 زخماً متزايداً في مشاريع الطاقة الحرارية الجوفية. ففي آيسلندا، أسهم التوسع في محطة «سفارتسينغي» (Svartsengi) في إضافة قدرة توليد جديدة بلغت 22 ميجاواط، فيما عززت السلفادور قدراتها بإدخال وحدة ثنائية جديدة بقدرة 8 ميجاواط في حقل «برلين» للطاقة الحرارية الجوفية. أما على صعيد التوقعات المستقبلية، فيرى خبراء القطاع أن عام 2027 قد يشكل نقطة تحول مهمة، مع توقعات بنمو قوي في أسواق الطاقة الحرارية الجوفية حول العالم، مدفوعاً بانتقال عدد متزايد من المشاريع المتقدمة من مراحل التطوير إلى التشغيل التجاري واسع النطاق.

وتكشف هذه التطورات عن وجود قوة دافعة رئيسية وراء الانتعاش الذي تشهده الطاقة الحرارية الجوفية على مستوى العالم. وليس من المستغرب أن تكون الابتكارات التكنولوجية في صميم هذا التحول، إذ تفتح آفاقاً جديدة لاستغلال موارد كانت تُعد سابقاً بعيدة المنال أو غير مجدية اقتصادياً.

كيف تُعيد التكنولوجيا رسم مستقبل الطاقة الحرارية الجوفية؟

تمثل الابتكارات التكنولوجية القوة الدافعة وراء الجيل الجديد من محطات الطاقة الحرارية الجوفية.

فمن الناحية الجغرافية، يتركز قطاع الطاقة الحرارية الجوفية حالياً إلى حد كبير على امتداد حدود الصفائح التكتونية. غير أن مجموعة من التقنيات الحديثة، التي يستفيد بعضها من الخبرات المتراكمة في الحفر العميق لدى صناعات النفط والغاز التقليدية، قد تفتح المجال أمام توسيع نطاق هذا القطاع ليشمل مناطق تكاد تمتد إلى معظم أنحاء العالم.

وتبرز تقنيتان رئيسيتان في مقدمة التقنيات الحرارية الجوفية الناشئة: «الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة» (Enhanced Geothermal Systems – EGSs)، و«الأنظمة الحرارية الجوفية ذات الحلقة المغلقة» (Closed-Loop Geothermal Systems – CLGs).

كيف تعمل الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة؟

تهدف الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة إلى فتح مساحات شاسعة جديدة من القشرة الأرضية أمام الاستغلال الحراري الجوفي، وذلك من خلال زيادة نفاذية الصخور فائقة السخونة وشديدة الصلابة. ويتطلب ذلك حفر آبار عميقة والعمل على توسيع الشقوق الطبيعية الموجودة في الصخور أو حتى إنشاء شقوق جديدة بصورة اصطناعية. ويجري حالياً استكشاف ثلاث آليات رئيسية لتحقيق ذلك:

  • التحفيز الهيدروليكي: من خلال حقن السوائل تحت ضغط مرتفع داخل الصخور الجوفية بهدف إحداث شقوق جديدة تسمح بتدفق السوائل والحرارة بسهولة أكبر.
  • التحفيز الحراري: عبر ضخ سوائل باردة إلى الصخور لإحداث صدمات حرارية ناجمة عن التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة، بما يؤدي إلى إضعاف البنية الصخرية وزيادة قابليتها للتشقق.
  • التحفيز الكيميائي: ويعتمد على إحداث فجوات جوفية جديدة عبر تدوير مركبات كيميائية (مثل الأحماض) خلال الطبقات الصخرية لتتفاعل مع معادن معينة وتساعد على إذابتها.

