مع اشتداد الحرارة: هل نواكب تحديات تغير المناخ بما يكفي؟
تتسارع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة في شتى أنحاء العالم بوتيرة غير مسبوقة، مخلفةً وراءها خسائر فادحة ودماراً يتجاوز حدود الوصف. ولم يعد تأثير تغيّر المناخ احتمالاً بعيداً، بل واقعاً ملموساً يطال الجميع دون استثناء، وإنْ كان ذلك بتأثيراتٍ تتباين حدّتها ونطاقها. وفي خضم هذا الواقع المقلق، أطلق أنطونيو غوتيريش تحذيراً شديد اللهجة، عبّر فيه بوضوح عن خطورة المسار الحالي قائلاً: «نحن نسير بسرعة هائلة على طريق يقود إلى جحيم مناخي، فيما لا تزال أقدامنا تضغط بقوة على دواسة السرعة».
ومنذ أن أطلق غوتيريش تصريحه المدوي خلال مؤتمر الأطراف السابع والعشرين المعني بتغير المناخ (COP27) في عام 2022، لم تهدأ حدة النقاشات العالمية، بل لا تزال الأسئلة الجوهرية تفرض نفسها وبقوة: هل يتغير مناخنا فعلاً؟ وبأي وتيرة يحدث ذلك؟ ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً ومصيرية هو: ماذا بوسعنا أن نفعل؟ فبينما يستمر الجدل، تواصل عقارب الساعة دورانها بلا هوادة، منذرةً بتآكل نافذة الفرص المتاحة لاتخاذ تدابير تصحيحية ناجعة.
وسواء كنت ناشطاً بيئياً تذود عن الأرض، أو مراقباً يكتفي بالمتابعة عن بُعد، فإن الأدلة الدامغة على آثار التغير المناخي تحاصرنا من كل اتجاه. وتتسع قائمة الظواهر المناخية المقلقة التي تهدد الحياة، لتشمل ارتفاع مستويات سطح البحر، وذوبان الكتل الجليدية، وموجات الحر الشديدة، فضلاً عن نوبات الجفاف، وموجات البرد القارس، والفيضانات العنيفة، وارتفاع حرارة المحيطات.
إن الاستعداد لمجابهة التغير المناخي لم يعد خياراً، بل ضرورة قصوى لحماية البشرية والنظم البيئية على حد سواء؛ وهو ما يستدعي عملاً حثيثاً لا يقتصر على الحلول الآنية، بل يمتد إلى تطوير مقاربات مستدامة لمعالجة التحديات المناخية على المدى البعيد. وعلى الرغم من تباين التقديرات بشأن حجم التهديد، فإن ما يبعث على التفاؤل هو بروز حراك ملموس بدأ يتشكل على أرض الواقع، في مسعى جاد لمواجهة هذا التحدي الوجودي.
ما المقصود بـتغير المناخ على وجه التحديد؟
على الرغم من رواج مصطلح “تغير المناخ” على نطاق واسع في مختلف أوساط المجتمع، إلا أن دلالته الدقيقة نادراً ما تحظى بالشرح الكافي. وكما أشرتُ في مقالاتي السابقة، يُقصد بتغير المناخ، في جوهره، التحولات طويلة الأمد التي تطرأ على أنماط الطقس ودرجات الحرارة، سواء كانت ناجمة عن عوامل طبيعية أو بفعل الإنسان[1]. غير أن الإجماع العلمي اليوم بات واضحاً في أن النشاط البشري يمثل المحرك الرئيسي لهذه التحولات [2] منذ انطلاق الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، ولا سيما نتيجة حرق الوقود الأحفوري كالنفط والفحم والغاز. غير أن المسألة لا تقتصر على مجرد ارتفاع في درجات الحرارة؛ فكوكبنا يتألف من منظومات شديدة الترابط، مما يجعل أي تغيير في ركن ما يرتد بآثار متسلسلة على بقية الأركان[3]. ومن هذا المنطلق، تتسع دائرة تأثير تغير المناخ لتشمل زعزعة استقرار:
وقد قدمت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة تصوراً شاملاً للمناطق الأكثر تأثراً بهذه الأزمة. [4]

ولعل ما يدعو للارتياح هو أن الحكومات حول العالم بدأت، على مدار العقد الماضي، تستفيق أخيراً وتدرك العواقب الوخيمة لهذه التحولات العميقة التي تعصف بكوكبنا.
