هل يمكن لإفريقيا أن تشق طريقها نحو الرخاء عبر بوابة الكهربة؟
في وقتٍ يمضي فيه العالم بخطى متسارعة نحو كهربة قطاعات الاقتصاد والتوسع في تبني مصادر الطاقة المستدامة، لا تزال أجزاء واسعة من القارة الإفريقية تواجه تحديات كبيرة في مسار التخلي عن الوقود الأحفوري. فما أبرز العوائق التي تعرقل التحول الطاقوي في إفريقيا؟ وما السبل الكفيلة بتجاوزها وتسريع وتيرة هذا التحول بما يضع القارة على مسار أكثر استدامة وازدهاراً؟
تُعد الكهرباء ركيزةً أساسية للحياة المعاصرة وقوةً محركة للتنمية؛ فهي الشريان الذي يمد المستشفيات بالطاقة اللازمة لإنقاذ الأرواح، وينير المدارس التي تُبنى فيها أجيال المستقبل، ويُبقي عجلة الاقتصاد دائرةً في المصانع والمزارع والشبكات الرقمية. ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مدفوعةً بتقنيات الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية والأتمتة الصناعية، يتزايد الطلب على إمدادات كهربائية مستقرة وموثوقة بوتيرة غير مسبوقة.
وفي أجزاء واسعة من العالم، حققت هذه التحولات نجاحات لافتة؛ فقد شهد العقدان الماضيان [1] انخفاضاً ملموساً في تكاليف تقنيات الطاقة المتجددة بالتوازي مع تحسن كفاءتها، إلى جانب تحديث واسع لشبكات توزيع الكهرباء، ما أتاح لمئات الملايين من البشر الوصول إلى إمدادات كهربائية مستقرة وعالية الكفاءة. وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة وسريعة النمو، قطع الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري شوطاً كبيراً، وإن تفاوتت وتيرته ومساراته من دولة إلى أخرى.
غير أن ثمار هذا التقدم لم تُوزَّع بالتساوي على الجميع. ففي عدد من مناطق الجنوب العالمي، لا تزال جهود الكهربة عاجزة عن مواكبة النمو السكاني، ما يفاقم الفجوة بين دول تمضي بثبات نحو توسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، وأخرى لا تزال تعاني إمدادات غير مستقرة أو غير كافية، أو تفتقر إلى الكهرباء من الأساس.
ولا تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحاً في أي مكان بقدر ما تبدو عليه في إفريقيا. [2] فالقارة، التي تشهد أحد أسرع معدلات النمو السكاني في العالم وتزخر ببعض أغنى موارد الطاقة المتجددة، يفترض أن تكون في موقع يؤهلها لقيادة تحول عالمي نحو الطاقة النظيفة. غير أن الواقع مختلف تماماً؛ إذ لا تزال إفريقيا متأخرة عن المناطق الأخرى في معدلات الكهربة، ما يضع ملايين الأفراد والشركات في مواجهة يومية مريرة مع تداعيات فقر الطاقة.
ومن أبرز التحديات التي تعرقل مسار إفريقيا نحو كهرباء أنظف وأكثر مراعاة للبيئة ذلك المزيج المثقل من البنية التحتية المتهالكة، والسياسات غير المتسقة، ونقص الاستثمارات. والنتيجة هي نقص الكهرباء اللازمة لتدفئة المنازل، وطهي الطعام، وتشغيل المستشفيات، ودعم القطاعات الصناعية والمؤسسات التي توفر فرص العمل للسكان.