وأياً كانت الآلية المستخدمة، فإن النتيجة النهائية هي تشكيل شبكة من الصدوع الجوفية العميقة التي يمكن للمياه المرور عبرها لامتصاص الحرارة، ومن ثم ضخها إلى السطح على هيئة بخار يُستخدم في توليد الطاقة. وقد جرى اختبار أكثر من 30 مشروعاً للأنظمة الحرارية الجوفية المعززة في مواقع مختلفة عبر أوروبا وآسيا وأستراليا. [8] وعلى سبيل المثال، أثبت مشروع «بروجكت ريد» (Project Red) [9] التابع لشركة «فيرفو» (Fervo) في ولاية نيفادا الأمريكية فعالية تقنيات التحفيز متعددة المراحل في زيادة أحجام الخزانات الحرارية ومساحات انتقال الحرارة. وفي مواقع أخرى، يختبر المطورون استخدام الآبار الأفقية التي، رغم ارتفاع تكلفتها وصعوبة حفرها مقارنة بالآبار العمودية التقليدية، تحقق أقصى استفادة ممكنة من التماس مع الطبقات الصخرية الساخنة وتعزز كفاءة استخراج الطاقة.

وتتوالى المشروعات الجديدة المعتمدة على الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة إلى ساحة التشغيل بشكل منتظم. ففي الولايات المتحدة، من المقرر أن يبدأ مشروع «كيب ستيشن» (Cape Station) [10]  التابع لشركة «فيرفو» في ولاية يوتا التشغيل خلال النصف الثاني من عام 2026، بقدرة إنتاجية تصل إلى 400 ميجاواط وعلى عمق 2.4 كيلومتر. وفي سويسرا، يستعد مشروع «هوت سورن» (Haute Sorne) [11] التابع لشركة «جيو إنيرجي سويس» (Geo-Energie Suisse) لتوسيع نطاق عملياته من خلال إضافة بئر ثانية في عام 2026، تمهيداً لبدء الإنتاج التجاري بحلول عام 2029.

وقد تفتح الابتكارات المستقبلية في تقنيات الحفر وتفتيت الصخور ضمن الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة آفاقاً جديدة لاستغلال التكوينات البلورية القاعدية التي ظلت لفترة طويلة بعيدة عن المتناول اقتصادياً وتقنياً. وتمتاز هذه الطبقات الصخرية العميقة منخفضة النفاذية بدرجات حرارة استثنائية قد تتجاوز 375 درجة مئوية، ما يتيح تحقيق قفزة كبيرة في إنتاج الطاقة وتعزيز كفاءة استغلال الموارد الحرارية الجوفية.

ولا يقتصر مستقبل الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة على إنتاج الكهرباء فحسب، بل قد تمتد تطبيقاتها إلى تخزين فائض الطاقة المولدة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إذ يمكن تخزين الطاقة الزائدة على شكل مياه ساخنة أو بخار جاهز للاستخدام عندما لا تكون مصادر الطاقة المتجددة الأخرى متاحة. وفي بعض الحالات، قد تتجاوز كفاءة التخزين الحراري الأرضي كفاءة بطاريات الليثيوم أيون. [12]

ما هي الأنظمة الحرارية الجوفية ذات الحلقة المغلقة؟

تبرز الأنظمة الحرارية الجوفية ذات الحلقة المغلقة بوصفها واحدة من أكثر التقنيات الواعدة في هذا المجال. وتعتمد هذه التقنية على حفر دائرة اصطناعية مغلقة وعزلها في أعماق الأرض. ويتم تسخين السائل المتدفق داخل النظام بواسطة التوصيل الحراري من الصخور المحيطة من دون أي تماس مباشر معها. كما أنها لا تتطلب تحفيز الصخور أو الخزانات الجوفية، وتتميز بمستويات إنتاج أكثر استقراراً مقارنة بالمسارات الطبيعية التي تعتمد عليها الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة.

غير أن هذه الأنظمة لا تخلو من تحديات تقنية جوهرية. فبما أن التوصيل الحراري يُعد وسيلة أبطأ لانتقال الحرارة مقارنة بالتلامس المباشر، فإنها تتطلب حفر آبار أطول بكثير، قد يصل طولها في بعض الحالات إلى عدة أضعاف الآبار المستخدمة في الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة. وينعكس ذلك مباشرة على التكاليف، الأمر الذي قد يفسر تباطؤ وتيرة انتشار هذه التقنية مقارنة بنظيرتها المعززة.

