من المفارقات أن نرى في عالم اليوم، والذي تضخمت فيه الثروات بصورة لم نشهدها من قبل، حوالي 1.7 مليار غير قادرين على الحصول على الخدمات المصرفية والتسهيلات التمويلية الأساسية[1]. ويعني ذلك أن ربع سكان العالم تقريباً لا يمكنهم ادخار المال أو الاقتراض بشكل آمن، والأهم من ذلك أنه لا يمكنهم الاستثمار بطريقة تنقذهم من الوقوع ضحايا لبراثن الفقر.

لا شك أن المال ليس مجرد أوراق أو قطع معدنية أو أرقام تظهر على الشاشة. فبالمال تتحقق الحرية … وبه تخلق الفرص … وبه نبلغ الاستقلال.

وتؤكد الأمم المتحدة أنه بدون الخدمات المالية، لن يتمكن الأفراد في العالم النامي من حماية أنفسهم من مصاعب الحياة، ولن يتمكنوا من توفير المال لضمان مستقبل أفضل. ومن منظور أرحب، لن تنعم مجتمعات بأكملها بالإيجابيات المتزايدة التي ينطوي عليها التمكين المالي ويشمل ذلك: النمو الاقتصادي واسع النطاق، والمرونة، وخلق فرص العمل والتنمية.

وعلى النقيض، يسهم الشمول الاقتصادي في إفساح المجال أمام تحقيق التنمية وتوفير ظروف حياتية أفضل للجميع، لاسيما الفقراء، ويكون ذلك من خلال توسيع نطاق الحصول على الأدوات المالية المحفزة[2].

في الوقت نفسه، يعكس الحرمان من الخدمات المالية الأساسية أحد سيناريوهات ضيق الأفق. فلك أن تتخيل أننا نعيش في عالم يعاني أغلب سكانه من الوهن الاقتصادي؛ ويعيشون دوماً كمواطنين من الدرجة الثانية، ولا يمكنهم الإسهام في الاقتصاد العالمي.

ويعتبر هؤلاء ضحايا لنظام نقدي معيب، ولذا فإن تحقيق التمكين لهم يعتبر عملاً أكثر من أخلاقي يجب علينا القيام به. فمن الضروري أن نطلق العنان للإمكانات الاقتصادية غير المستغلة الموجودة على هذا الكوكب، وأن نحفز موجة جديدة من ريادة الأعمال لغرض الاسهام في تعزيز المرونة المالية حول العالم.

إننا نستطيع إنشاء نظام مالي يتمتع بنظرة مستقبلية، ويتطلع لآفاق أبعد، ويهدف إلى تحقيق المصلحة للجميع. لذا، تستلزم الخطوة الأولى في هذه الرحلة أن ننحي جانبا تحدياتنا اليومية – ولو لفترة قصيرة – وأن نفكر في الفرص الضائعة ونركز على معالجة داء عدم المساواة المتوطن في العالم النامي.

الإصلاح المنهجي هو السبيل لتحقيق تحسينات بعيدة المدى

أظهرت الدراسات أن 71٪ فقط من البالغين في البلدان النامية لديهم حسابات بنكية، مقارنة بـ 97٪ في المملكة المتحدة و94٪ في الولايات المتحدة. [3],[4],[5]

حوالي 131 مليون من الشركات متناهية الصغر والصغيرة ومتوسطة الحجم التي تعمل في الأسواق الناشئة تفتقر إلى إمكانية الحصول على تمويل، وهو ما يفرض عليها قيوداً واضحة لاسيما فيما يتعلق بقدرتها على الاستمرار، ناهيك عن النمو والازدهار[6]. علاوة على ذلك، ينطوي الاستبعاد المالي على تأثيرات مجحفة تتعرض لها الفئات الضعيفة مثل النساء والفقراء وأصحاب الحيازات الصغيرة.

وما من شك أن هؤلاء المستبعدين لديهم رغبة في العمل والاستثمار للهروب من براثن الفقر. ولكن بدون التسهيلات المصرفية التي تقدم يومياً، وبدون الحصول على خدمات التأمين بأسعار معقولة، وبدون وجود طرق واضحة المعالم لأسواق الاستثمار، يصبح الإطار المالي ببساطة خارج سياقه الصحيح الذي يفترض أن يخدم النوايا الحسنة ويكافئ العقليات الطموحة.