وبالنسبة لما يصل إلى 560 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يشكل هذا الحرمان من الكهرباء واقعاً يومياً يقيد أبسط مقومات الحياة وفرصها [3] . وفي واقع الأمر، تضم منطقة إفريقيا جنوب الصحراء أكبر كتل سكانية تعاني من فقر الطاقة على مستوى العالم. ففي عام 2024، كانت 18 دولة من بين الدول العشرين التي سجلت أكبر عجز في الحصول على الكهرباء تقع في إفريقيا [4]جنوب الصحراء الكبرى. وفي بعض المناطق، مثل وسط إفريقيا ومنطقة الساحل، تنخفض معدلات توافر الكهرباء إلى أقل من 5%، بما ينعكس سلباً على فرص العمل والصحة والتعليم. [5]

وفي بعض الدول الأفريقية، أصبحت المشكلة مزمنة ومتجذرة. ففي تشاد وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، يحصل أقل من 20% من السكان على إمدادات كهربائية مستقرة. [6]
«في بعض الدول الأفريقية، تقل نسبة السكان الذين يحصلون على إمدادات كهربائية مستقرة عن 20%»
فكيف آلت الأوضاع إلى هذا الحال، وما السبل الكفيلة بمعالجة هذه الأزمة؟
أيّ الدول الأفريقية تعاني أكثر من تهالك البنية التحتية للكهرباء؟
في ظل شح الموارد المالية المتاحة للاستثمار في إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء، أو حتى لإنفاقها على أعمال الصيانة الدورية للمعدات، تعاني شبكات الطاقة في إفريقيا من التهالك وانعدام الاستقرار؛ وهو ما تتجلى أبعاده بوضوح في الأمثلة التالية [7]:
- النيجر: تفتقر البلاد إلى قدرات مستقلة كافية لتوليد الكهرباء، ما يجعلها تعتمد إلى حد كبير على شبكة نيجيريا المجاورة لتلبية احتياجاتها من الطاقة، فيما تتسبب انقطاعات الكهرباء في خسائر سنوية في مبيعات قطاعي الأعمال والصناعة تبلغ 5.5%.
- بنين: أدت حالة عدم الاستقرار التي تشهدها شبكة الكهرباء، والتي تعود جزئياً إلى سرقة المحولات وأعمال التخريب، إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 9.4%.
- جمهورية الكونغو الديمقراطية: تؤدي البنية التحتية المتهالكة إلى انقطاعات متكررة للكهرباء. كما يتسبب تراكم النفايات البلاستيكية وانسدادها في محطة روزيزي الكهرومائية، وهي إحدى أبرز منشآت توليد الطاقة في البلاد، في انقطاعات مستمرة للإمدادات.
- غانا: تتكبد الأسر والشركات خسائر سنوية بقيمة 680 مليون دولار أمريكي بسبب محدودية إمدادات الغاز، فيما يتجاوز الطلب خلال ساعات الذروة حجم الإمدادات بصورة منتظمة.
- بوروندي: أصبحت انقطاعات الكهرباء ظاهرة يومية في بوروندي، حيث يتسبب النقص الحاد في الوقود في تقويض مصادر الطاقة البديلة، ويحد من النمو الاقتصادي للشركات والأسر على حد سواء.
- زيمبابوي وزامبيا: تشهد الدولتان المتجاورتان عادة انقطاعات يومية للكهرباء في إطار تخفيف الأحمال لفترات تمتد من 10 إلى 12 ساعة، نتيجة الأعطال المتكررة في الشبكات والانخفاض القياسي في مناسيب المياه بسد كاريبا، أحد أهم مرافق توليد الطاقة الكهرومائية في المنطقة.
- كوت ديفوار: رغم امتلاكها شبكة طاقة حديثة نسبياً، إلا أن إهمال عمليات الصيانة وإجهاد المنشآت بسبب الأحمال الزائدة يهددان استقرارها؛ وهو ما كَبَّد الشركات العاملة في قطاعي التعدين والكاكاو خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات.
- جنوب إفريقيا: تواجه شركة الكهرباء الحكومية إسكوم تحديات كبيرة بسبب بنية تحتية بلغت نهاية عمرها التشغيلي الافتراضي، إلى جانب ديون طائلة، ما أدى إلى انقطاعات واسعة النطاق وخسائر اقتصادية قُدرت بنحو 30 مليار دولار أمريكي في عام 2024 وحده.
- نيجيريا: أدى النقص المزمن في الاستثمارات الموجهة إلى قدرات توليد الكهرباء إلى سلسلة من الانقطاعات طوال عام 2025. ويرى خبراء أن تحديث شبكة الكهرباء في نيجيريا يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%، في مقابل تكلفة تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار أمريكي ناجمة عن الأعطال المتكررة للشبكة.