ورغم ذلك، لا تزال مشروعات إثبات الجدوى الخاصة بالأنظمة الحرارية الجوفية ذات الحلقة المغلقة تتقدم بخطى ثابتة في كندا وأوروبا والولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، ينتج مشروع «جرين لوب» (GreenLoop) التابع لشركة «جرين فاير إنرجي» (GreenFire Energy) في ولاية كاليفورنيا [13]سوائل تصل درجة حرارتها إلى 180 درجة مئوية، تُستخدم لتوليد طاقة كهربائية بقدرة تبلغ 1.2 ميجاواط.

وفي ألمانيا، يسعى مشروع مرتقب إلى إثبات الجدوى التجارية لهذه التقنية على نطاق أوسع بكثير. فمن المتوقع اكتمال مشروع «إيفور لوب» (Eavor-Loop) التابع لشركة «إيفور» (Eavor) في مدينة جيريتسريد بولاية بافاريا [14] بحلول عام 2027، باستثمارات تبلغ 350 مليون يورو. ويعتمد هذا المرفق، الذي يعمل على غرار مشع حراري عملاق، على أربعة مبادلات حرارية تحت الأرض وشبكة تمتد لنحو 320 كيلومتراً من الآبار العمودية والوصلات الأفقية. وبقدرة متوقعة تبلغ 64 ميجاواط حراري و8.2 ميجاواط كهربائي، سيؤمن المشروع عند اكتماله احتياجات المنطقة بأكملها من التدفئة والكهرباء، مع المساهمة في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 44,000 طن سنوياً.

وفي كلتا التقنيتين، يظل العمق العامل الحاسم في تحديد جدواهما وإمكاناتهما. فعند أعماق تبلغ نحو 2,000 متر، لا يتوافر سوى عدد محدود من المواقع القابلة للاستغلال التجاري لهذه الأنظمة حول العالم. غير أن الوصول إلى أعماق 4,000 متر يوسع نطاق الفرص بشكل كبير، ليشمل مساحات شاسعة من أفريقيا وآسيا. [15] أما عند الاقتراب من عمق 7,000 متر، فإن مناطق قليلة فقط من العالم تبقى خارج نطاق الاستفادة المحتملة من الطاقة الحرارية الجوفية.

كيف تُسهم ابتكارات الحفر في إحداث تحول في قطاع الطاقة الحرارية الجوفية؟

ومع كل متر إضافي يتم حفره في باطن الأرض، تتعاظم العوائد المحتملة بصورة تفوق التوقعات، ما يجعل الابتكار في تقنيات الحفر عاملاً محورياً في توسيع نطاق صناعة الطاقة الحرارية الجوفية عالمياً.

ومن أبرز هذه الابتكارات تقنية الحفر بالموجات المليمترية التي طورها «مركز علوم البلازما والاندماج» (Plasma Science and Fusion Center – PSFC) التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). وتعتمد هذه التقنية على استخدام طاقة الموجات الدقيقة لتبخير الصخور مباشرة، وهي مقاربة أثبتت قدرتها على تحقيق سرعات حفر تفوق الطرق التقليدية بعدة مرات، لا سيما في المنشآت العميقة التي تعمل ضمن ظروف حرارية قاسية للغاية. [16]

وإدراكاً للأثر البالغ الذي يمكن أن تحدثه الطفرات المستقبلية في تقنيات الحفر على إمدادات الطاقة العالمية، يعمل «مركز علوم البلازما والاندماج» حالياً على تطوير منشأة جديدة قادرة على اختبار عينات صخرية أكبر بنحو 500 مرة من تلك التي يمكن اختبارها حالياً. ومن خلال هذا التوسع الهائل في قدرات الاختبار، سيتمكن الباحثون من دراسة سلوك الصخور على نطاقات أكبر وأكثر واقعية، مع تحليل عوامل رئيسية مثل النفاذية والمسامية واستقرار الآبار. كما سيخصص المختبر الجديد لدراسة مجموعة من التقنيات الواعدة، بما في ذلك الموجّهات الموجية عالية المتانة (وهي أنابيب معدنية تنقل الطاقة المتولدة بواسطة الجايروترون (Gyrotron) لإذابة الصخور البلورية شديدة الصلابة)، وتقنيات الإرسال اللاسلكي عالي القدرة بالترددات الراديوية، إضافة إلى الجيل الجديد من المغناطيسات المتقدمة.

