في ظلّ اتساع أثر النشاط البشري على كوكب الأرض، تتفاقم تحديات بيئية وتنموية متداخلة، في مقدمتها الارتفاع المستمر في كميات النفايات المنزلية والصناعية، والنقص المتنامي في مصادر الطاقة النظيفة اللازمة لتلبية احتياجاتنا اليومية. ويبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن هذين التحديين قد يلتقيان في حلّ واحد يتمثل في تحويل النفايات إلى طاقة عبر إعادة معالجتها والاستفادة منها.

فالتعداد السكاني العالمي يشهد نمواً متسارعاً، مسجلاً زيادة قدرها 0.8% خلال عام 2025 ليبلغ 8.25 مليار نسمة. ومن الطبيعي أن يترافق هذا النمو السكاني [1] مع زيادة موازية في كميات النفايات التي ننتجها، وكذلك في حجم الطاقة التي نستهلكها على مستوى العالم.

وقبل عشرة أعوام فقط، كان العالم ينتج نحو 2 مليار طن سنوياً من النفايات المنزلية والزراعية والصناعية. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 2.5 مليار طن بحلول عام 2030، بزيادة تتجاوز الربع. وينتهي المطاف بجزء كبير من هذه النفايات في المكبات، حيث لا تقتصر آثارها على تلويث التربة وتسرب الملوثات إلى المياه الجوفية، بل تسهم أيضاً في انبعاث غازات دفيئة شديدة التأثير، وفي مقدمتها غاز الميثان. والأكثر إثارة للقلق أن هذا الاتجاه لا يُظهر أي مؤشرات على التراجع، إذ يُتوقع أن يقترب إجمالي النفايات العالمية من 3.5 مليار طن سنوياً بحلول منتصف القرن. [2]

وفي المقابل، أصبحت الحياة الحديثة أكثر اعتماداً على الطاقة من أي وقت مضى. ففي مطلع القرن الحالي، بلغ الاستهلاك العالمي للطاقة نحو 13,000 تيراواط/ساعة سنوياً، قبل أن يتضاعف خلال السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 27,000 تيراواط/ساعة. وتشير التوقعات إلى أن هذا الطلب سيواصل ارتفاعه ليبلغ نحو 47,000 تيراواط/ساعة بحلول عام 2050، مدفوعاً بالنمو المتسارع في أعداد المباني والمصانع، والتوسع في استخدام أنظمة تكييف الهواء، والانتشار المتزايد لمراكز البيانات، والمركبات الكهربائية. [3]

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن لتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة أن تسهم في تخفيف الضغوط الناجمة عن هذين التحديين المتزامنين؟

كيف تعمل تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة؟

تضم تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة مجموعة متنوعة من الحلول التي تعتمد على المعالجة الحرارية للنفايات، بهدف إنتاج الكهرباء أو الوقود أو الحرارة من مواد كان من الممكن أن تُترك لتتحلل في البيئة. ومن أبرز هذه التقنيات: [4]

  • الحرق المباشر (Combustion): تُحرق النفايات – مثل الورق والبلاستيك والمنسوجات – مباشرة لإنتاج الحرارة، وتبلغ كفاءة تحويل الطاقة في هذه العملية ما بين 15% و27%.
  • التغويز (Gasification): وتعتمد على تعريض النفايات الشائعة، مثل مواد التغليف، ومخلفات الحدائق، والأثاث، والأجهزة المنزلية، لدرجات حرارة مرتفعة في وجود الأكسجين أو البخار، فتتحول إلى غاز تخليقي (Syngas)، يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء أو إنتاج وقود لمختلف وسائل النقل، بكفاءة صافية تتراوح بين 40% و50%.
  • التحلل الحراري (Pyrolysis): تعتمد هذه التقنية على تسخين النفايات العضوية لتفكيك المركبات العضوية المعقدة وتحويلها إلى زيت حيوي، أو فحم حيوي، أو غاز تخليقي، مع استعادة ما بين 60% و85% من الطاقة الكامنة في النفايات.
  • الهضم اللاهوائي (Anaerobic Digestion): تعتمد هذه التقنية على تحليل مخلفات الأغذية والمنتجات الحيوانية داخل خزانات محكمة الإغلاق وخالية من الأكسجين، لإنتاج الغاز الحيوي (Biogas) أو الأسمدة العضوية. وتشير التقديرات إلى أن معالجة 5.5 مليون طن فقط من مخلفات الأغذية يمكن أن تولد ما يكفي من الطاقة لتلبية احتياجات نحو 164,000 منزل متوسط الاستهلاك من الكهرباء لمدة عام كامل.

