ثمة مادة يُعتقد أنها تشكل الجزء الأكبر من الكون، لكنها في الوقت ذاته من أكثر مكوناته استعصاءً على الرصد والفهم. فعلى الرغم من عقود من البحث العلمي المكثف، لم يتمكن العلماء من رؤيتها بصورة مباشرة، كما أخفقت أكثر الأدوات العلمية تطوراً في التقاط دليل قاطع على وجودها. وتُعرف هذه المادة الغامضة باسم «المادة المظلمة»، وهي القوة الخفية التي تحفظ تماسك المجرات وتسهم في تشكيل النسيج الكوني الذي تنتظم ضمنه بنية الكون. ورغم دورها المحوري في فهم طبيعة الكون وتطوره، فقد ظلت لعقود طويلة حبيسة النظريات والافتراضات العلمية بسبب طبيعتها الغامضة وصعوبة رصدها. غير أن هذا الواقع قد يكون على وشك أن يتغير، بفضل تقنية متطورة تعد للمرة الأولى بإزاحة الستار عن أحد أكثر الجسيمات دون الذرية غموضاً وإثارة للحيرة في الكون.

ويكمن هذا الإنجاز العلمي الواعد في تقنية الاستشعار الكمّي، وهي تقنية تتميز بدقة وحساسية تتجاوزان بكثير حدود أدوات القياس التقليدية. ففي خطوة قد تمهّد الطريق [1] لكشف أحد أعظم ألغاز الكون، سيعتمد الباحثون على أجهزة استشعار بصرية ميكانيكية (Optomechanical Sensors) — يمكن تصورها على أنها أغشية مجهرية مصممة للاهتزاز عند تعرضها لقوى متناهية الصغر — لرصد التفاعلات الخفية للمادة المظلمة، ومن ثم إثبات وجودها أخيراً باستخدام الضوء الكمّي.

وبذلك، قد تسهم تقنية الاستشعار الكمّي في حل واحدة من أعمق الألغاز التي حيّرت العلماء بشأن الكون. إلا أن تطبيقاته لا تقتصر على حدود البحوث النظرية أو أسرار الفيزياء الكونية. ففي الواقع، يُتوقع أن تسهم هذه التقنية في الارتقاء بالعديد من جوانب الحياة اليومية، بدءاً من السفر والرعاية الصحية، مروراً بالسلامة والأبحاث العلمية، وصولاً إلى التجارة والصناعة. وهي أداة تمتلك، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، القدرة على إطلاق آفاق جديدة للإمكانات البشرية، من خلال مجموعة واسعة من الاستخدامات الحيوية، من أبرزها:

  • رصد أكثر حساسية ودقة للظواهر التكتونية والتغيرات الجاذبية، بما يتيح الإنذار المبكر بالكوارث الطبيعية مثل أمواج تسونامي والزلازل والثورات البركانية.
  • توفير فهم أعمق للعمليات والعوامل المسببة للتغير المناخي.
  • إعداد خرائط فائقة الدقة للبيئات الواقعة تحت سطح الأرض، كالمناجم وأنفاق النقل وشبكات الصرف الصحي ومرافق البنية التحتية العامة.
  • تعزيز سلامة وكفاءة تشغيل المركبات ذاتية القيادة على الطرق وفي البحار والأجواء، حتى في ظروف الحركة المرورية الكثيفة والمزدحمة.
  • تطوير تقنيات فائقة الدقة لتحديد المواقع، تتجاوز بأشواط قدرات أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) المستخدمة حالياً.
  • إنتاج صور طبية عالية الدقة تتيح للأطباء تشخيص وعلاج المرضى الذين يعانون من مجموعة واسعة من الأمراض بمستويات غير مسبوقة من الدقة.