ويعمل الباحثون كذلك على تطوير نوع جديد من المستشعرات القادرة على قياس الشقوق المجهرية داخل الصخور الواقعة تحت ضغوط مرتفعة، إلى جانب تطوير سبائك معدنية متقدمة أقل تكلفة بكثير من التيتانيوم الباهظ الثمن، بهدف التعامل مع السوائل فائقة السخونة. كما يجري تطوير طلاءات خاصة لحماية الأنابيب من تأثيرات الموائع الحرارية الجوفية المسببة للتآكل.

ويكتسب هذا الحراك التقني المتواصل أهمية استثنائية في وقت تسعى فيه الطاقة الحرارية الجوفية إلى ترسيخ مكانتها ضمن منظومة الطاقة العالمية، رغم العقبات التي لا تزال تواجه مسيرة توسعها.

طريق محفوف بالتحديات: ما العقبات التي تواجه الطاقة الحرارية الجوفية؟

سواء اعتمدت المشروعات على الأنظمة التقليدية أو الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة أو الأنظمة ذات الحلقة المغلقة، فإن أي نشاط يؤدي إلى تعريض الطبقات الجوفية لإجهادات إضافية قد يتسبب في حدوث نشاط زلزالي وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، وهي أحداث كفيلة بأن تثير معارضة مجتمعية محلية وتهدد مستقبل مشاريع الطاقة الحرارية الجوفية برمتها [17] . وقد تسببت الهزات الزلزلية بالفعل في تعليق بعض المشروعات، وكان آخرها في مدينة بوهانغ الكورية الجنوبية عقب زلزال بلغت قوته 5.4 درجات عام 2017.

وتتسارع البحوث العلمية حالياً لمواجهة هذه المخاطر، متمخضة عن رؤى من شأنها تعزيز مستويات السلامة؛ حيث أظهرت إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أن ضخ السوائل في الفوالق والصدوع القائمة ذات النفاذية المنخفضة يمكن أن يحفز نشاطاً زلزالياً أكبر من إحداث شبكات تصدع جديدة تماماً، وهي نتيجة تحمل أهمية كبيرة عند اختيار مواقع المشروعات المستقبلية. وفي الوقت نفسه، تتيح تقنيات الرصد الزلزالي الدقيق إدارة عمليات تنشيط الخزانات الجوفية وفق تسلسل مدروس يحد من تراكم الهزات الأرضية.

ولا تزال مدة الحفر وتكاليفه تشكلان أحد أبرز العوائق أمام توسع الطاقة الحرارية الجوفية. فبسبب التعقيد التقني المرتبط بالحفر في أعماق الأرض، تستغرق المشروعات الحرارية الجوفية وقتاً أطول للوصول إلى مرحلة التشغيل التجاري مقارنة بمشروعات النفط والغاز، كما تتطلب استثمارات أولية أعلى.

فما العمل إذن؟ يسعى القطاع إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة في صناعة الوقود الأحفوري لخفض تكاليف الحفر الحراري الجوفي، سواء من خلال زيادة معدلات الاختراق والحفر، أو تحسين متانة رؤوس الحفر، أو تطوير سلاسل الإمداد للحد من فترات التوقف. وفي أنظمة الصخور فائقة السخونة، تتعرض المعدات لظروف تشغيل قاسية للغاية تجعل الأعطال المتكررة مشكلة مزمنة. ويمكن للمشغلين حماية المعدات من درجات الحرارة المرتفعة باستخدام رؤوس حفر مصنوعة من الألماس متعدد البلورات، أو عبر ضخ سوائل تبريد أثناء عمليات الحفر، أو تركيب أنظمة تبريد خاصة لطين الحفر. كما يجري اختبار نفاثات مائية عالية الضغط قادرة على تسريع عمليات الحفر من خلال تشكيل الصخور بطرق محددة تسمح بتفتيتها بسرعة أكبر بواسطة مطارق تعمل بالسوائل.