والأهم أن تحويل النفايات إلى طاقة ليس مجرد حلٍ لمعالجة المخلفات، بل يمثل فرصة واعدة لإعادة توظيف الموارد وإنتاج الطاقة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن إعادة معالجة نحو 85 كيلوغراماً من كل 100 كيلوغرام من النفايات الصلبة، وهو ما يتيح توليد كميات كبيرة من الكهرباء النظيفة، وفي الوقت نفسه يحد من تراكم النفايات ويقلل من آثارها البيئية. [5]

كيف تسهم المعالجة الحرارية للنفايات في تلبية متطلبات الحياة الحديثة؟

تُعدّ المعالجة الحرارية، القائمة على استخلاص الطاقة من النفايات الصلبة، تقنيةً متعددة المراحل تمتاز بقدرتها على إنتاج كميات كبيرة من الطاقة، إلى جانب تحقيق عوائد اقتصادية مجزية.

وتبدأ العملية بفرز النفايات لإزالة المواد القابلة لإعادة التدوير أو تلك التي تشكل خطراً على السلامة أو البيئة. وبعد ذلك، تُعالج الكمية المتبقية باستخدام درجات حرارة مرتفعة تختلف باختلاف التقنية المستخدمة، وتشمل:

  • الحرق المباشر (Direct Combustion): تُحرق النفايات عند درجات حرارة تصل إلى 1,100 درجة مئوية لإنتاج البخار الذي يُستخدم في تشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء.
  • التغويز (Gasification): تُسخَّن النفايات عند نحو 800 درجة مئوية في بيئة منخفضة الأكسجين، لإنتاج غاز غني بالهيدروجين وأول أكسيد الكربون يمكن استخدامه كمصدر للطاقة.
  • التحلل الحراري (Pyrolysis): تُعالج النفايات عند درجات حرارة تتراوح بين 450 و800 درجة مئوية في بيئة خالية من الأكسجين، لتتحول إلى زيت حيوي أو غاز أو فحم حيوي.

وبصرف النظر عن التقنية المستخدمة، يمكن جمع المخلفات المتبقية، مثل الرماد، وإعادة توظيفها في تطبيقات متعددة، منها إنتاج الأسمدة، وأصباغ المنسوجات، أو استخدامها مادةً أولية في قطاع البناء.

كما تسهم أنظمة التحكم في الانبعاثات في الحد من الملوثات الناتجة عن عمليات المعالجة أو معالجتها قبل إطلاقها إلى البيئة. وتشهد تقنيات الترشيح الحديثة تطوراً متسارعاً يتيح إزالة كلوريد الهيدروجين، الذي يُعد أحد المسببات الرئيسة للأمطار الحمضية، وأكاسيد الكبريت الضارة بالجهاز التنفسي، إضافة إلى الجسيمات الدقيقة والديوكسينات. وتشمل هذه المنظومة المتطورة تقنيات مثل غرف التبريد السريع (Quenching Chambers)، والمرذِّذات الدوّارة (Rotary Atomizers)، والمفاعلات الحفازة (Catalytic Reactors)، بما يسهم في تقليل الانبعاثات إلى أدنى مستوى ممكن، مع تعظيم الاستفادة من الطاقة الكامنة في النفايات. [6]

ما مدى سرعة نمو قطاع تحويل النفايات إلى طاقة؟

في الوقت الراهن، لا يخضع سوى نحو 11% من إجمالي النفايات المنتجة عالمياً لإعادة المعالجة الحرارية. كما يُعاد تدوير أو تحويل 19% أخرى إلى سماد عضوي، بينما يكون مصير النسبة المتبقية أقل جدوى بكثير. ويُطمر نحو 37% من النفايات في مكبات النفايات، في حين يُتخلص من 33% منها في مواقع مفتوحة، ما يعني أن 70% من نفايات العالم تُترك لتتراكم وتتحلل، مهدرةً معها فرصة ثمينة لتوليد الطاقة. [7]

ومع هذا الحجم الهائل من النفايات غير المستغلة، والتطورات التقنية المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع، تبدو آفاق نمو صناعة تحويل النفايات إلى طاقة واعدةً للغاية. فقد بلغت قيمة السوق العالمية لهذه الصناعة 37.29 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 38.88 مليار دولار خلال عام 2026، قبل أن تصل إلى 51.68 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.62%. [8]

تستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ على ما يقرب من نصف سوق تحويل النفايات إلى طاقة عالمياً في عام 2025.