وبالنسبة لمن حالفهم الحظ ويعيشون في بلدان الاقتصادات الناضجة، يعد الشمول المالي آلية سهلة لسداد الفواتير أو تزويد سيارة العائلة بالوقود، أو تأمين قرض تجاري. أما في الدول النامية، فيعتبر الشمول المالي السبيل لتلبية الاحتياجات الحياتية الأساسية.

فبالنسبة للأفراد، قد يعني الشمول المالي الفرق بين الحصول على الطعام أو الجوع، أو القدرة على شرب الماء النظيف لا الغير صالح للشرب. وعلى مستوى المجتمع المحلي، يمكن لمجموعة أساسية من الأدوات المالية (تلك الأدوات التي تعد من المسلمات في الاقتصادات القوية) أن تحقق حياة أفضل، ويشمل ذلك على سبيل المثال: تطوير المساكن والمستشفيات والمدارس.

ويمكن لمثل هذه الأنواع من الخدمات أن تحقق حياة أفضل للأفراد على المدى الطويل. إذ يمكن لأي فرد حصل على قسط من التعليم ويتمتع بصحة جيدة أن ينطلق لتأسيس شركة أو إطلاق مبادرة شعبية تحدث تغييراً؛ وهي أمور لا يستطيع تحقيقها من يعاني من نقص الغذاء أو تراجع المهارات وينصب تركيزه اليومي في المقام الأول على البقاء على قيد الحياة.

وبذلك أصبح مكان موطنك – حيثما تلقي بك عجلة الحظ – مهماً للغاية. إذ يعيش نصف سكان العالم “غير المتعاملين مع البنوك” في آسيا، و25٪ في إفريقيا، و10٪ في أمريكا اللاتينية.

إن ضمان توافر المنتجات المالية وإمكانية الحصول عليها في هذه المناطق ينطوي على إمكانات ونتائج ثورية. إذ تشير البيانات إلى أنه بالشمول يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 14٪ في الاقتصادات النامية مثل الهند، وبنسبة تصل إلى 30٪ في الأسواق الحدودية (ونعني هنا تلك الأسواق التي تفتقر إلى رأس المال لكنها غنية بالموارد الطبيعية) مثل كينيا.[7]

حقا إنه الفرق بين أن تمضي عالقاً في الماضي أو تصبح لائقاً بالمستقبل – ومن ثم يتصدر الشمول المالي جداول الأعمال العالمية كل عام.

السر لبلوغ مستويات معيشية أفضل

يعتبر الشمول المالي أمراً ضرورياً لما لا يقل عن سبعة من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة – والتي تمثل النموذج المتفق عليه دولياً لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع .[8]

  • مكافحة الفقر
  • القضاء على الجوع
  • الصحة والسلامة
  • جودة التعليم
  • المساواة بين الجنسين
  • العمل اللائق والنمو الاقتصادي
  • صناعة وبنية تحتية وابتكار أفضل

ويعد الشمول المالي جزءاً لا يتجزأ من هذه الأهداف. فالحصول على التمويل – على سبيل المثال – سيساعد المزارعين في الأسواق الناشئة على التحول إلى ميكنة الأعمال الزراعية، وهو ما سيؤدي بدوره إلى القضاء على الجوع. كما سيساعد الشمول المالي الشراكات العامة/ الخاصة الأكثر كفاءة على تطوير وتحسين مرافق الرعاية الصحية وزيادة إنتاجية الفرد. وسيعزز الاتجاه إلى زيادة الإنفاق على التعليم مستويات الابتكار، وبالتالي التوظيف. كما أن الاستقلال المالي للمرأة من شأنه أن يدعم المساواة بين الرجل والمرأة.

وتذهب مجموعة البنك الدولي (WBG) إلى أن الشمول المالي يعد أمراً جد مهم لتحقيق مفهوم “الرخاء المشترك” – والذي يقع ضمن الأهداف المستدامة التي يجدر بنا جميعاً أن ندعمها بحماس.