ويضيف النمو السكاني المتسارع مزيداً من الضغوط على أنظمة الطاقة التي تعاني بالفعل تحديات كبيرة. فرغم نجاح القارة في إيصال التيار الكهربائي لنحو 35 مليون شخص إضافي خلال عام 2023، لم ينخفض عدد المحرومين منها إلا بمقدار 5 ملايين شخص، ليتراجع من 570 مليوناً إلى 565 مليوناً. [8]
إلى أي مدى تعتمد الدول الأفريقية على الوقود الأحفوري؟
تكشف نظرة أولية إلى مزيج الطاقة في القارة أن نحو ثلاثة أرباع الكهرباء في إفريقيا تُولَّد من مصادر الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي. [9]
وتلقي التبعات الجسيمة لاعتماد المجتمعات على مصادر الطاقة كثيفة الانبعاثات الكربونية بظلالها على حياة السكان، إذ أصبحت انقطاعات الكهرباء ظاهرة متكررة. ففي بوروندي، على سبيل المثال، [10] تُسجَّل انقطاعات الكهرباء نحو 140 يوماً من العام، مقابل 60 يوماً سنوياً في تنزانيا.
«كثيراً ما تضطر الشركات إلى اللجوء إلى مولدات الديزل عالية الانبعاثات لتلبية احتياجاتها من الكهرباء»
ولمواجهة هذا الخلل وعدم استقرار شبكات التغذية الرسمية، تضطر المؤسسات والشركات إلى الاعتماد على مولدات الديزل عالية الانبعاثات لتلبية احتياجاتها من الكهرباء؛ وهي حلول لا تلحق الضرر بالبيئة فحسب، بل تتسم أيضاً بانخفاض الكفاءة وارتفاع التكلفة. كما تؤدي الانقطاعات المتكررة للخدمات العامة إلى تقويض الثقة الدولية وخلق بيئة طاردة للاستثمارات المحتملة، وبالتالي تضاؤل الفرص المتاحة أمام الشباب، وتردي مستوى الخدمات الأساسية، والعزلة المتكررة عن منظومات الأعمال الحديثة التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للنمو المستدام.
وكما خلص تحليل للبنك الدولي: «لا وجود لدول مرتفعة الدخل ومنخفضة استهلاك الطاقة». وبعبارة أخرى، فإن الدول التي تعجز عن توفير الكهرباء لشعوبها لن تتمكن من توليد ثروات كافية للاستثمار[11] في مسارات التنمية الاقتصادية الشاملة.

والمفارقة أن محدودية خيارات الطاقة الخضراء في إفريقيا تأتي في وقت تزخر فيه القارة طبيعياً بمصادر هائلة يمكن تسخيرها لإنتاج الكهرباء المستدامة.
ما حجم الإمكانات التي تمتلكها إفريقيا في مجال الطاقة الشمسية؟
رغم تباين الاعتبارات الجيوسياسية، تمتلك إفريقيا فرصة حقيقية لترسيخ مكانتها كقوة عالمية رائدة في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة.
«تتمتع إفريقيا بوفرة استثنائية من الطاقة الشمسية تفوق أي مكان آخر على وجه الأرض»
تتمتع إفريقيا بوفرة استثنائية من الطاقة الشمسية، إذ يبلغ متوسط إمكاناتها طويلة الأجل لتوليد الطاقة الشمسية 4.51 كيلوواط ساعة يومياً، وهو أعلى من أي مكان آخر على وجه الأرض، بما في ذلك أمريكا الجنوبية (4.48 كيلوواط ساعة يومياً)، وآسيا (4.33 كيلوواط ساعة يومياً)، وأوقيانوسيا (4.14 كيلوواط ساعة يومياً). [12]

ولا تقتصر إمكانات إفريقيا على الطاقة الشمسية؛ فالقارة تزخر كذلك بموارد واعدة من طاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية. ومع ذلك، لا تزال هذه الموارد أيضاً دون مستوى الاستغلال المأمول، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها:
- التضارب والتعارض في السياسات الوطنية المتبعة بين الدول.
- صعوبة دمج وتكامل أنظمة الطاقة الجديدة ضمن شبكات كهربائية متهالكة.