وتتركز أنشطة هذا القطاع حالياً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي استحوذت على ما يقارب نصف سوق تحويل النفايات إلى طاقة عالمياً (48.24%) في عام 2025. ويعود هذا التفوق إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها تسارع وتيرة التحضر، وزيادة الاستثمارات الصناعية، فضلاً عن السياسات الداعمة التي تتبناها اقتصادات كبرى مثل الصين والهند واليابان.

وتستند الجدوى الاقتصادية المتزايدة لمشروعات تحويل النفايات إلى طاقة إلى عدد من الآليات الرئيسة، أبرزها:

  • الفرز الآلي: أتاحت التطورات في تقنيات أجهزة الاستشعار والروبوتات تحديد أنواع النفايات وفرزها بدقة غير مسبوقة.
  • نماذج التمويل الجديدة: أصبحت منظومات معالجة النفايات تعتمد بصورة متزايدة على الشراكات بين القطاعين العام والخاص، التي تستفيد من الدعم التشريعي للحكومات والقدرات التمويلية والاستثمارية للقطاع الخاص.
  • الدعم التشريعي: تشترك الدول الرائدة في تحويل النفايات إلى طاقة في عامل أساسي واحد، يتمثل في وجود بيئة تشريعية داعمة. ففي الدنمارك، على سبيل المثال، جرى رفع الضرائب على طمر النفايات تدريجياً، وإسناد مسؤولية معالجة النفايات إلى السلطات البلدية، وربط محطات معالجة النفايات بأنظمة التدفئة المركزية. أما اليابان، فقد أدرجت قواعد صارمة لإدارة النفايات ضمن سياساتها للحد من الانبعاثات، في حين وضعت الصين أهدافاً وطنية وإقليمية طموحة لإدارة النفايات، مدعومة باستثمارات حكومية كبيرة في البنية التحتية. وفي المقابل، تستند الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن مكبات النفايات (EU Landfill Directive)، ومعايير حرق النفايات، والتشريعات الداعمة للطاقة المتجددة.
  • التحول الرقمي: أصبحت محطات تحويل النفايات إلى طاقة أكثر كفاءة بفضل تطبيق التقنيات الذكية، مثل أنظمة المراقبة والتحكم وجمع البيانات (SCADA)، التي تتيح المراقبة المستمرة للأداء على مدار الساعة، والكشف الفوري عن الأعطال وتحسين كفاءة التشغيل.
  • مبادئ الاقتصاد الدائري: تتبنى أعداد متزايدة من الحكومات استراتيجيات تستهدف الحد من إنتاج النفايات، وإعادة تدوير المواد، واستعادة الموارد الطبيعية، مع تسهيل الإجراءات التنظيمية اللازمة لإطلاق مشروعات طموحة لتحويل النفايات إلى طاقة.

ومع اكتساب هذا القطاع زخماً متزايداً، تُثبت مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة، التي يجري تنفيذها باستثمارات ضخمة في مختلف أنحاء العالم، أن هذه التقنية الناشئة تمتلك مقومات الاستدامة البيئية والاقتصادية على حد سواء.

ما أبرز مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة في العالم؟

برزت السويد بوصفها واحدة من أبرز الدول الرائدة عالمياً في مجال الابتكار في تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة. وتحتضن البلاد أكثر من 30 محطة متخصصة في هذا المجال، توفر مجتمعة التدفئة لنحو 1.5 مليون منزل، والكهرباء لنحو 780,000 أسرة [9]، بإجمالي إنتاج سنوي يقارب 17 تيراواط/ساعة من الطاقة. [10]

وبفضل عقود من تطبيق السياسات الداعمة وحملات التوعية المجتمعية، نجحت السويد في تقليص النفايات التي تُرسل إلى مكبات الطمر إلى أقل من 1% فقط. [11] وفي المقابل، يُحوَّل نحو 52% منها إلى طاقة عبر الحرق، لتزويد المنازل والمكاتب ومرافق البنية التحتية العامة بالطاقة. وقد بلغت كفاءة منظومة إدارة النفايات في البلاد مستوى جعلها تستورد سنوياً نحو 1.3 مليون طن إضافية من النفايات من دول مثل النرويج والمملكة المتحدة وأيرلندا لإعادة معالجتها وتحويلها إلى طاقة.