ومع هذا القدر الهائل من الإمكانات، تبدو آفاق النمو أمام تقنيات الاستشعار الكمّي واعدة للغاية. إذ تشير التوقعات إلى أن القيمة السوقية لهذا القطاع قد تصل إلى نحو 1 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، وبمعدل نمو سنوي مركب يتراوح بين 10% و15%، قبل أن ترتفع إلى ما يصل إلى 6 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2040 مع بدء هذه التقنيات في الحلول تدريجياً محل أجهزة الاستشعار التقليدية في مجموعة متزايدة من التطبيقات والقطاعات. [2]

لكن ما هو الاستشعار الكمّي تحديداً؟ وكيف يمكن لتقنية تعمل في عالم الجسيمات المتناهية الصغر أن تُحدث تأثيرات بهذا الحجم في عالمنا؟

كيف يعمل الاستشعار الكمّي؟

يُعد الاستشعار الكمّي أحد أبرز فروع منظومة التقنيات الكميّة الناشئة. وتعتمد هذه التقنية على الخصائص الفريدة لفيزياء الكم – مثل الحقول المغناطيسية الدقيقة، والتغيرات الدقيقة في الجاذبية، والتحولات الطفيفة في الزمن والحركة – لقياس أدق التغيرات التي تطرأ على العالم من حولنا. ومن خلال توظيف هذه الخصائص الاستثنائية، تتحول الأنظمة الكميّة الحساسة إلى أدوات قياس تتمتع بدرجات غير مسبوقة من الدقة.

وفي قلب أي مستشعر كمي، يقبع نظام كمي يمكن التحكم به بأي شكل من الأشكال، سواء كانت ذرات منفردة أو أيونات أو فوتونات، تخضع جميعها لقوانين الفيزياء الكميّة. ويمكن لهذه الجسيمات أن توجد في مستويات طاقية محددة بدقة، أو في حالة تراكب كمي تسمح لها بالوجود في عدة حالات في الوقت ذاته. ولتوليد قراءة ذات معنى وفائدة، يقوم المهندسون أولاً بتهيئة النظام في حالة كميّة معلومة، ثم يتيحون له التفاعل مع الظاهرة الفيزيائية المراد قياسها – كحقل مغناطيسي أو تدرج جاذبي على سبيل المثال – قبل أن يحللوا التغيرات التي طرأت على حالته الكميّة نتيجة هذا التفاعل.

وتتفوق التقنيات الكميّة على نظيراتها التقليدية لأن الحالات الكميّة تستجيب بدرجة فائقة الحساسية للبيئة المحيطة بها، لدرجة أن أقل الاضطرابات وأصغرها تترك وراءها بصمة واضحة يمكن قياسها.

وتسهم مجموعة من المفاهيم الكميّة في تعزيز هذه الحساسية الاستثنائية. من أبرزها «التماسك الكمّي» (Quantum Coherence)، حيث يحافظ الجسيم على علاقة مستقرة بين عدة حالات كميّة لفترة كافية تسمح له بتجميع معلومات دقيقة عن محيطه. وهناك أيضاً «التشابك الكمّي» (Quantum Entanglement)، الذي ترتبط فيه عدة جسيمات بحالات مترابطة، بحيث يمكن لقياس أحدها أن يكشف معلومات عن الجسيمات الأخرى. وعند توظيف هذه الظواهر في أجهزة الاستشعار، فإنها تساعد على تقليل الضوضاء القياسية وتعزيز الإشارة المرصودة، ما يرفع مستويات الدقة إلى حدود تتجاوز بكثير إمكانات الأجهزة التقليدية.

ما مدى التقدم الذي أحرزناه في مسيرة تطوير الاستشعار الكمّي؟

في الواقع، أصبحت بعض أجهزة الاستشعار الكميّة جزءاً من التقنيات المستخدمة يومياً. ويُعدّ مثال الساعات الذرية من أبرز هذه التطبيقات، إذ تشكل العمود الفقري لأنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS)، مستفيدةً من مستويات الطاقة الكميّة المستقرة للغاية داخل الذرات. أما الأنواع الأخرى من أجهزة الاستشعار الكميّة فما تزال في مراحل متفاوتة من التطوير والتجريب. وتستخدم أحدث هذه الأجهزة ذرات فائقة البرودة، أو دوائر فائقة التوصيل، أو عيوباً بلورية داخل الألماس تُعرف باسم «مراكز فجوة النيتروجين» (Nitrogen-Vacancy Centers)، وذلك لرصد إشارات أضعف من أي وقت مضى. وقد بدأت هذه الأجهزة بالفعل في فتح آفاق كانت تُعد حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال العلمي، مثل أنظمة الملاحة التي تعمل من دون أقمار صناعية، وتقنيات التصوير الطبي فائقة الحساسية، والأدوات القادرة على رسم خرائط للبنى التحتية تحت الأرض بمجرد قياس التغيرات الدقيقة في جاذبية الأرض.