- ارتفاع التكاليف الرأسمالية الأولية للمشاريع
- عدم اليقين بشأن العوائد على الاستثمار
وفي ظل هذه التحديات الجسيمة، يبرز السؤال الأهم: ما الخطوات العملية التي يمكن أن تسرّع وتيرة توصيل الكهرباء إلى مختلف ربوع إفريقيا؟
كيف يمكن لإفريقيا تسريع وتيرة الكهربة وتوسيع نطاقها؟
يتعين على المشرّعين وصنّاع القرار المحليين، جنباً إلى جنب مع المستثمرين الدوليين، بلورة رؤية جريئة لمستقبل منظومة الطاقة في إفريقيا. ولكي يُكتب النجاح والاستدامة لمشروع كهربة القارة على المدى الطويل، فلا بد أن يقوم على أسس راسخة تجمع بين العدالة الاقتصادية والجدوى الاستثمارية والاستدامة البيئية، وهو ما يستدعي التركيز على مجموعة من المحاور الجوهرية، أبرزها:
- اللامركزية: في المناطق التي تحول فيها العوائق المالية أو الجغرافية دون مدّ شبكات الكهرباء الوطنية، تُشكّل أنظمة الطاقة الشمسية المستقلة عن الشبكة والشبكات المصغّرة المحلية حلولاً بديلة وعملية لتوفير الكهرباء للسكان. فعلى سبيل المثال، اعتمدت رواندا استراتيجية وطنية لتوسيع نطاق الحصول على الكهرباء، جمعت فيها بين التوسع في الشبكة الوطنية والاعتماد على حلول مستقلة عنها، مثل أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية المنزلية. وقد أسهم هذا النهج في تحقيق زيادة كبيرة في معدلات الحصول على الكهرباء، التي ارتفعت من مستويات متدنية للغاية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى أكثر من 80% من الأسر بحلول عام 2025. [13]
- التعاون بين القطاعين العام والخاص والمنظمات غير الحكومية: يُعد تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات والمنظمات الإنمائية الدولية عاملاً أساسياً في توفير التمويل اللازم لمشروعات الطاقة واسعة النطاق. ومن شأن الجمع بين الإشراف الحكومي والاستثمارات الخاصة أن يساعد الدول على تسريع وتيرة تطوير البنية التحتية المستدامة للكهرباء وتوسيع نطاق انتشارها، لا سيما في المناطق التي تعاني من نقص خدمات الكهرباء.
- التشريعات: يمكن للحكومات تهيئة بيئة تنظيمية متكاملة ومحفّزة للاستثمار في قطاع الطاقة، من خلال تبنّي سياسات تزيل العقبات أمام المستثمرين، وتبسّط إجراءات الترخيص، وتوفر قدراً أكبر من الاستقرار على المدى الطويل، بما يسهم في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لتمويل مشروعات الكهربة.
- الدعم الحكومي: يمكن أن تسهم حزم الدعم المخصصة لأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، وخفض تكاليف الربط بشبكات الكهرباء، وتقديم الدعم المالي للأسر منخفضة الدخل، إسهاماً كبيراً في توسيع نطاق الحصول على الكهرباء وضمان وصولها إلى جميع فئات المجتمع.
- البنية التحتية: تحتاج العديد من الدول الأفريقية إلى تحديث شبكات نقل وتوزيع الكهرباء المتهالكة لتعزيز كفاءتها وموثوقيتها. ويمكن لتقنيات الشبكات الذكية أن تسهم في تقليص الفاقد من الكهرباء أثناء نقلها، وتسهيل دمج مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في شبكات الكهرباء الوطنية.
- تنويع مزيج الطاقة: تظل الاقتصادات التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الوقود الأحفوري أو الوقود المستورد أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية. ومن شأن التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، أن يقلل من هذه المخاطر ويعزز أمن الطاقة على المدى الطويل.
- تخزين الطاقة: يتسم توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالتذبذب، ما يستدعي دعم منظومات الطاقة المتجددة بتقنيات تخزين قوية وموثوقة، مثل أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS). وتدرس جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، بالفعل تنفيذ مشروعات واسعة النطاق لأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات دعماً لمسيرة تحولها نحو الطاقة المتجددة.
- ترشيد استهلاك الطاقة: يمكن لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المنازل ووسائل النقل والقطاع الصناعي أن يخفف ضغوط الطلب على الكهرباء. ويمكن للحكومات تقديم حوافز لاستخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، وتحديث المباني لرفع كفاءتها، واعتماد ممارسات صناعية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
- سياسات الدعم الموجه: يمكن لبرامج الدعم المصممة بعناية أن توفر الحماية للمجتمعات منخفضة الدخل، وفي الوقت نفسه تشجع أنماطاً أكثر استدامة لاستهلاك الطاقة. كما يمكن لدعم بدائل مثل غاز البترول المسال أو مواقد الطهي الكهربائية أن يسهم في تقليص الاعتماد على أنواع وقود الكتلة الحيوية التقليدية.