تحتضن السويد أكثر من 30 محطة لتحويل النفايات إلى طاقة، توفر مجتمعة التدفئة لنحو 1.5 مليون منزل والكهرباء لنحو 780,000 أسرة.

ومن أبرز هذه المشروعات محطة مالارينيرغي (Mälarenergi) لتحويل النفايات إلى طاقة، العاملة بنظام التوليد المشترك للكهرباء والحرارة في مدينة فيستيروس، وتضم أحد أكبر المراجل العاملة بالنفايات في العالم، حيث تعالج سنوياً نحو 480 ألف طن من النفايات المنزلية والصناعية والأخشاب المعاد تدويرها لتحويلها إلى طاقة. [12]

ومن أبرز هذه المشروعات محطة مالارينيرغي (Mälarenergi) لتحويل النفايات إلى طاقة، العاملة بنظام التوليد المشترك للكهرباء والحرارة في مدينة فيستيروس، وتضم أحد أكبر المراجل العاملة بالنفايات في العالم، حيث تعالج سنوياً نحو 480 ألف طن من النفايات المنزلية والصناعية والأخشاب المعاد تدويرها لتحويلها إلى طاقة. [12]

كما تعالج منشأة رينوفا (Renova) في مدينة غوتنبرغ نحو 550,000 طن من النفايات سنوياً، وتوفر ما يقرب من ثلث احتياجات المدينة من التدفئة المركزية، إضافة إلى نحو 5% من احتياجاتها الكهربائية[13]. أما في ستوكهولم، فتدير شركة إكسيرجي (Exergi) إحدى أكثر محطات الطاقة والحرارة المشتركة تطوراً في أوروبا، والتي تزود الأجزاء الجنوبية من العاصمة بالطاقة.

ولا يقتصر التوسع في مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة على السويد، بل يشهد زخماً متنامياً في مختلف الدول الإسكندنافية. ففي العاصمة النرويجية أوسلو، تعالج محطة كليميتسرود (Klemetsrud) نحو 310,000 طن من النفايات سنوياً، وتولد 114 ميجاواط من الطاقة، مع اعتماد أحدث تقنيات احتجاز الكربون للحد من الانبعاثات. وفي الدنمارك، تُعد محطة أماجر باكه (Amager Bakke) في كوبنهاغن، التي بلغت تكلفة إنشائها 670 مليون دولار أمريكي، واحدة من أنظف محطات حرق النفايات في العالم، إذ تعالج نحو 400,000 طن من النفايات سنوياً، بينما تسهم تقنيات الترشيح المتقدمة فيها في خفض انبعاثات أكاسيد النيتروجين (NOx) بنسبة 95%، والقضاء تقريباً على انبعاثات الكبريت. [14]

ورغم ريادة دول الشمال الأوروبي، فإن مركز الثقل في مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة بات يتجه بصورة متزايدة نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تحتضن عدداً من أكبر وأحدث المشروعات العالمية، من أبرزها:

  • مركز دبي لمعالجة النفايات: يُعد أكبر محطة لتحويل النفايات إلى طاقة في العالم. وقد أُنشئ باستثمارات بلغت 1.1 مليار دولار أمريكي، وتتولى تشغيله شركة ورسان لإدارة النفايات. وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 1.9 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل 45% من إجمالي نفايات إمارة دبي، مع قدرة على توليد 200 ميجاواط من الكهرباء تكفي لتزويد نحو 120,000 منزل بالطاقة. [15]
  • محطة شنتشن إنرجي رينغ (Shenzhen Energy Ring): تقع في مقاطعة غوانغدونغ جنوب شرقي الصين، وتنتج نحو 1.2 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً لصالح شبكة المدينة، من خلال معالجة 5,000 طن من النفايات يومياً. [16]
  • محطة شين-كوتو لحرق النفايات (Shin-Koto Incineration Plant): تُعد أكبر محطة لحرق النفايات في اليابان، وتقع في منطقة كوتو (Koto-ku) بطوكيو، حيث تعالج يومياً نفايات نحو 2.2 مليون نسمة، وتولد ما يصل إلى 50,000 كيلوواط من الطاقة.
  • محطة تواس ون لتحويل النفايات إلى طاقة (TuasOne Waste-to-Energy Plant): دخلت هذه المنشأة الواقعة في سنغافورة الخدمة في عام 2021، وتعالج يومياً نحو 3,600 طن من النفايات، مولدةً 120 ميجاواط من الكهرباء، تكفي لتزويد نحو 240,000 وحدة سكنية ضمن مشروعات الإسكان العام بالطاقة.