كيف يُخلّف التغير المناخي هذا القدر من الدمار؟
تكشف البيانات الرسمية عن واقع مقلق، إذ بات ما يقارب نصف سكان العالم عرضة بشكل مباشر أو غير مباشر لتداعيات التغير المناخي[5]. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن كل عام من الأعوام العشرة الماضية، حتى عام 2024، قد صُنّف ضمن قائمة السنوات الأكثر حرارة [6]على الإطلاق، في حين أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن عام 2024 كان الأشد حرارة في التاريخ المسجّل. [7]
وتستطرد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقاريرها موضحةً أن غازات الاحتباس الحراري بلغت مستويات قياسية غير مسبوقة في عام 2023، وهو ما انعكس بوضوح على ارتفاع درجات حرارة المحيطات. كما كشفت التقارير عن أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر خلال الفترة من 2014 إلى 2023 قد تضاعف بأكثر من مرتين مقارنة بالفترة بين عامي 1993 و2002. ولم تقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ سجلت الأنهار الجليدية خلال عام 2023 خسائر قياسية في كتلتها المائية.

وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تظل درجات الحرارة عند مستوياتها القياسية أو قريبة منها طوال السنوات الخمس المقبلة [8]، في حين وصفت منظمة «إسناد الطقس العالمي» (World Weather Attribution) الظواهر الجوية المتطرفة بأنها بلغت «مستويات خطيرة غير مسبوقة في عام 2024» [9]. وتشير التقديرات إلى أن أعداد الضحايا الذين حصدت أرواحهم هذه الظواهر المناخية العنيفة قد تفاقمت في عام 2024، لتصل إلى عشرات، بل ربما مئات الآلاف من البشر.

ما تأثير التغير المناخي على الدول المختلفة؟
من المسلّم به أن جميع دول العالم، دون استثناء، تقع تحت وطأة التغير المناخي بدرجات متفاوتة؛ غير أن مستوى الجاهزية لمواجهته يتباين تبعاً لطبيعة المخاطر وحدّتها في كل دولة، سواء كانت موجات حر شديدة في المناطق القاحلة، أو فيضانات عارمة تكتسح المناطق الساحلية. وفي هذا الصدد، يحدّد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) [10]خمسة إجراءات محورية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز جهوزيتها:
- أنظمة الإنذار المبكر
- استعادة النظم البيئية
- تطوير بنية تحتية قادرة على الصمود في وجه التغير المناخي
- تأمين إمدادات المياه وضمان استدامتها
- اعتماد تخطيط استراتيجي طويل الأمد
ومن شأن هذه الإجراءات مجتمعة أن تحدّ من حجم الخسائر الناجمة عن التغير المناخي.
وكما تشير اللجنة الدولية للإنقاذ [11]، فإن الفئات السكانية الأكثر هشاشة غالباً ما تجد نفسها في الخطوط الأمامية لمواجهة تداعيات التغير المناخي، رغم مساهمتها المحدودة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتتركز هذه الدول بشكل أساسي في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، ما يفرض مسؤولية مضاعفة على الدول المتقدمة لدعم غيرها في مضمار الاستعداد لمواجهة التغير المناخي.
غير أن الاستعداد للتغير المناخي لا يقتصر على الدول النامية فحسب، إذ قد تواجه الدول المتقدمة أيضاً بعضاً من أشد تداعياته. فالتهديدات المناخية لا تقيم وزناً للحدود الجغرافية. وبحسب الوكالة الأوروبية للبيئة، فإن أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً على مستوى العالم، ما يدل على شمولية التهديد واتساع نطاقه. [12]
ويمكن ترجمة العديد من توصيات الأمم المتحدة إلى إجراءات عملية على المستوى المحلي داخل المدن والمجتمعات، ومن أبرزها:
- التوسع في زراعة الأشجار لخفض درجات الحرارة داخل المدن.
- تحويل المباني إلى منشآت خضراء، لا سيما من حيث كفاءة استهلاك الطاقة.
- تصميم مبانٍ أكثر قدرة على التكيّف مع الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الأعاصير والزلازل.
- تطوير نظم ذكية لإدارة المياه والحد من الهدر.
- تعزيز منظومات الحماية من الفيضانات
- اعتماد وسائل نقل صديقة للبيئة، بما في ذلك المركبات الكهربائية منخفضة الانبعاثات
- تحفيز الجمهور على استخدام النقل الجماعي أو ركوب الدراجات والمشي.