وفي أنحاء مختلفة من العالم، بدأت مراكز بحثية متخصصة بالظهور لاستكشاف هذه المفاهيم وتطوير تطبيقاتها. ومن بين أبرز هذه المراكز «مجموعة التقنيات الكميّة المتقدمة» (Advanced Quantum Technologies Group) التابعة لمختبر لينكولن (Lincoln Laboratory) في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). ويعمل مهندسو المختبر على توسيع حدود المعرفة في العالم الكمّي من خلال تطوير مجموعة من الأجهزة الواعدة، تشمل منصات اختبار للحوسبة المعتمدة على الأيونات، وساعات فائقة الدقة، ومقاييس مغناطيسية متقدمة، وأنظمة مجهرية كميّة مخصصة لتشخيص المكونات الإلكترونية الدقيقة.

وقد نجحت مجموعة التقنيات الكميّة المتقدمة بالفعل في استحداث أساليب قياس جديدة تعتمد على كواشف نانوية فائقة الحساسية، قادرة على رصد نطاق أوسع بكثير من الترددات مقارنة بالتقنيات الحالية. وفي مارس 2026، أعلنت المجموعة نجاحها في احتجاز الأيونات باستخدام إلكترونيات مبردة تعمل داخل بيئات مفرغة من الهواء، الأمر الذي أسهم في خفض الضوضاء الحرارية وتعزيز الحساسية القياسية، في خطوة محورية نحو بناء أنظمة حوسبة كميّة قابلة للتوسع على نطاق واسع.

ومن المتوقع أن تسهم البيانات والرؤى التي توفرها أجهزة الاستشعار الكميّة في إحداث قفزة نوعية في الأداء عبر طيف واسع من القطاعات، بما يشمل صناعة الطائرات، وعلوم المناخ، والرعاية الصحية، والأمن السيبراني، والجيولوجيا والهندسة، والتأمين، واستخراج المعادن، والإدارة البيئية، والشحن البحري، واستكشاف الفضاء، وتحقيق التوازن في شبكات الطاقة الكهربائية، وغيرها من المجالات الحيوية.

وما لم نكن من العاملين في هذا المجال، فإن الكثير منا قد يجد صعوبة في استيعاب الجوانب العملية والإمكانات والحدود التقنية للاستشعار الكمّي. إلا أن التعمق في دراسة تطبيقاته ضمن مجالات محددة، مثل التنبؤ بالكوارث الطبيعية واستكشاف العوالم الخفية تحت سطح الأرض، يكشف لنا بوضوح حجم التحول الذي قد تحدثه هذه التقنية خلال السنوات المقبلة

هل يفتح الاستشعار الكمّي آفاقاً جديدة لحماية مستقبلنا؟

أودت موجات تسونامي التي ضربت المحيط الهندي في ديسمبر 2004 بحياة ما يقارب ربع مليون شخص، كما خلفت أعداداً لا تُحصى من الجرحى والمشردين والمعوزين. لكن ماذا لو كانت هناك آنذاك أنظمة قادرة على توفير إنذار مبكر بالزلزال الذي تسبب في تلك الكارثة، بما يمنح السكان الوقت الكافي للفرار نحو مناطق أكثر ارتفاعاً وأماناً؟

ربما تصبح التنبؤات الأكثر دقة بالكوارث الطبيعية أمراً اعتيادياً في المستقبل، وإذا تحقق ذلك، فقد يكون للاستشعار الكمّي فضل كبير في الوصول إلى هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، استثمرت المملكة المتحدة مؤخراً ما يقارب 1 مليون دولار أمريكي من خلال «صندوق شراكات العلوم الدولية» بالتعاون مع نيوزيلندا، بهدف تطوير تقنيات الأنظمة الكميّة في «المختبر الوطني الفيزيائي» (NPL) في لندن. [3] وتركز هذه الجهود على توظيف تقنيات التداخل البصري الكمّي عبر كابلات الاتصالات البحرية القائمة بالألياف الضوئية، لرصد المؤشرات المبكرة للزلازل والتيارات البحرية غير المنتظمة.