الرقمنة تهيمن على مستقبل الشمول المالي

تهدف مبادرة الشمول المالي العالمية التي أطلقتها مجموعة البنك الدولي[9] في عام 2020 إلى زيادة عدد البالغين القادرين على ادخار الأموال واستلامها عبر حسابات المعاملات حول العالم – ويعد ذلك متطلباً أساسياً للحصول على الخدمات المالية الأخرى[10]. وتقوم هذه الاستراتيجية على خمس ركائز أساسية وهي:

  • التكنولوجيا المالية: تعزيز الحصول على التمويل الرقمي من خلال مواءمة السياسات الوطنية مع اتجاه الشمول المالي، وتقديم المساعدة التقنية عند الحاجة، ووضع بنية تحتية أفضل للبيانات.
  • الفئات المحرومة: وضع استراتيجيات لتبادل المعرفة وإطلاق فرص التمويل الرقمي المخصصة للمرأة والمجتمعات الريفية، على أن يشمل ذلك مجموعة غير تقليدية من مقدمي الخدمات مثل شركات الاتصالات ومكاتب البريد والتعاونيات.
  • حماية المستهلك: إرساء مبادئ الممارسات الجيدة ووضع الأطر القانونية الشاملة التي تستهدف حماية الأفراد، وذلك من خلال الطرق المعيارية للكشف والإفصاح عن البيانات، ومراقبة اتجاهات السوق، وحماية البيانات، وتسوية المنازعات.
  • القدرة المالية والرؤى السلوكية: دمج رسائل التثقيف المالي مع البرامج القائمة والتدخلات الحالية، وهو ما يؤدي بدوره إلى ربط المستهلكين بأكثر المنتجات التي تعكس ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
  • الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة: تحسين البيانات عن هذا القطاع المعقد والمتنوع من أجل تعزيز الحصول على التمويل ونمذجة المخاطر حسب الحالة.
  • ووفقا لبيانات مجموعة البنك الدولي، تمكن 1.2 مليار شخص آخرين حول العالم من فتح حسابات مصرفية حتى الآن، في حين اعتمدت أكثر من 80 دولة الخدمات المالية الرقمية.[11]
  • وبعيداً عن هذه الركائز الأساسية، تساعد مجموعة البنك الدولي البلدان كي تعتمد نظام المدفوعات الحكومية الرقمية. وقد أدى كل ذلك إلى تسليط الضوء على مزايا المعاملات الإلكترونية، كما ساعد في خفض التكاليف ومواجهة الفساد.
  • وقد بات جلياً أن خطط دعم الرفاهية تمثل المحرك الرئيس لمفهوم الشمول المالي حول العالم. فقد قام أكثر من ثلث البالغين في البلدان منخفضة الدخل حتى الآن بفتح حسابات بنكية شخصية تمثل الهدف منها في المقام الأول في تلقي المدفوعات الحكومية.[12]

مثالا يحتذى به: الشمول المالي يتحقق

يتعين على القطاع العام أن يؤكد على التزامه بالشمول المالي من خلال تعزيز الأطر القانونية والتنظيمية. وبالطبع يجب أن يسعى صانعو السياسات إلى التأكد من أن البنى التحتية المالية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مناسبة لتوجه الشمول المالي.

وإذا كنا نريد تحقيق الازدهار على مستوى العالم ونشره بصورة أكثر إنصافاً، يجب ان تحتل التكنولوجيا الصدارة. وتوضح لنا بعض قصص النجاح الاستراتيجيات التي يمكن أن تطبقها الدول الأخرى كنماذج للسياسات المحلية.

وتُعتبر الصين رائدة في مجال التجارة الإلكترونية.[13] وقد ساعد وباء السارس الذي تفشى في عام 2003 في تحفيز فكرة المدفوعات الرقمية في الاقتصاد الصيني. إذ شهد “عام السارس” قيام شركة “علي بابا” Alibaba للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت بإطلاق موقعها الأول للتجارة الإلكترونية Taobao وبوابة الدفع عبر الإنترنت Alipayومع توافر بنية تحتية الكترونية يمكن الاعتماد عليها ونظام معرف شامل، تعد الصين حالياً رائداً عالمياً في مضمار المحافظ والمدفوعات الرقمية والتي تمثل اللبنات الأساسية للشمول المالي.

وعلى أرض الواقع، أصدرت السلطات الهندية بطاقة هوية بيومترية مكونة من 12 رقماً لـ 99٪ من مواطنيها البالغين، وهو ما يسمح لأكثر من 300 مليون شخص آخر بفتح حسابات بنكية [14]– ويمثل ذلك مبادرة رائعة في دولة يعيش بها عدد كبير من السكان تحت خط الفقر.