ومن بين المقاربات المبتكرة، تبرز فكرة «المدن الإسفنجية» (Spongy Cities) [13]، التي تُسخّر الطبيعة المحيطة من متنزهات وممرات مائية كجزء أصيل من منظومة الحماية من الفيضانات. وتعد مدينة أوكلاند في نيوزيلندا نموذجاً يحتذى به في هذا المضمار، حيث استبدلت قنوات الصرف الخرسانية بمنظومات نباتية تعتمد على القصب والسرخسيات القادرة على امتصاص المياه. ومع ذلك، تواجه هذه التوجهات تحديات اقتصادية، إذ تتصادم أحياناً مع الحاجة المتزايدة إلى التوسع العمراني، كما هو الحال في أوكلاند تحت ضغط شركات التطوير العقاري، رغم انخفاض كثافتها السكانية نسبياً. [14]
وعلى صعيد آخر، تنتهج بعض الدول سياسة «العصا والجزرة» لتعزيز قدرة البنية التحتية الحيوية على الصمود في وجه التغير المناخي، من خلال الجمع بين الحوافز والعقوبات لضمان الامتثال للمعايير[15].
فتتمثل «الجزرة» في تقديم دعم مالي ومنح لتشجيع الشركات على تطوير بنية تحتية مرنة وقادرة على التكيّف، بينما تتمثل «العصا» في فرض غرامات وعقوبات تنظيمية في حال الإخفاق في الالتزام بالمعايير أو التأخر في تنفيذ المشاريع أو تعطل الخدمات الأساسية.

وتزخر دول العالم [16]بنماذج ناجحة لمدن تبنّت استراتيجيات ذكية في التكيّف مع التغير المناخي، ما يؤكد على أن التحولات البسيطة قادرة على إحداث فارق جوهري. كما تعكس هذه النماذج أهمية دمج مفهوم الصمود المناخي في صميم عمليات التخطيط العمراني منذ مراحلها الأولى.
وفي هذا الإطار، تبرز زراعة الأشجار كإجراء بسيط ظاهرياً، لكنه بالغ الأثر عملياً؛ ففي كندا، وضعت مدينة تورونتو نصب أعينها هدفاً طموحاً لزيادة غطائها الشجري ليصل إلى 40% بحلول عام 2025، عبر زراعة 120,000 شجرة سنوياً [17]. ولا تقتصر فوائد الأشجار على الحد من مخاطر الفيضانات والانزلاقات الأرضية، بل تمتد إلى تبريد المدن، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز الصحة العامة، فضلاً عن رفع القيمة السوقية للعقارات.
كما تبرز مبادرة «الحدائق الحضرية» كحل مبتكر يجمع بين البساطة والفعالية، إذ توفر هذه المساحات الخضراء متنفساً بيئياً داخل المدن، وتؤدي في الوقت ذاته دوراً مهماً في دعم الأمن الغذائي للسكان. وتُجسد مدينتا دريسدن في ألمانيا وبرازافيل في جمهورية الكونغو نموذجاً للتعاون الدولي في هذا المجال؛ ففي برازافيل، يجمع أحد المشاريع بين الزراعة الحضرية والتعليم المدرسي وإنتاج الغذاء، بينما تعمل دريسدن على توظيف حدائقها الصغيرة لتحقيق رؤيتها كـ«مدينة منتجة للغذاء». [18]
كيف نبني قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التغير المناخي؟
تتخذ القدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي أشكالاً متعددة ومتداخلة؛ وفي هذا السياق، أُنشئت اللجنة العالمية المعنية بالتكيف في عام 2018 للحفاظ على زخم العمل المناخي وتعزيزه. وتقدّر اللجنة أن استثمار نحو 1.8 تريليون دولار في خمسة مجالات حيوية خلال الفترة من 2020 إلى 2030 يمكن أن يحقق عوائد صافية تصل إلى 7.1 تريليون دولار، ما يعكس الجدوى الاقتصادية الكبيرة للتحرك المبكر [19] (انظر الجدول).