وفي موقع آخر داخل المملكة المتحدة، يعكف الباحثون في «مركز التقنيات الكميّة للمستشعرات والتوقيت» (Quantum Technology Hub for Sensors and Timing) بجامعة برمنغهام على تطوير أجهزة استشعار قادرة على اكتشاف التغيرات الدقيقة في حقل الجاذبية الناتجة عن التحركات المفاجئة للكتل الأرضية المرتبطة بالنشاط الزلزالي. وتعتمد هذه الأجهزة المتطورة من الجيل الجديد على السلوك الكمّي للذرات الباردة؛ وهي ذرات يتم تبريدها بواسطة الليزر والحقول المغناطيسية إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق، فتتوقف عن حركتها المعتادة وتبدأ في إظهار خصائص موجية فريدة. [4]

ويمكن للتغيرات الطفيفة الدالة في الجاذبية المحلية أن تسهم أيضاً في توفير إنذارات مبكرة للثورات البركانية، وهي كوارث لا تزال تحصد الأرواح بسبب محدودية قدرات أجهزة الرصد الزلزالي التقليدية. ففي يونيو 2018، ثار بركان «فولكان دي فويغو» في غواتيمالا، مطلقاً تدفقات حارة من الرماد والغازات والصخور البركانية اجتاحت القرى المجاورة وأودت بحياة أكثر من 150 شخصاً، فيما اعتُبر المئات في عداد المفقودين. وفي العام التالي، أدى انفجار بركاني مفاجئ على جزيرة «واكاري» في نيوزيلندا إلى مقتل 22 شخصاً وإصابة 25 آخرين. وبعد عامين، ثار جبل «سيميرو» في إندونيسيا، متسبباً في سقوط أمطار كثيفة من الرماد وتدفقات طينية بركانية أودت بحياة ما لا يقل عن 50 شخصاً.

وتُعد جزيرة تينيريفي في جزر الكناري اليوم ساحة اختبار حقيقية لتقنية جديدة في مجال الاستشعار الكمّي قد تتمكن مستقبلاً من إطلاق إنذارات مبكرة قبل وقوع مثل هذه الكوارث المدمرة. [5] وتحتضن الجزيرة جبل «تيدي»، وهو أعلى بركان في أوروبا، والذي أظهر خلال العقد الماضي مؤشرات متزايدة على عدم الاستقرار. وتضم الجزيرة حالياً ثلاثة أجهزة لقياس الجاذبية الكميّة المطلقة (Absolute Quantum Gravimeters – AQGs) طورتها شركة التكنولوجيا الفرنسية «إكسايل» (Exail).

وتعمل هذه الأجهزة عبر تبريد سحابة من ذرات الروبيديوم واحتجازها باستخدام الليزر، ثم إخضاعها لسلسلة من عمليات التداخل الموجي للمادة لقياس تسارعها أثناء سقوطها الحر تحت تأثير الجاذبية. ويتيح هذا التحليل رصد التغيرات التي تطرأ على المجال الجاذبي المحلي نتيجة تحرك الصهارة البركانية والغازات في أعماق الأرض. وتمتلك شركة «إكسايل» اليوم أكثر من 25 جهازاً من هذه الفئة قيد التشغيل في أوروبا والولايات المتحدة واليابان والصين وغرينلاند. [6]

ولا تقتصر قدرة المستشعرات الكميّة على كشف الكوارث الوشيكة فحسب، بل قد نعتمد عليها بصورة متزايدة في تشخيص الأعراض طويلة المدى لتهديد أكثر خطورة على مستقبل البشرية؛ ألا وهو: تغير المناخ.