هل يشهد قطاع تحويل النفايات إلى طاقة طفرة في حجم مشروعاته؟

تشير المؤشرات إلى أن مستقبل قطاع تحويل النفايات إلى طاقة يحمل آفاقاً أكثر طموحاً، مع تزايد أعداد المشروعات واتساع نطاقها بصورة متسارعة.

ويُعد مجمّع تواس نيكسس المتكامل لإدارة النفايات (Tuas Nexus Integrated Waste Management Facility) في سنغافورة مثالاً بارزاً على هذا التوجه، إذ يبني على النجاح الذي حققته محطة تواس ون (TuasOne). ويُوصف المشروع بأنه أول مجمع متكامل واسع النطاق في العالم يجمع بين إدارة المياه والطاقة والنفايات، ويجري تنفيذه حالياً على مراحل متتالية. [17]  وعند اكتماله، سيكون المجمع قادراً على معالجة نحو 5,800 طن من النفايات يومياً، ليسهم في تحقيق هدف سنغافورة المتمثل في رفع معدل إعادة التدوير إلى 70% بحلول عام 2030. [18]

«تمثل هذه المنشأة المتكاملة محطةً مهمة في مسيرتنا كونها تقربنا خطوة إضافية من تحقيق رؤيتنا في أن نصبح دولة خالية من النفايات.»

تان مينغ دوي، الرئيس التنفيذي للهيئة الوطنية للبيئة في سنغافورة

ويقع مجمع تواس نيكسس بجوار محطة تواس لاستصلاح المياه (Tuas Water Reclamation Plant)، ويستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من الطاقة والموارد عبر تكامل عمليات استرداد الموارد واستعادة الطاقة. وتتوقع الهيئة الوطنية للبيئة في سنغافورة (NEA) أن يسهم المشروع في خفض أكثر من 200,000 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وفي هذا الصدد، يقول تان مينغ دوي، الرئيس التنفيذي للهيئة: «تمهد هذه المنشأة المتكاملة الطريق نحو نهج أكثر دائرية في إدارة الموارد، وتقربنا خطوة إضافية من تحقيق رؤيتنا في أن نصبح دولة خالية من النفايات.» [19]

وفي العاصمة القرغيزية بيشكيك، يتجه أول مشروع لتحويل النفايات إلى طاقة في آسيا الوسطى إلى مضاعفة قدرته التشغيلية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، رغم أنه لم يبدأ العمل إلا في نوفمبر 2025. ويقع المشروع داخل المكب الرئيس للنفايات في المدينة، وقد بلغت تكلفة إنشائه 95 مليون دولار أمريكي، ويضم وحدة توليد كهرباء بتوربين تبلغ قدرتها 30 ميجاواط، بما يسهم في خفض نحو 100,000 طن من انبعاثات الكربون سنوياً. [20]

وتبلغ الطاقة الحالية للمحطة نحو 365,000 طن من النفايات سنوياً، إلا أن خطط التوسع الجارية سترفع قدرتها إلى أكثر من مليون طن سنوياً.

بحسب أبحاث برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يمكن لنموذج متكامل للاقتصاد الدائري، تتصدر فيه إدارة النفايات أولويات المنظومة، أن يدر عوائد اقتصادية صافية تقدّر بنحو 108.5 مليار دولار أمريكي سنوياً.

ومع تزايد انتشار مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة في مختلف أنحاء العالم، يتوقع أن يؤدي هذا القطاع دوراً محورياً في دعم استدامة الاقتصاد العالمي. وتشير أبحاث برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن اعتماد نموذج متكامل للاقتصاد الدائري، تتصدر فيه إدارة النفايات أولويات المنظومة، يمكن أن يدر عوائد اقتصادية صافية تقدّر بنحو 108.5 مليار دولار أمريكي سنوياً.