وليس مستغرباً أن تظل كلفة التحرك لمواجهة التغير المناخي موضع جدال، إلا أن هذا التردد يبدو غير مبرر في ضوء الكلفة الباهظة والمتضاعفة المترتبة على التقاعس. ولا شك أن شح التمويل المخصص للعمل المناخي يمثل معضلة شائكة؛ إذ جاء تقرير فجوة التكيف لعام 2023، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة حاملاً عنواناً فرعياً بليغاً: “تمويل قاصر.. وجاهزية غير مكتملة” [20]. ويستعرض التقرير سبع آليات لتعزيز التمويل عبر توليفة تجمع بين الإنفاق المحلي، والتمويل الدولي، واستثمارات القطاع الخاص (انظر الشكل أدناه).

ومن المبادرات الجديرة بالثناء «عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم البيئية 2021–2030»، والتي ترفع شعار: «بإمكان الجميع المساهمة في استعادة الطبيعة[21]، عبر منع تدهور النظم البيئية ووقفه وعكس مساره. ويتكامل مع هذا الإطار «تعهّد استعادة الأرض»، الذي يتيح للأفراد والمؤسسات على حد سواء الإسهام في جهود استعادة النظم البيئية.
وتتركز جهود مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث على «تعزيز أضعف الحلقات في منظومات الإنذار المبكر» [22]. ومن الملاحظات الجوهرية في هذا السياق أن الاعتماد على المنطق وحده لا يكفي لحث المجتمعات على الاستعداد؛ إذ يتطلب الأمر تطوير آليات تواصل فعّالة ومباشرة مع الفئات الأكثر عرضة للمخاطر. وفي هذا الإطار، تجسد المنصة العالمية للحد من المخاطر التي أطلقها المكتب نهجاً إنسانياً قائماً على مبدأ «عدم إقصاء أي فئة». وفي جبهة أخرى، يدير البنك الدولي آليات تمويل عالمية [23] تسهم في مساعدة الدول الأفقر على تقليل مستوى هشاشتها، بما في ذلك من خلال تقديم منح وتمويلات ميسّرة.
وتُعد تنزانيا نموذجاً عملياً في هذا المسار، حيث حصلت مبادرات التوسع في الغطاء الشجري وتعزيز الجاهزية لمواجهة الفيضانات على تمويلات بقيمة 1.7 مليار دولار من البنك الدولي [24]. وتشمل هذه الجهود إشراك المجتمعات المحلية في رسم خرائط للمناطق المعرّضة للفيضانات، بما يعزز الفهم الدقيق لبؤر المخاطر. وفي سياق متصل، تعمل كولومبو في سريلانكا على حماية الأراضي الرطبة للمياه العذبة ضمن استراتيجية شاملة لإدارة مخاطر الفيضانات. [25]
ما هو «صندوق الخسائر والأضرار»؟
أضحى من المسلّم به أن الأضرار الناجمة عن تغير المناخ لم تعد تهديداً مستقبلياً، بل واقعاً ملموساً تتكبده الدول اليوم بكل تبعاته. ويكمن التحدي في كيفية تقييم هذه الخسائر ومعالجتها والتخفيف من وطأتها. وهنا يبرز مفهوم «الخسائر والأضرار»، الذي يشير إلى «العواقب المناخية التي تتجاوز قدرة البشر على التكيف معها» [26]. وقد تم الإقرار رسمياً بالحاجة إلى إنشاء «صندوق للخسائر والأضرار» لتعويض الدول الأكثر تضرراً – لا سيما بلدان الجنوب العالمي – عن تداعيات التغير المناخي، وذلك خلال مؤتمر الأطراف السابع والعشرين (COP27) في عام 2022. وعلى إثر ذلك، تم إنشاء هذا الصندوق لتوفير دعم مالي للدول التي تصارع لمواجهة الأضرار [27] الناتجة عن التغير المناخي. وفي مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28) عام 2023، أُنيط بالبنك الدولي مهمة تفعيل الصندوق. وبحلول مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين (COP29) في عام 2024، تجاوزت التعهدات المقدمة للصندوق 720 مليون دولار أمريكي. [28]
وتتخذ هذه الخسائر أبعاداً متعددة، تمتد من الخسائر الاقتصادية— مثل النزوح وتدمير سبل العيش— إلى خسائر غير اقتصادية، كفقدان التراث الثقافي. ومع ذلك، لا يزال الصندوق محل نقاش واسع، إذ يثير تساؤلات جوهرية حول مصادر تمويله، وحجم المساهمات، وما إذا كانت هذه المساهمات تُعد إقراراً ضمنياً بالمسؤولية القانونية عن الكوارث المناخية. وقد سعى مؤتمر الأطراف التاسع والعشرون (COP29) إلى معالجة بعض هذه الإشكاليات، حيث توافق المشاركون على أن التمويل ينبغي أن يستند إلى مبدأ «التعاون والتيسير» بدلاً من «المسؤولية القانونية». ومن المتوقع أن يشهد مؤتمر الأطراف الثلاثون (COP30)، المزمع عقده في بيليم في البرازيل في نوفمبر 2025، جهوداً متجددة لتعزيز حجم المساهمات في هذا الصندوق.