- تنمية الكوادر والكفاءات البشرية: يمكن للدول الأفريقية تكثيف استثماراتها في البحث والابتكار في مجالات الطاقة الناشئة. ومن شأن تقديم الدعم المالي للجامعات ومراكز الابتكار أن يحفز تطوير بدائل نظيفة، بالتوازي مع بناء قاعدة مستدامة من المتخصصين القادرين على قيادة مسيرة التحول التكنولوجي.
- التعاون العابر للحدود: من شأن تعزيز التعاون الإقليمي أن يسهم في رفع مستويات الأمن الطاقوي. ويمكن لمنظمات مثل الاتحاد الأفريقي والتكتلات الاقتصادية الإقليمية دعم تجارة الطاقة عبر الحدود، إلى جانب تيسير تنفيذ مشروعات جديدة للبنية التحتية وتنسيق الاستجابات للاضطرابات الجيوسياسية.
ولحسن الحظ، تلتقي عدة مسارات من هذه الاستراتيجيات في مبادرة كبرى تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مسيرة كهربة إفريقيا، وهي مبادرة «المهمة 300» (Mission 300).
تخطط جنوب إفريقيا لإنشاء أكبر منشآت لتخزين الطاقة بالبطاريات في القارة
في عام 2025، حققت جنوب إفريقيا الإغلاق المالي لمشروع ريد ساندز لتخزين الطاقة بالبطاريات (Red Sands BESS) في إقليم كيب الشمالية، والذي يُنتظر أن يصبح أكبر منظومة مستقلة لتخزين الطاقة بالبطاريات في إفريقيا.
ويتولى تطوير المشروع، البالغة قيمته 300 مليون دولار أمريكي، شركة جلوبليك (Globeleq)، وتصل سعته إلى 153 ميجاواط / 612 ميجاواط ساعة، ومن المقرر ربطه بالشبكة عبر محطة غارونا الفرعية.
وبدلاً من الاقتصار على تزويد مجتمع محلي بعينه بالكهرباء، سيعمل مشروع ريد ساندز كمرفق ضخم لدعم استقرار الشبكة العمومية، بما يتيح لشركة إسكوم والشركة الوطنية لنقل الكهرباء في جنوب إفريقيا (NTCSA) استيعاب كميات أكبر بكثير من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ضمن الشبكة الوطنية، من دون تعريضها لأحمال تفوق قدرتها.
ما هي مبادرة «المهمة 300»، وكيف ستُحدث تحولاً في حياة الملايين؟

تتكاتف جهود مجموعة البنك الدولي ومجموعة البنك الأفريقي للتنمية مع مبادرة الطاقة المستدامة للجميع لتنفيذ «المهمة 300»، التي تستهدف توصيل الكهرباء إلى 300 مليون شخص إضافي في إفريقيا بحلول نهاية العقد.
ويسعى هذا المشروع الضخم إلى تحقيق أهدافه من خلال نهج متكامل يجمع بين تطوير البنية التحتية، وإصلاح السياسات، واستقطاب الاستثمارات. وتنصب جهوده الرئيسية على توسيع نطاق شبكات الكهرباء لتصل إلى المناطق المحرومة من خدماتها، والتوسع في نشر حلول الطاقة الشمسية المستقلة عن الشبكة، مثل الشبكات المصغّرة، في المزيد من المناطق الريفية.
وتقود الحكومات الإفريقية إصلاحات محورية في خمسة مجالات رئيسية، انسجاماً مع التعهدات الوطنية المتفق عليها في مجال الطاقة:
- الاستثمار في توليد الكهرباء بتكلفة ميسورة؛
- ضمان التوافق والانسجام التكنولوجي لتشجيع وتسهيل التجارة عبر الحدود؛
- الاعتماد على حلول الطاقة المتجددة الموزعة لتوفير الكهرباء للمناطق الواقعة في نهاية شبكات التوزيع؛
- استقطاب رؤوس الأموال الخاصة من خلال أطر تنظيمية موثوقة ومستقرة؛
- تعزيز كفاءة المرافق العامة بإرساء قواعد الإدارة والرقابة المالية الشفافة.