كما أن التدفق المستمر للسوائل والبخار داخل المنظومة يفرض تحديات ميكانيكية بطبيعته، إذ تتسبب المكونات الحمضية في تآكل الأسطح والمعدات مع مرور الوقت. واستجابة لذلك، تتواصل الأبحاث لتطوير معدات مقاومة للحرارة في قاع الآبار. وقد بدأت أدوات وأجهزة أخذ العينات المصممة خصيصاً لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والبيئات شديدة التآكل بالظهور في الأسواق، إلى جانب ألياف بصرية عالية المتانة تتيح إجراء قياسات دقيقة. كما يجري تطوير برامج متقدمة لرسم خرائط إمكانات الخزانات الحرارية الجوفية من خلال اختبارات التدفق واختبارات تغيرات الضغط العابرة.

ويشكل عامل الوقت تحدياً إضافياً، إذ غالباً ما تستغرق مشروعات الطاقة الحرارية الجوفية عقداً كاملاً أو أكثر لاستكمال إجراءات التراخيص والموافقات التنظيمية. ومن الطبيعي أن يتردد المستثمرون في ضخ أموالهم في مشروعات تتطلب هذه المدة الطويلة قبل تحقيق العوائد المرجوة. ولذلك، يقود أقطاب هذه الصناعة حملات موسعة لتخفيف الأعباء الإدارية، عبر دمج الإجراءات المطلوبة واستحداث مسارات ترخيص مخصصة للطاقة الحرارية الجوفية منفصلة عن الإجراءات التقليدية المعتمدة لمشروعات التعدين واستخراج المعادن. ولا شك أن العالم بحاجة إلى جهود تشريعية أكبر في هذا المجال؛ إذ لا يتجاوز عدد الدول التي تمتلك سياسات وتشريعات واضحة تنظم قطاع الطاقة الحرارية الجوفية 30 دولة فقط، مقارنة بأكثر من 100 دولة وضعت سياسات وأطر تنظيمية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح. [18]

ومن شأن إيجاد حلول لهذه القيود التقنية واللوجستية أن يمهد الطريق أمام تحول الطاقة الحرارية الجوفية إلى أحد المكونات الرئيسية في مزيج الطاقة العالمي خلال العقود المقبلة.

هل يمكن للطاقة الحرارية الجوفية أن تصبح منافساً حقيقياً لمصادر الطاقة المتجددة؟

إن توحيد الأطر التنظيمية ووضع مسارات أكثر وضوحاً للعوائد الاستثمارية سيسهمان في منح المستثمرين الثقة اللازمة لدعم مشروعات الطاقة الحرارية الجوفية على نطاق واسع. ومع تطور وفورات الحجم ونضوج التنافسية السعرية، يُتوقع أن تنخفض تكاليف الطاقة الحرارية الجوفية بصورة حادة، وربما تصل نسبة الانخفاض إلى 80% خلال العقد المقبل. ومن شأن ذلك أن يجعل تكلفة إنتاجها لكل وحدة طاقة أكثر تقارباً مع مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية. [19]