ويُعزى التردد في دعم الصندوق، في جانب منه، إلى الشكوك المحيطة بمدى فعاليته؛ إذ يرى بعض النقاد أن الأطر المالية الحالية لم تُصمم لمواجهة تحديات بهذا الحجم الهائل. [29] وفي هذا الإطار، يبرز نهج «الاستهداف الدقيق» كحل محتمل، حيث اقترح معهد لوي للدراسات السياسية [30]تخصيص التمويل وفق مؤشر مركب يجمع بين درجة هشاشة الدولة أمام التغير المناخي ومستوى ناتجها المحلي الإجمالي، بما يضمن توجيه الموارد إلى الدول الأكثر احتياجاً واستحقاقاً.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه أنظمة الإنذار المبكر؟
تمثل أنظمة الإنذار المبكر أحد الركائز الأساسية في جهود الاستعداد للتغير المناخي، إذ تقدم نموذجاً عملياً لكيفية التعامل الفعّال مع الظواهر الطبيعية الخارجة عن السيطرة. وتضطلع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بدور محوري في دعم هذه الأنظمة [31]، من خلال إطار يرتكز على أربعة عناصر رئيسية: المعرفة، والرصد، والتواصل، والجاهزية.
وفي هذا السياق، تشير مبادرة «الإنذارات المبكرة للجميع» إلى أنه بحلول عام 2024، أصبحت 108 دول تمتلك قدرات متفاوتة لتشغيل أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر، مقارنة بنحو 52 دولة فقط في عام 2015. [32] وتشمل هذه الأنظمة حزمة من الإجراءات الحيوية، من بينها:
- جمع البيانات لتعميق فهم مخاطر الكوارث
- تطوير خدمات الكشف والرصد والمراقبة
- إيصال المعلومات المتعلقة بالمخاطر
- تعزيز قدرات الاستجابة على المستويين الوطني والمجتمعي
وتعد هايتي نموذجاً حياً لهذه الجهود؛ ففي ظل هشاشتها أمام مزيج مدمر من الأعاصير والفيضانات والزلازل، تعكف البلاد على استخدام تمويلات البنك الدولي لإرساء بروتوكولات تضمن جاهزية السلطات وقدرتها على الاستجابة للتهديدات بكفاءة أعلى [33]. كما يواجه حوض الميكونغ السفلي في آسيا مخاطر فيضانات متكررة نتيجة التقلبات الحادة بين موسمي الجفاف والأمطار، حيث يوفر نظام الإنذار المبكر— ضمن مشروع تدعمه المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في كمبوديا ولاوس [34]— تحديثات يومية وتحذيرات مسبقة تصل إلى خمسة أيام، ما يمنح المجتمعات نافذة زمنية مصيرية للاستعداد والمواجهة.
ونظراً للأحجام الهائلة من البيانات التي يتطلبها تحليل أنظمة الإنذار الجوي، برز الذكاء الاصطناعي كأداة لا غنى عنها؛ إذ يُنظر إليه كوسيلة لسد فجوات المعرفة في المناطق التي تعاني من محدودية بيانات الطقس. وفي هذا الإطار، تشجّع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية استخدام التنبؤات الجوية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بهدف توسيع نطاق وصول الدول إلى أدوات تكنولوجية متقدمة تستشرف الكوارث المناخية قبل وقوعها. [35]
ويحدوني بالغ الفخر أن «مجتمع جميل»، الذراع الخيرية العالمية لعائلة جميل، تؤدي دوراً فاعلاً في تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز القدرة على الصمود المناخي في المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر.