فمقاييس التسارع الكميّة الفضائية، مثل تلك التي يجري تطويرها ضمن مشروع «كاريوكا-بي إم بي» (CARIOQA-PMP) الجديد التابع للاتحاد الأوروبي، والذي تبلغ قيمته 17 مليون يورو، ستساعد أجهزة الاستشعار المدارية على إنشاء خرائط فائقة الدقة للجاذبية الأرضية، كما ستزود العلماء ببيانات بيئية غير مسبوقة من حيث الدقة والموثوقية. [8]

وعندما تُطلق هذه الأجهزة إلى الفضاء ضمن مهمات مستقبلية، ستكون قادرة على تتبع التغيرات الدقيقة التي تطرأ على الغلاف الجوي للأرض وأنظمتها البيئية، بما في ذلك ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات البحار. ومن خلال التنبؤ بالأنماط المناخية المستقبلية، يمكن لهذه البيانات أن تسهم في توجيه الجهود الرامية إلى الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويهدف المشروع، وهو شراكة بين «المفوضية الأوروبية» وبرنامج «كوانتوم فلاغشيب» (Quantum Flagship)، إلى معالجة التحديات المزمنة المرتبطة برصد الجاذبية من الفضاء. فمقاييس الجاذبية التقليدية تواجه صعوبة في التقاط إشارات الجاذبية الضعيفة الصادرة عن كوكب الأرض عند قياس الفروق والتغيرات الدقيقة بين المناطق الجغرافية المختلفة. أما الجيل الجديد من مقاييس التسارع الكميّة، فسيمكن العلماء من إجراء حسابات تأخذ في الاعتبار مسار القمر الاصطناعي وسرعته، بما يعزز قوة الإشارة النهائية ويحسن جودة البيانات المستخلصة.

ويأمل فريق المشروع في «إحداث ثورة في علوم الأرض المعتمدة على الأقمار الاصطناعية»، ويستهدف تنفيذ أول إطلاق مداري لهذه التقنية في موعد لا يتجاوز عام 2030. [9]

هل يمكن للمستشعرات الكميّة أن تثري مجتمعاتنا؟

لطالما ظل العالم الكامن تحت سطح الأرض عصياً على الرصد المباشر، ومحاطاً بكثير من الغموض والأسرار. وهنا يبدو الاقتباس الشهير للكاتب والعالم البريطاني آرثر سي. كلارك: «أي تقنية متقدمة بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر» [10]، وصفاً بالغ الدقة للإمكانات التي تَعِد بها تقنيات الاستشعار الكمّي. فالأمر يكاد يبدو أقرب إلى السحر بالفعل؛ إذ تتيح هذه التقنية إمكانية «رؤية» ما يختبئ تحت سطح الأرض، وكشف ما ظل لعقود طويلة خارج نطاق إدراكنا المباشر.

فمن خلال الاستشعار الكمّي، سيتمكن المهندسون من اكتشاف الفراغات والتجاويف الجوفية بدقة غير مسبوقة، متجاوزين القيود التي تعيب تقنيات الرادار التقليدية المخترقة للأرض، ومتفادين في الوقت ذاته عمليات الحفر الاستكشافية المكلفة والمحفوفة بالمخاطر. وبالاعتماد على مقاييس الجاذبية الكميّة، يمكننا أن نتطلع إلى رسم خرائط جوفية أكثر تفصيلاً بكثير وبدقة مكانية فائقة الجودة.