ومن المرجح أن تتسارع هذه المكاسب مع استمرار تطور التقنيات الحديثة، التي تعزز الجدوى الاقتصادية لمشروعات تحويل النفايات إلى طاقة، وتدعم توسعها على نطاق عالمي، بما يجعلها إحدى الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة والاقتصاد الدائري في المستقبل.

دراسة حالة: مومباي، الهند

ومن المشروعات الطموحة الأخرى، التي لا تزال في طور التخطيط، منشأة «نافي مومباي» المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة، والواقعة بالقرب من مدينة مومباي في الهند.

ومن المقرر إنجاز المرحلة الأولى من المشروع، الذي تبلغ قيمته 210 ملايين دولار أمريكي، بحلول عام 2029، بطاقة معالجة تصل إلى 1,500 طن من النفايات يومياً. وعند اكتمال تشغيله، يُتوقع أن تنتج المنشأة نحو 27 ميجاواط من الطاقة، إلى جانب خفض تكلفة التخلص من النفايات من نحو 500 روبية هندية للطن حالياً إلى 385 روبية للطن.

هل تسهم التكنولوجيا في تسريع نمو قطاع تحويل النفايات إلى طاقة؟

تسهم التطورات التقنية المتواصلة في قطاع تحويل النفايات إلى طاقة في رفع كفاءة التشغيل، وتحسين الأداء البيئي، وتعزيز العوائد الاقتصادية للمستثمرين. [22]  ومن أبرز الابتكارات التي تقود هذا التحول:

  • تقنيات الحرق المتقدمة: يتيح الحرق بالطبقة المميعة (Fluidized Bed Combustion)، الذي يعتمد على حرق النفايات المفرومة داخل وسط خامل مثل الرمال، مرونة أكبر في استخدام أنواع متعددة من الوقود، حيث يمكنه معالجة النفايات الصلبة، وحمأة الصرف الصحي، والكتلة الحيوية الصناعية. وفي المقابل، تحقق تقنية الحرق على الشبكات المتحركة (Grate Combustion)، التي تعتمد على احتراق النفايات فوق شبكات مهواة مع تدفق مستمر للهواء، معدلات أعلى في إنتاج الطاقة، مع خفض انبعاثات الملوثات الضارة.
  • جيل جديد من التوربينات والمراجل: تسهم دورات البخار عالية الكفاءة، إلى جانب التصاميم المطورة للتوربينات، في رفع معدلات تحويل الطاقة وتحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
  • تقنيات متقدمة للحد من الانبعاثات: بات من الممكن إزالة الجسيمات والملوثات الضارة، مثل أكاسيد النيتروجين (NOx)، بكفاءة أكبر بفضل مجموعة متطورة من تقنيات التحكم في الانبعاثات، تشمل المرسبات الكهروستاتيكية (Electrostatic Precipitators)، والمرشحات القماشية (Fabric Filters)، وأنظمة الاختزال الحفزي الانتقائي (Selective Catalytic Reduction – SCR).
  • تحسين جودة الوقود: تسهم تنقية النفايات قبل معالجتها في زيادة كفاءة استرداد الطاقة. كما تساعد أجهزة الفصل والفرم المتطورة على تحسين عملية الاحتراق، وتقليل الانبعاثات، ورفع الكفاءة التشغيلية في الوقت نفسه.
  • التكامل مع مصادر الطاقة المتجددة: تتسم الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، رغم أهميتهما في تحقيق الحياد الكربوني وضمان استدامة الطاقة، بتذبذب إنتاجهما تبعاً للظروف الجوية، وهو ما يفرض تحديات أمام دمجهما في شبكات الكهرباء. ويُسهم الجمع بين الكهرباء المنتجة من محطات تحويل النفايات إلى طاقة والكهرباء المولدة من المصادر المتجددة في توفير إمدادات أكثر استقراراً واتساقاً، وأكثر قابلية للتنبؤ.

كيف يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في توسيع نطاق مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة؟

في ظل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة في المراحل الأولى، سيؤدي القطاع الخاص دوراً محورياً في تسريع انتشار مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة حول العالم.

وتُعد ألمار لحلول المياه، التابعة لشركة جميل للطاقة، إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال تطوير البنية التحتية للمياه.