ويجري بالفعل تنفيذ أكثر من 85 مشروعاً ضمن مبادرة «المهمة 300» في 40 دولة. [14]
- في غينيا: تدعم الأمم المتحدة تطوير سد كوغبدو-فرانكونيدو الكهرومائي بهدف توفير إمدادات كهرباء نظيفة ومستدامة دون انقطاع.
- في بوروندي: تعمل الأمم المتحدة على مشروعات للطاقة المتجددة تستهدف استقطاب مستثمرين جدد، بالتوازي مع توسيع شبكة توزيع الكهرباء لتصل إلى المناطق التي لم تحظَ بالخدمات الكافية.
- في جيبوتي: تتواصل الجهود لتشجيع استخدام أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية في المنازل وأماكن العمل، بما يسهم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة.
- في موريشيوس ومدغشقر: تُجرى دراسات مستفيضة لاستكشاف إمكانات طاقة الرياح البحرية في موريشيوس، بينما يمول برنامج لحاضنات الأعمال في مدغشقر 15 مشروعاً للطاقة المستدامة تابعة للشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
«منذ إطلاق مبادرة «المهمة 300»، جرى بالفعل ربط نحو 50 مليون شخص بشبكة الكهرباء»

غامبيا تدخل عصر الكهرباء
في غامبيا، كان الشاب محمد كانديه، الذي يعمل في مهنة اللحام، يواجه في كثير من الأحيان صعوبة في تحقيق أرباح بسبب اعتماده على مولدات تعمل بوقود الديزل لتشغيل معداته.
لكن الوضع تغير بعد ربط قريته، جاه كوندا، الواقعة بعيداً عن شبكة الطرق الرئيسية، بالشبكة الوطنية للكهرباء ضمن مشروع استعادة وتحديث قطاع الكهرباء في غامبيا (GERMP). فقد انخفضت تكاليف الطاقة لديه إلى أقل من 2.50 دولار أمريكي أسبوعياً، ما مكنه من الاحتفاظ بجزء أكبر من دخله وتوجيهه إلى تلبية احتياجات أسرته من الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.
ومنذ إطلاق مبادرة «المهمة 300» في يوليو 2023، جرى بالفعل ربط نحو 50 مليون شخص بشبكة الكهرباء، إلى جانب ما يقرب من 135 ألف شركة وأكثر من 20 ألف مؤسسة عامة. [15] ومع تقدم تنفيذ المشروع، سيعمل القائمون عليه على حشد جهود القطاع العام وتوسيع نطاق مشاركته، من خلال توفير آليات تنافسية للمشتريات والتمويل، إلى جانب أدوات للحد من المخاطر.
هل يمكن لتحول الطاقة في إفريقيا أن يصبح نموذجاً يُحتذى به عالمياً؟
تقف إفريقيا اليوم على خط المواجهة الأمامي في المعركة ضد ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، في مفارقة يصعب تبريرها أخلاقياً؛ إذ لا تتجاوز مساهمة القطاع الصناعي في جميع أنحاء القارة 4% من إجمالي الانبعاثات الكربونية السنوية العالمية، ومع ذلك يتحمل السكان الإفريقيون تبعات وآثاراً ضارة لا تتناسب مطلقاً مع حجم مشاركتهم في المشكلة. [16]
وتزداد موجات الجفاف والحرارة حدةً وتواتراً، في وقت يعيش فيه أكثر من 6 من كل 10 أفارقة في مناطق تُصنَّف أراضيها بأنها جافة أو شبه جافة أو جافة شبه رطبة أو شديدة الجفاف. كما تُصنَّف نسبة تصل إلى 65% من الأراضي المنتجة في إفريقيا باعتبارها «متدهورة»، بينما يواجه 45% من نسبة الـ55% المتبقية مخاطر مرتفعة للتصحر. [17]
وتزداد هذه المفارقة حدةً حين ندرك أن إفريقيا تمتلك، من حيث الإمكانات، معظم المقومات الطبيعية اللازمة لإنتاج الكهرباء النظيفة، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية والاستثمارات التي تتيح تحويل هذه الإمكانات الواعدة إلى واقع ملموس.
«مع كل عام يمضي، تزداد إفريقيا اندماجاً في شبكات الطاقة الحديثة»
ومع كل عام يمضي، تزداد إفريقيا اندماجاً في شبكات الطاقة الحديثة. غير أن وتيرة التقدم لا تزال بطيئة للغاية، كما أن حجم الطموح حتى الآن لا يزال دون المستوى المطلوب.