وفي المناطق الريفية الشاسعة الواقعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، برزت فكرة “أموال الجوال” – حيث يتم استخدام الهواتف المحمولة للحصول على الخدمات المالية. وقد سجلت كل من بنين والكاميرون وجمهورية الكونغو والجابون وغانا وملاوي وتوجو وزامبيا نمواً ملحوظا في نسبة من يستخدمون خدمات تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول. وبين عامي 2018 و2021، ازدادت أعداد مالكي حسابات الأموال على الهاتف المحمول بأكثر من 70٪ في المناطق الهشة والمتضررة من الصراعات، وهو ما يوضح أهمية الشمول المالي لحماية الأفراد من الضغوط الخارجية.[15]

وفي موزمبيق، تهدف استراتيجية الشمول المالي الجديدة التي تدعمها مجموعة البنك الدولي إلى أن تتوافر لدى 60٪ من المواطنين إمكانية الوصول الآمن للخدمات المالية بحلول نهاية عام 2022، وذلك مقارنة بـ 24٪ فقط قبل ست سنوات[16]. وفي بيرو، يساعد التركيز على مبادرات التمويل الأصغر الشركات الصغيرة في الحصول على التمويل من أجل بناء الأصول، والتوسع، وخلق المزيد من فرص التوظيف. وهناك آمالاً عريضة في أن يصبح لدى ثلاثة أرباع السكان حسابات مصرفية خاصة بهم قريباً – وهو ما يعكس زيادة جد هائلة بالنظر إلى نسبة الـ 29٪ فقط التي تم تسجيلها في العام 2014.[17]

الشمول المالي مسعى عالمي

لا تعد مجموعة البنك الدولي الجهة الوحيدة التي أبرزت أهمية الشمول المالي فيما يتعلق بتحقيق الازدهار العالمي. ففي عام 2016، أطلقت الشراكة العالمية لمجموعة العشرين من أجل الشمول المالي (GPFI) بعض المبادئ الجديدة عالية المستوى لغرض تعزيز النهج الرقمي للشمول المالي. وقد اشتملت تلك المبادئ على مجموعة من المعايير الجديدة المعترف بها دوليا للبنية التحتية المالية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المناطق الريفية التي تعاني من نقص الخدمات؛ ونهج متوازن للابتكار في مواجهة المخاطر؛ وقواعد حمائية جديدة تحكم حماية بيانات العملاء؛ وكذا استراتيجيات لدعم اتجاه محو الأمية الرقمية والمالية في المجتمعات النامية.

والحاجة دوماً هي أم الاختراع. فتماماً كما حفز السارس الصين في رحلتها للتجارة الإلكترونية، دفعت جائحة COVID-19 عجلة التحول لاعتماد التقنيات المالية الجديدة في العديد من الاقتصادات النامية.

فعلى سبيل المثال، قابل إجراءات التباعد الاجتماعي، التي كان الهدف منها الحد من انتشار فيروس كورونا في تركيا، مضاعفة المدفوعات الالكترونية في عام 2021، مقارنةً بالأشهر الـ 12 السابقة[18]. وقد دفع هذا الاهتمام الحثيث المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إنشاء مركز إسطنبول المالي، والذي وفر قاعدة لشركات التكنولوجيا المالية الناشئة في البلاد لتجربة منتجات وتقنيات جديدة وسط بيئة تنظيمية تخضع للرقابة.

سيقوم مركز اسطنبول المالي بدعم وتنمية قطاع التكنولوجيا المالية في تركيا. (حقوق الصورة: مركز اسطنبول المالي)

وتمثل تركيا قصة طويلة لتحقيق النجاح في مضمار الشمول المالي، حيث سجلت حوالي 78 مليون عميل للخدمات المصرفية الرقمية من بين سكان يبلغ عددهم في الأصل حوالي 86 مليون نسمة. وقد يعزى ذلك إلى تمتع تركيا بديموغرافية شابة لديها ولع بالتطبيقات الذكية التكنولوجية: إذ تقل أعمار 40٪ من سكانها عن 25 عاماً، وتنتشر فيها الهواتف المحمولة بنسبة 95٪.