وتملك الشركة حالياً حصة الأغلبية في شركة «إيكوبريال» (Ecoprial) التشيلية، المتخصصة في تحويل النفايات إلى طاقة. وتتولى الشركة معالجة النفايات العضوية والصناعية الناتجة عن قطاع الصناعات الزراعية في المنطقة، كما تقدم حلولاً متكاملة تشمل معالجة النفايات، وتوليد الطاقة المتجددة، واستعادة الموارد.

وتعالج «إيكوبريال» سنوياً نحو 40,000 طن من النفايات العضوية القابلة للتحلل الحيوي، إضافة إلى 10,000 طن من النفايات الصناعية غير الخطرة.

وفي المقابل، تنتج الشركة نحو 40,000 متر مكعب من الأسمدة العضوية المخصصة للأراضي الزراعية، إلى جانب 1.75 مليون متر مكعب من الغاز الحيوي (Biogas)، الذي تبلغ نسبة غاز الميثان فيه 65%.

ويمثل نموذج عمل «إيكوبريال» مثالاً يُحتذى به لمشروعات تحويل النفايات إلى طاقة على المستوى الدولي، في وقت تتزايد فيه أعداد المدن التي تتبنى حلولاً قائمة على إعادة توظيف النفايات والاستفادة منها بوصفها مورداً اقتصادياً ومصدراً مستداماً للطاقة.

Aerial view of the ALMAR Ecoprial facility near Osorno, Los Lagos, Chile. Photo Credit: © ALMAR Water Solutions.
لقطة جوية لمنشأة «إيكوبريال» التابعة لشركة «ألمار لحلول المياه»، بالقرب من مدينة أوسورنو في منطقة لوس لاغوس في تشيلي. حقوق الصورة محفوظة لشركة «ألمار لحلول المياه».

كيف ستسهم تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة في رسم ملامح مدن المستقبل؟

مع تزايد الوعي العالمي بأهمية الإدارة المستدامة للنفايات، بدأت الإمكانات الكاملة لمنظومات تحويل النفايات إلى طاقة تتكشف بوصفها منظومات متكاملة تجمع بين إدارة النفايات وإنتاج الطاقة ضمن نهج واحد مترابط.

وتخيلوا مدينة ذكية تتكامل فيها جميع عناصر الاقتصاد الدائري، حيث يُعاد تدوير المعادن والمواد الخام، وتُعالج غازات المداخن لحماية الغلاف الجوي، وتُنقّى مياه الصرف الصحي ومياه البحر لتصبح صالحة للاستخدام البشري، وتُحوَّل النفايات العضوية إلى غاز حيوي عبر الهضم اللاهوائي، وتُغذَّى شبكات الكهرباء بالطاقة المولدة من النفايات، فيما تُستخدم الحرارة المتبقية في تدفئة المنازل.

«أصبحت تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة إحدى الركائز الأساسية لرؤية ترمي إلى بناء عالم أكثر استدامة.»

ورغم أن هذا التصوّر بات أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى، فإنه لا يزال يواجه جملة من التحديات، في مقدمتها التصوّرات السلبية لدى بعض أفراد المجتمع تجاه سلامة هذه المنشآت أو تأثيرها على المشهد العمراني، وارتفاع تكاليف الاستثمار الأولية، فضلاً عن المنافسة مع قطاع إعادة التدوير، الذي يتمتع بتاريخ أطول ومستوى أعلى من النضج. كما يثير هذا التوجه مخاوف لدى البعض من أن يؤدي نجاح تقنيات معالجة النفايات إلى ترسيخ أنماط استهلاكية مفرطة، تشجع على الإفراط في الاستهلاك والتخلص السهل من المنتجات.

ويقول فادي جميل، نائب الرئيس ونائب رئيس مجلس إدارة العمليات الدولية في عبد اللطيف جميل:

«أصبحت تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة إحدى الركائز الأساسية لرؤية ترمي إلى بناء عالم أكثر استدامة.»

ويضيف:

«في ظل ما توفره هذه التقنيات من فرص لخلق الوظائف، وتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة، وإحداث تحسينات بيئية واسعة النطاق، فإن عدم استثمار الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها هذه الطاقة المستدامة سيكون في حد ذاته هدراً لا يمكن تبريره.»