وإنني على قناعة راسخة بأنه إذا استطاع المشرّعون وصناع القرار تجاوز العقبات التي لطالما أعاقت تسريع وتيرة الكهربة، من خلال خفض التكاليف الأولية، وتوحيد معايير ربط مصادر الطاقة بالشبكات، وتنسيق السياسات الوطنية، وحماية الاستثمارات الخاصة، فستتمكن إفريقيا من البدء في تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري. ومن شأن هذا التحول أن يمهّد الطريق نحو مستقبل أكثر نظافة واستدامة في مجال الطاقة، ليس لإفريقيا وحدها، بل للعالم بأسره.
كهربة إفريقيا: خمس حقائق سريعة
س: كم عدد الأفارقة الذين لا يحصلون على إمدادات الكهرباء الحديثة؟
ج: يفتقر ما يصل إلى 560 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى الكهرباء اللازمة لتدفئة المنازل، وطهي الطعام، وتشغيل المستشفيات، وتأمين سبل عيشهم.
س: ما معدلات الكهربة في الدول الأفريقية الأكثر حرماناً من خدمات الكهرباء؟
ج: تنخفض معدلات الكهربة في بعض مناطق وسط إفريقيا ومنطقة الساحل إلى أقل من 5%، ما يؤثر سلباً في فرص العمل والصحة والتعليم.
س: كيف تبدو معدلات الحصول على الكهرباء في إفريقيا مقارنةً بالمناطق الأخرى؟
ج: في عام 2024، كانت 18 دولة من بين أعلى 20 دولة تعاني من أكبر عجز في الوصول إلى الكهرباء عالمياً تقع في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
س: هل تتمتع إفريقيا بموارد كافية من الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات مجتمعاتها بتكلفة ميسورة وعلى نحو مستدام؟
ج: تتمتع إفريقيا بوفرة استثنائية من الطاقة الشمسية، إذ يبلغ متوسط إمكاناتها طويلة الأجل لتوليد الطاقة الشمسية 4.51 كيلوواط ساعة يومياً، وهو أعلى معدل على وجه الأرض.
س: ما أثر مبادرة «المهمة 300» في توسيع نطاق الحصول على الكهرباء في إفريقيا؟
ج: منذ إطلاق مبادرة «المهمة 300» للكهربة، جرى بالفعل ربط نحو 50 مليون شخص بشبكة الكهرباء، إلى جانب ما يقرب من 135 ألف شركة وأكثر من 20 ألف مؤسسة عامة.
[1] https://www.iea.org/reports/sdg7-data-and-projections/access-to-electricity
[2] https://www.ecofinagency.com/news/2606-47434-electricity-access-gap-grows-in-sub-saharan-africa-report-calls-for-action
[3] https://www.esmap.org/news/tracking-sdg7-655-million-people-still-without-electricity-underscore-urgent-need-deliver
[4] https://trackingsdg7.esmap.org/sites/default/files/download-documents/ExecutiveSummary.pdf
[5] https://www.weforum.org/stories/2025/05/africa-energy-trilemma-security-equity-sustainability/
[6] https://unsdg.un.org/latest/stories/decoding-africa%E2%80%99s-energy-journey-three-key-numbers
[7] https://www.africanexponent.com/top-10-african-countries-with-the-worst-power-outages-in-2024-2025/
[8] https://www.worldbank.org/en/topic/energy/publication/tracking-sdg-7-the-energy-progress-report-2025
[9] https://www.weforum.org/stories/2025/05/africa-energy-trilemma-security-equity-sustainability/
[10] https://www.weforum.org/stories/2025/05/africa-energy-trilemma-security-equity-sustainability/
[11] https://blogs.worldbank.org/en/africacan/africa-s-big-push-on-electrification–a-cautionary-afe-tale
[12] https://www.weforum.org/stories/2025/05/africa-energy-trilemma-security-equity-sustainability/
[13] https://www.reg.rw/media-center/news-details/news/electricity-access-reaches-854-up-from-6453-five-years-ago-reg/
[14] https://www.worldbank.org/ext/en/energizingafrica/progress-portal
[15] https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/06/16/under-mission-300-a-new-way-of-doing-business-connects-over-50-million-people-to-electricity-across-africa
[16] https://www.weforum.org/stories/2025/05/africa-energy-trilemma-security-equity-sustainability/
أُضيفت إلى الملف الصحفي