وفي الشرق الأوسط، بدأنا نرى كيف تتوافق تقاليد وأعراف التمويل الإسلامي مع مشهد الشمول المالي. إذ يشجع التمويل الإسلامي على الحصول على الأموال على نطاق واسع من خلال وسيلتين بديلتين: قروض الإيثار التي تقدم بدون فائدة (وتُعتبر عادةً “عقود مشاركة للمخاطر”)؛ وأدوات إعادة توزيع الدخل للمساعدة في التخفيف من حدة الفقر.[19]

وتلعب هذه العادات دوراً مهما في تحريك رأس المال عبر مختلف قطاعات الاقتصاد بطريقة مستقلة وسريعة، مما يمكّن شرائح أكبر في المجتمع من مواجهة المصاعب التي يعاني منها من يفتقرون إلى الأمان المالي. وبذلك، يوفر التمويل الإسلامي نموذجاً قابلاً للتطبيق للشمول المالي على مستوى المجتمع المحلي في جميع أنحاء العالم.

ومع ما يحظى به التحول إلى الرقمية من زخم، يتمثل التحدي التالي للحكومات والمنظمات غير الحكومية في ترجمة ملكية الحسابات البنكية إلى استخدامات حقيقية منتظمة لها. فالحساب الخامل ما هو إلا أداة شكلية لا تعود بالفائدة على الأفراد أو الشركات، وهو ما يهدر الفوائد اللانهائية للانتماء للشبكة المالية العالمية.

في هذا الصدد، تقع السهولة والراحة والفاعلية ضمن العوامل الرئيسة. فمثلما يمكن الآن تمرير الهواتف المحمولة أو مسحها ضوئياً لإتمام عمليات الشراء في المتاجر، يساعد جيل جديد من التطبيقات الشركات على تطويع الهواتف المحمولة كي تدخل ضمن أنظمة نقاط البيع البسيطة، وهو ما يسمح للمؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء العالم بقبول المدفوعات الرقمية للسلع والخدمات.

ووسط عالم غالباً ما يكون مضطرباً، ثمة علامات تدعو دوما للتفاؤل. فمع التطور المستمر للتكنولوجيا الرقمية، وتزايد ثقة الجمهور، وتحول المزيد من المدفوعات الحكومية إلى الرقمنة، بات المسار مهيئاً لإطلاق منظومة اقتصادية تحقق المزيد من المساواة.

القطاع الخاص وتعزيز الشمول المستدام

كثيرا ما يقال إننا أصبحنا نعيش في عالم تحول إلى قرية صغيرة وتلاشت فيها الحدود. فجارك، بلغة التجارة والثقافة، قد يكون قاطناً للمنزل المجاور لك، وقد يكون من سكان الجانب الآخر من العالم. من هذا المنظور، ليس ثمة أية مبررات لغياب الشمول المالي والحرمان من ميزات الحصول على التمويل على نطاق واسع.

والقضية هنا لا تنطوي على أبعاد أخلاقية وحسب، بل على أسس المنطق والحكمة أيضاً. ففي عالم تتزايد فيه الضبابية وعدم التيقن، بات الشمول المالي سبيلاً واضحاً لبلوغ الاستقرار في مضمار الاقتصاد العالمي، وكذا لضمان مستويات حياتية أفضل للبشر بشكل مستدام.

وما من شك أنه لا تزال هناك تحديات هائلة وعراقيل تعيق رحلتنا نحو الشمول المالي. إذ تشير الأمم المتحدة إلى أنه كي نطبق النظام الرقمي بأكمله بشكل منصف، تحتاج الحكومات والقطاع الخاص إلى تحقيق المزيد من التعاون بشأن عوامل التمكين الأساسية، ويشمل ذلك قنوات الاتصال والأمن السيبراني وخصوصية البيانات والهوية الرقمية والبنية التحتية المادية.[20]

في هذا الإطار، تلعب مؤسسة عبد اللطيف جميل دوراً مهماً في مسعى التمويل الأصغر في القطاع الخاص، وذلك بفضل ما تتمتع به من صيت ذائع في مجال الابتكار، فضلاً عن قوة استثماراتها المالية.

فبالتعاون مع مدارس مصر الدولية (ISE)، يحظى بعض الطلاب الأقل ثراءً بفرص لبلوغ مستقبل أفضل بفضل مساعدة مؤسسة عبد اللطيف جميل. إذ تمكنهم هذه الاستراتيجية من دفع الرسوم الدراسية على أقساط شهرية بدلاً من الدفع مقدماً – وكل ذلك بدون تحميل مدفوعات بأية فوائد أو رسوم.