ومن أبرز هذه المبادرات تأسيس «مرصد جميل» في عام 2021 ليكون منصة عالمية تعمل عند تقاطع مجالات المناخ والكوارث الطبيعية والنظم الزراعية والغذائية والصحة، مع تركيز خاص على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويعتمد المرصد على البيانات والأدلة العلمية لمساعدة المجتمعات والحكومات على الاستعداد للصدمات البيئية ومواجهتها، فضلاً عن التخفيف من آثار التغير المناخي على سبل العيش والرفاه المجتمعي. كما يوجّه المرصد أعمال «شبكة مرصد جميل للعمل المبكر في مجال الأمن الغذائي» بقيادة جامعة إدنبرة، و«شبكة أنظمة الإنذار المبكر لتعزيز الصمود المناخي (CREWSnet)» التابعة لمرصد جميل، بقيادة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وتُعد «شبكة مرصد جميل لأنظمة الإنذار المبكر لتعزيز الصمود المناخي» واحدة من المشاريع الخمسة الرائدة ضمن مبادرة «تحديات المناخ الكبرى» في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث تسعى الشبكة إلى تمكين المجتمعات حول العالم من التكيف مع الصدمات المناخية، من خلال مزيج يجمع بين أحدث تقنيات التنبؤ المناخي والاجتماعي الاقتصادي والحلول التقنية المتقدمة. ومع توجيه تركيزه في مرحلته الأولى نحو المجتمعات في جنوب غرب بنغلاديش والسودان، يعمل المشروع على توفير بيانات تنبؤية دقيقة واستباقية حول الأحوال الجوية المرتقبة، بما يعزز جاهزية المجتمعات وقدرتها على إدارة المخاطر بفعالية، إلى جانب نقل الأبحاث من أروقة المختبرات إلى حيز التطبيق الميداني، بما يسهم في انتشال السكان من براثن الفقر عبر تعزيز الإنتاجية.
وعلى المنوال نفسه، يهدف «مرصد جميل للعمل المبكر في مجال الأمن الغذائي» إلى ضمان أن تكون المجتمعات الرعوية وشبه الرعوية الهشة في شرق أفريقيا أكثر جاهزية وقدرة على الصمود في مواجهة آثار الصدمات البيئية المتلاحقة وتأثيراتها على أمنها الغذائي ونظمها الغذائية.
هل بوسعنا أن نصل يوماً إلى مرحلة الجاهزية التامة لمواجهة تداعيات تغير المناخ؟
يمثل التغير المناخي، بحق، مصدر قلق متنامٍ للمجتمعات في مختلف أنحاء العالم. غير أن المؤشرات الراهنة توحي بأن نداءات التحذير بدأت تجد آذاناً صاغية، وإن ظل التفاعل معها متفاوتاً بين منطقة وأخرى.
وعلى الرغم من جسامة التحديات التي تتربص بكوكبنا، وتوالي التوقعات القاتمة التي تتردد في الخطاب الإعلامي، إلا أنني أومن يقيناً بأن هناك متسعاً كبيراً للتفاؤل؛ فمن خلال ترسيخ مفهوم الصمود، وتعزيز الالتزام الجماعي، وتنمية القدرات على التكيّف، مقرونةً بالابتكار والعزيمة، يمكننا صون عالمنا عبر جهد جماعي منسق يحدّ من أسوأ تداعيات التغير المناخي ويعزز القدرة على التعايش معها.
حقائق سريعة حول الجاهزية للتغير المناخي
س: كم يبلغ عدد الأشخاص المعرضين لمخاطر التغير المناخي حول العالم؟
ج: تشير البيانات الرسمية إلى أن ما يقرب من نصف سكان العالم معرّضون لتداعيات التغير المناخي.
س: ما الذي ميّز درجات الحرارة العالمية في عام 2024؟
ج: تأكد رسمياً أن عام 2024 هو العام الأشد حرارة على الإطلاق في التاريخ، كما أن كل عام من الأعوام العشرة السابقة له (وصولاً إلى 2024) قد سُجل ضمن قائمة السنوات الأكثر حرارة تاريخياً.
س: ما هي العوائد المتوقعة من استثمار 1.8 تريليون دولار أمريكي في تعزيز القدرة على الصمود المناخي؟
ج: تقدّر اللجنة العالمية المعنية بالتكيف أن استثمار 1.8 تريليون دولار أمريكي في خمسة مجالات رئيسية لتعزيز القدرة على الصمود المناخي خلال الفترة من 2020 إلى 2030 يمكن أن يحقق فوائد صافية تصل قيمتها إلى 7.1 تريليون دولار.