تحويل النفايات إلى طاقة: خمس حقائق سريعة

س: كم تبلغ كمية النفايات التي يمكن الاستفادة منها سنوياً؟

ج: تشير التقديرات إلى أن العالم سينتج نحو 2.5 مليار طن من النفايات سنوياً بحلول عام 2030، على أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 3.5 مليار طن سنوياً بحلول منتصف القرن.

س: كيف يُتخلص من النفايات حالياً؟ وهل نهدر إمكاناتها؟

ج: يُدفن حالياً نحو 37% من النفايات في المطامر والمكبات، بينما يُلقى 33% منها في مكبات مفتوحة، ما يعني أن نحو 70% من نفايات العالم تُترك من دون استغلال، رغم ما تنطوي عليه من إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة.

س: ما حجم استهلاك العالم من الطاقة سنوياً؟

ج: يستهلك العالم حالياً نحو 27,000 تيراواط/ساعة من الطاقة سنوياً، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 47,000 تيراواط/ساعة بحلول عام 2050.

س: هل يُعد قطاع تحويل النفايات إلى طاقة مجدياً من الناحية التجارية؟

ج: بلغت القيمة السوقية العالمية لقطاع تحويل النفايات إلى طاقة 37.29 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن تنمو إلى 51.68 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2034.

س: أين تقع أكبر محطة لتحويل النفايات إلى طاقة في العالم؟

ج: يُعد مركز دبي لمعالجة النفايات أكبر محطة في العالم لتحويل النفايات إلى طاقة. وقد أُنشئ باستثمار بلغ 1.1 مليار دولار أمريكي، ويعالج ما يصل إلى 45% من نفايات إمارة دبي، أي نحو 1.9 مليون طن سنوياً، لإنتاج 200 ميجاواط من الكهرباء، تكفي لتزويد نحو 120,000 منزل بالطاقة.

[1] https://datareportal.com/reports/digital-2026-global-population-trends

[2] https://www.eswet.eu/wp-content/uploads/2021/01/ESWET_2050_Vision.pdf

[3] https://about.bnef.com/insights/clean-energy/new-energy-outlook/#row-6a1ea02d29968

[4] https://energysavingtrust.org.uk/generating-energy-waste-how-it-works/

[5] https://spectra.mhi.com/energy-transition/from-trash-to-treasure-waste-to-energy-explained

[6] https://www.mhi.com/business/products-services/energy-environment/waste-treatment-recycling/advanced-flue-gas-treatment

[7] https://www.eswet.eu/wp-content/uploads/2021/01/ESWET_2050_Vision.pdf

[8] https://www.fortunebusinessinsights.com/industry-reports/waste-to-energy-market-100421

[9] https://www.districtenergy.org/blogs/district-energy/2022/08/17/how-sweden-sends-just-1-of-its-trash-to-landfills

[10] https://medium.com/@meshwapanchal08/swedens-waste-to-energy-revolution-how-sweden-turns-its-waste-into-a-useful-resource-c0450bec5c3e

[11] https://frostandsullivaninstitute.org/waste-management-in-sweden-turning-trash-into-treasure/

[12] https://www.valmet.com/insights/articles/energy/the-worlds-biggest-waste-fired-boiler-at-malarenergis-power-plant/

[13] https://smartcitysweden.com/best-practice/111/renova-efficient-waste-recovery/

[14] https://www.theguardian.com/cities/2016/oct/26/incinerator-copenhagen-waste-plant-bjarke-ingels-ski-slope

[15] https://www.ramboll.com/projects/energy/largest-of-its-kind-waste-to-energy-facility-in-dubai

[16] https://www.shl.dk/en/work/shenzen-energy-ring/story

[17] https://www.nea.gov.sg/media/news/news/index/tuas-nexus-singapore-s-first-integrated-water-and-solid-waste-treatment-facility-begins-construction

[18] https://global-recycling.info/archives/9592

[19] https://www.nea.gov.sg/media/news/news/index/tuas-nexus-singapore-s-first-integrated-water-and-solid-waste-treatment-facility-begins-construction

[20] https://timesca.com/bishkek-officially-inaugurates-central-asias-first-waste-to-energy-plant

[21] https://www.unep.org/news-and-stories/press-release/world-must-move-beyond-waste-era-and-turn-rubbish-resource-un-report

[22] https://www.sphericalinsights.com/blogs/global-waste-to-energy-market-green-solutions-for-emerging-markets-statistics