وفي مصر أيضاً، تمد مؤسسة عبد اللطيف جميل للتمويل يد العون للمزيد من الأسر لمساعدتها في التحول إلى استخدام السيارات الكهربائية (EVs) و “الحفاظ على البيئة” من خلال مبادرة تمويل جديدة. ومن المنتظر أن يقدم برنامج تمويل المركبات الكهربائية للعملاء ما يصل إلى حوالي 210,000 دولار أمريكي على مدار السنوات الخمس المقبلة بغرض التحول للكهرباء والمساعدة في مواجهة تغير المناخ.

كما يسعى أيضاً باب رزق جميل للتمويل الأصغر، والذي أصبح الآن جزءاً من شركة عبد اللطيف جميل للتمويل في السعودية، إلى توفير خيارات مالية جديدة للأسواق التي تعاني من نقص الخدمات. حيث تمنح القروض المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، التي يقدمها باب رزق جميل للتمويل الأصغر بانتظام، فرصاً جديدة لرواد الأعمال من الأفراد والأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية.

وفي المملكة العربية السعودية أيضاً، أطلقت شركة عبد اللطيف جميل منتجاً جديداً للقروض النقدية عبر تطبيق للهاتف المحمول. إذ يتيح تطبيق كاش جميل للعملاء التقدم للحصول على قرض، بدون ضامن، ويتم ذلك من خلال تطبيق هاتف محمول بسيط. وتعد القروض، والتي تتراوح قيمتها ما بين 2500 دولار أمريكي و5500 دولار أمريكي، من بين المنتجات المالية الأولى من نوعها في المملكة العربية السعودية، وتتم الموافقة عليها في غضون دقائق.

وفي العام الماضي، قامت مؤسسة عبد اللطيف جميل بتعيين ياروسلاف جيزلر نائباً للرئيس للخدمات المالية والتكنولوجيا المالية. ويثمن جيزلر تيسير فرص التمويل المتنوعة لريادة الأعمال والتوظيف. ومن المنتظر أن تضمن تجربته في مجال التكنولوجيا المالية أن تكون أدوات التمويل الخاصة بنا في منطقة الشرق الأوسط وخارجها شمولية ويسهل الحصول عليها.

وفي الوقت نفسه، تعمل شركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار (JIMCO) على تسهيل حصول عدد لا يحصى من الشركات والأفراد على التمويل.

فعلى سبيل المثال، استثمرت شركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار، في شركة التكنولوجيا المالية ذات التأثير الاجتماعي فليكس باي  FlexxPay، وذلك من أجل تحسين الوضع المالي للموظفين في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتوفر فليكس باي منصة دفع فورية تسمح للعمال بالحصول على أجورهم المستحقة قبل موعدها. وبذلك تقوم فليكس باي، من خلال تقديم بديل لدورة الدفع التقليدية، بتوفير الأمان والكرامة للملايين الذين يواجهون ضغوطاً مالية.

من ناحية أخرى، ساعدت شركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار أيضاً في تمويل شركة تابي  Tabby:، وهي شركة ناشئة تعمل في مجال التكنولوجيا المالية وتقوم على نظام اشتري الآن وادفع لاحقاً. وتعمل تابي على تمكين العملاء في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من دفع ثمن مشترياتهم (عبر الإنترنت أو في المتجر) على أقساط متعددة أو بدفعة واحدة آجلة – وكل ذلك دون أي تكلفة إضافية. وتعد تابي حلاً مفيدا للطرفين، حيث تساعد أكثر من 2000 شركة على تسريع النمو، مع توفير المرونة المالية للعملاء.

كما تتلقى شركة فيجوبارا Figopara التركية الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية الدعم من شركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار للقيام بمهمتها المتمثلة في تزويد الشركات برأس مال عامل ممتد. وتساعد فيجوبارا على تحفيز التدفق النقدي للأعمال من خلال إطالة شروط الدفع للموردين، وكذا إبرام اتفاقات الحد من المخاطر عبر سلسلة التوريد.