ومن الناحية الحسابية، تبدو الإمكانات الكامنة للطاقة الحرارية الجوفية هائلة بكل المقاييس؛ إذ يُقدَّر حجم إنتاجها السنوي المحتمل بنحو 4,000 بيتاواط ساعة (PWh)، أي ما يعادل نحو 150 ضعف الاستهلاك العالمي الحالي للطاقة سنوياً. وحتى استغلال جزء بسيط من هذه الإمكانات يمكن أن يوفر طاقة أرخص وأكثر نظافة للمجتمعات حول العالم، فضلاً عن تجنب انبعاث ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أنه في حال استغلال الموارد الحرارية الجوفية بصورة كاملة حتى أعماق تصل إلى 8 كيلومترات، فإنها قد تنتج خلال فترة تمتد 20 عاماً ما يقارب 600 تيراواط من الطاقة، وهو ما يفوق إنتاج طاقة الرياح البرية والبحرية مجتمعتين.  [20]

وفي ضوء هذه المعطيات، تتضح الأسباب التي تدفع إلى النظر بشكل متزايد إلى الطاقة الحرارية الجوفية باعتبارها أحد أكثر موارد الطاقة الواعدة على المدى الطويل. فكلما توسعت الطفرات التقنية وواصلت المشروعات الضخمة جذب الاهتمام العالمي، ستزداد الثقة تدريجياً في قطاع طالما تأثرت جاذبيته الاستثمارية بطول أمد التطوير وارتفاع مستويات المخاطر المرتبطة به.

ورغم التحديات التي لا تزال ماثلة بلا شك، فإن الطاقة الحرارية الجوفية تمتلك، في تقديري، المقومات التي تؤهلها للاضطلاع بدور مفصلي في منظومة الطاقة العالمية، ولا سيما في الأسواق الناشئة. فمن خلال تسخير الحرارة الطبيعية المختزنة في أعماق الأرض، يمكن لهذا المصدر الواعد أن يسهم في إزالة الكربون من مزيج الطاقة العالمي، وأن يدعم مسيرة التحول نحو مستقبل أكثر استدامة لكوكبنا.

الطاقة الحرارية الجوفية: خمس حقائق سريعة

س: هل يُبدي المستثمرون ثقة بمستقبل الطاقة الحرارية الجوفية؟

ج: نعم. فقد بلغ حجم التمويل الموجه إلى تقنيات الطاقة الحرارية الجوفية المتقدمة 2.2 مليار دولار أمريكي على مستوى العالم خلال عام 2025، بزيادة بلغت 80% مقارنة بالمستويات المسجلة منذ عام 2018.

س: ما حجم مساهمة الطاقة الحرارية الجوفية حالياً في مزيج الطاقة العالمي؟

ج: تمثل الطاقة الحرارية الجوفية في الوقت الراهن نحو 1% فقط من إجمالي إنتاج الكهرباء العالمي، إلا أن هذه النسبة قد ترتفع إلى 15% بحلول عام 2050.

س: ما هي الدول التي تُعد نماذج رائدة في قطاع الطاقة الحرارية الجوفية؟

ج: تُعد كينيا وآيسلندا من أبرز الدول الرائدة في هذا المجال. ففي كينيا، تلبي الطاقة الحرارية الجوفية أكثر من 40% من احتياجات البلاد من الكهرباء، بينما تسهم في آيسلندا بنحو 30% من إنتاج الكهرباء و90% من احتياجات التدفئة.

س: كيف يمكن أن يسهم الوصول إلى الصخور فائقة السخونة في تسريع انتشار الطاقة الحرارية الجوفية؟

ج: قد تتيح الطفرات التقنية الجديدة، ولا سيما في مجال الأنظمة الحرارية الجوفية المعززة، الوصول إلى مناطق جوفية تتجاوز درجات حرارتها 375 درجة مئوية، وهو ما من شأنه إحداث قفزة كبيرة في كميات الطاقة التي يمكن إنتاجها.

س: هل من المتوقع أن تصبح الطاقة الحرارية الجوفية أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية مع مرور الوقت؟

ج: نعم. فمن المتوقع أن تنخفض تكاليف توليد الطاقة الحرارية الجوفية بما يصل إلى 80% خلال السنوات العشر المقبلة بفضل وفورات الحجم والتقدم التكنولوجي، الأمر الذي سيعزز قدرتها على منافسة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، وفي مقدمتها طاقة الرياح والطاقة الشمسية.