س: ما هو إجمالي المبالغ التي تم التعهد بها لصندوق “الخسائر والأضرار” بحلول مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين (COP29)؟
ج: بحلول مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في عام 2024، تجاوزت التعهدات المقدمة لصندوق الخسائر والأضرار 720 مليون دولار أمريكي، وهو الصندوق الذي يوفّر دعماً مالياً للدول التي تواجه أضرار التغير المناخي.
س: كم عدد الدول التي امتلكت القدرة على تشغيل أنظمة الإنذار المبكر بحلول عام 2024؟
ج: بلغ عدد الدول التي تمتلك قدرات – ولو جزئية – في أنظمة الإنذار المبكر متعددة المخاطر 108 دولة في عام 2024، مقارنة بنحو 52 دولة فقط في عام 2015.
[1] https://www.un.org/en/climatechange/what-is-climate-change
[2] https://www.ipcc.ch/2021/08/09/ar6-wg1-20210809-pr/
[3] https://www.un.org/en/climatechange/what-is-climate-change
[4] https://www.ipcc.ch/report/ar6/syr/downloads/figures/IPCC_AR6_SYR_SPM_Figure1.png
[5] https://www.un.org/en/climatechange/climate-adaptation
[6] https://wmo.int/media/news/climate-change-impacts-grip-globe-2024
[7] https://wmo.int/news/media-centre/2024-track-be-hottest-year-record-warming-temporarily-hits-15degc
[8] https://wmo.int/news/media-centre/global-climate-predictions-show-temperatures-expected-remain-or-near-record-levels-coming-5-years
[9] https://www.worldweatherattribution.org/when-risks-become-reality-extreme-weather-in-2024/
[10] https://www.unep.org/news-and-stories/story/5-ways-countries-can-adapt-climate-crisis
[11] https://www.rescue.org/uk/article/10-countries-risk-climate-disaster
[12] https://www.eea.europa.eu/en/topics/in-depth/climate-change-impacts-risks-and-adaptation
[13] https://foresight.skanska.com/resilience/designing-and-building-climate-resilient-cities/
[14] https://www.weforum.org/videos/auckland-is-the-worlds-spongiest-city/
[15] https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2024/04/infrastructure-for-a-climate-resilient-future_c6c0dc64/a74a45b0-en.pdf
[16] https://gca.org/wp-content/uploads/2019/09/GlobalCommission_Report_FINAL.pdf
[17] https://www.cbc.ca/news/canada/toronto/toronto-urban-forests-housing-challenge-1.7178210
[18] https://www.connective-cities.net/wp-content/uploads/2025/06/Dresden_and_Brazzaville_embrace_urban_gardening_28.pdf
[19] https://gca.org/wp-content/uploads/2019/09/GlobalCommission_Report_FINAL.pdf
[20] https://www.unep.org/resources/adaptation-gap-report-2023
[21] https://www.decadeonrestoration.org/
[22] https://www.undrr.org/news/global-platform-elevates-risk-communication-essential-disaster-risk-reduction
[24] https://www.worldbank.org/en/news/immersive-story/2025/06/16/gfdrr-engagement-with-tanzania
[25] https://blogs.worldbank.org/en/endpovertyinsouthasia/wetland-centers-and-fight-against-climate-change
[26] https://www.wri.org/insights/loss-damage-climate-change
[27] https://unfccc.int/establishing-a-dedicated-fund-for-loss-and-damage
[28] https://cop29.az/en/media-hub/news/fund-for-responding-to-loss-and-damage-ready-to-accept-contributions
[29] https://ecdpm.org/work/broken-promise-loss-and-damage-finance-can-europe-help
[30] https://www.lowyinstitute.org/publications/climate-loss-damage-fund-works
[31] https://wmo.int/activities/early-warnings-all/wmo-and-early-warnings-all-initiative
[32] https://earlywarningsforall.org/site/early-warnings-all
[33] https://blogs.worldbank.org/en/dev4peace/scaling-early-warning-systems-communities-fragile-and-conflict-zones
[34] https://library.wmo.int/viewer/69588/download?file=CREWS-Stories-Success-Cambodia-Lao-2025_en.pdf&type=pdf&navigator=1
[35] https://wmo.int/media/news/ai-powered-meteorology-supports-early-warnings-all?book=22533
أُضيفت إلى الملف الصحفي