وتقع منصة ثاندر Thndr ضمن الاستثمارات الأخرى لشركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار.  وهي عبارة عن منصة لتداول الأسهم عبر الهاتف المحمول. تم تصميم هذه المنصة لغرض السماح للأفراد بإجراء استثمارات في الأسهم والسندات والصناديق بدون أية عمولات. وتعني حسابات التداول القائمة على الاشتراك في ثاندر أن المستخدم بإمكانه البدء سريعاً في الاستثمار في الشركات المدرجة في البورصة المصرية، والاشتراك والاكتتاب في الصناديق المشتركة التي تدار من قبل رواد إدارة الأصول.

وبالمثل، تمكّن منصة رين  Rain المستثمرين في الشرق الأوسط من الوصول إلى أسواق العملات المشفرة. وتقوم رين على فكرة أن العملات المشفرة يجب أن تكون سريعة وغير مكلفة ومتاحة للجميع. وتتمثل مهمة منصة رين الأساسية في إطلاق بورصة عملات مشفرة تحظى باحترام دولي في الشرق الأوسط وذلك من خلال التطبيقات الأصلية أي أو أس وأندرويد وويب والتي تمكن العملاء من شراء وبيع العديد من العملات الورقية والعملات المشفرة.

كما قامت شركة عبد اللطيف جميل لإدارة الاستثمار باستثمارات في منصة لين للتكنولوجيا Lean Technologies والتي يقع مقرها في الرياض، وهي عبارة عن منصة تربط بين الشركات وتسعى إلى إنشاء برامج صديقة للمطورين لربط مؤسسات الخدمات المالية بشكل آمن بالحسابات المصرفية لعملائها. وتتيح هذه التقنية، والتي تتوافق تماماً مع الخدمات المصرفية المفتوحة، لشركات التكنولوجيا المالية الاندماج مع العديد من مقدمي الخدمات المالية في جميع أنحاء المنطقة من خلال منصة واحد. وهي منصة: – Lean Universal API

ولا تمثل كل هذه الاستثمارات سوى خطوات بسيطة على طريق رحلة تحفيز الشمول المالي في جميع أنحاء العالم – وهي الرحلة التي يجب علينا جميعاً أن نشارك فيها. فالشمول المالي لا يعني “تغطية النفقات” وحسب، بل يعني تحقيق الحرية والأمن والاستقلال، وكذا بلوغ الطريقة المثلى لكسب العيش لمن هم في أمس الحاجة إليها.

 

[1] https://www.unsgsa.org/

[2] https://www.unsgsa.org/

[3] https://www.unsgsa.org/financial-inclusion

[4] https://www.statista.com/statistics/936174/number-of-adults-with-a-retail-or-savings-bank-account-united-kingdom/

[5] https://usafacts.org/articles/who-is-the-least-likely-to-have-a-bank-account-in-the-us/

[6] https://www.unsgsa.org/financial-inclusion

7 https://www.ey.com/en_cz/news/2018/01/improved-financial-inclusion-could-boost-global-bank-revenues-by-us-200b

.[8] https://www.ey.com/en_cz/news/2018/01/improved-financial-inclusion-could-boost-global-bank-revenues-by-us-200b

9 https://www.worldbank.org/en/topic/financialinclusion/brief/achieving-universal-financial-access-by-2020

10 https://www.worldbank.org/en/topic/financialinclusion/overview#2

11 https://www.worldbank.org/en/topic/financialinclusion/overview#1

12 https://www.worldbank.org/en/topic/financialinclusion/overview#1

13  https://www.lazardassetmanagement.com/uk/en_uk/references/fundamental-focus/financial-inclusion

14 https://www.moneyandbanking.com/commentary/2017/11/5/banking-the-unbanked-the-indian-revolution

15 https://www.gsma.com/mobilefordevelopment/blog/findex-2021-data-why-mobile-money-is-now-a-mainstream-financial-service/

16 https://www.worldbank.org/en/topic/financialinclusion/overview#3

17 https://www.worldbank.org/en/news/feature/2015/08/05/peru-launches-national-financial-inclusion-strategy-to-expand-financial-inclusion

18 https://www.weforum.org/agenda/2022/05/new-technologies-improve-financial-inclusion/

19 https://www.weforum.org/agenda/2022/05/new-technologies-improve-financial-inclusion/

 20 https://www.unsgsa.org/financial-inclusion