ففي نوفمبر من عام 2023، تعرض نفق لطريق سريع مكون من حارتين في شمال الهند لانهيار جزئي أدى إلى احتجاز 41 عاملاً تحت الأرض قبل أن يتم إنقاذهم لاحقاً. وعُزي الحادث إلى وجود تكوينات صخرية ضعيفة غير متوقعة مكونة من صخور الغرين المتحولة وصخور الفيليت. [11]وفي يوليو 2025، انهار جزء من نفق «كليرووتر» لمياه الصرف الصحي في ويلمنغتون بمدينة لوس أنجلوس أثناء أعمال التحديث والتطوير، ما استدعى تنفيذ عملية إنقاذ لـ31 عاملاً. وأرجعت التحقيقات الحادث إلى ضغوط جيولوجية غير متوقعة تسببت في تعرض النفق لإجهادات أدت إلى انبعاجه نحو الداخل. كما تستطيع مقاييس الجاذبية الكميّة الكشف عن التجاويف الموجودة أسفل الطرق والمباني المقترحة، الأمر الذي يساعد المخططين على تجنب مناطق الانهيارات الأرضية الطبيعية والتأكد من ملاءمة التربة والطبقات التحتية قبل منح الموافقات اللازمة للمشروعات. [12]

ولا يقتصر دور أجهزة الاستشعار الكميّة على تعزيز السلامة العامة، بل يمتد أيضاً إلى دعم عمليات البحث عن الموارد الثمينة المدفونة في باطن الأرض، سواء كانت معادن أو نفطاً أو حتى مصادر للمياه. وتتمتع تقنيات الاستشعار المعتمدة على الذرات المتعادلة، مثل أجهزة قياس المجالات المغناطيسية البخارية الذرية ومقاييس التدرج، بقدرة استثنائية على قياس الحقول المغناطيسية الموجهة شديدة الضعف والتغيرات الدقيقة في الجاذبية، ما يرفع من دقة الخرائط الجوفية إلى مستويات غير مسبوقة. [13]

وفي عام 2025، على سبيل المثال، نجحت مقاييس الجاذبية الكميّة المستخدمة في منجم «راغلان» للنيكل التابع لشركة «غلينكور» في شمال كيبيك الكندية في إنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد لرواسب الخام وُصفت بأنها أكثر دقة بتسع مرات من الخرائط المعتمدة على قياسات الحقول المغناطيسية التقليدية.

وثمة تطبيق آخر يتمثل في «أجهزة التداخل الكمّي فائقة التوصيل» (Superconducting Quantum Interference Devices – SQUIDs)، التي تُستخدم بالفعل في أدوات الاستكشاف المحمولة التي طورتها منظمة الكومنولث الأسترالية للبحوث العلمية والصناعية (CSIRO). وتعتمد هذه الأجهزة على أجهزة استشعار كميّة قادرة على قراءة حقول مغناطيسية تعادل واحداً من مئة مليون من قوة المجال المغناطيسي للأرض، وقد نُسب إليها الفضل في اكتشاف رواسب معدنية تزيد قيمتها على 4 مليارات دولار أمريكي في أستراليا وحدها. [14]

ومع اتساع نطاق الفوائد الاقتصادية وتعاظم الآثار الإيجابية المرتبطة بالسلامة العامة، تتزايد القناعة بأن الاستشعار الكمّي قد يكون على أعتاب إحداث تحول نوعي في العديد من القطاعات. لكن من يتصدر اليوم مشهد الابتكار في هذا المجال؟ وما الخطوات اللازمة لضمان ترجمة هذا الزخم العلمي إلى نجاح تجاري واسع النطاق خلال العقود المقبلة؟

هل يتزايد زخم الاستثمار في التقنيات الكميّة؟

تشير وتيرة الاستثمارات وعمليات الاستحواذ في هذا المجال إلى وجود سوق واعدة ومتنامية لصناعات الاستشعار الكمّي المتقدمة، تضم طيفاً واسعاً من اللاعبين، بدءاً من عمالقة التكنولوجيا وشركات الصناعات الدفاعية، وصولاً إلى الشركات الناشئة المتخصصة. ومن بين أبرز المؤسسات التي تراهن بقوة على أجهزة الاستشعار الكميّة شركة «ساندبوكس إيه كيو» (SandboxAQ)، التابعة لمجموعة «ألفابت» (Alphabet) المالكة لشركة جوجل، إلى جانب شركات «هانيويل» (Honeywell)، و«لوكهيد مارتن» (Lockheed Martin)، و«آيون كيو» (IonQ).

وإلى جانب هذه الأسماء الكبيرة، تلعب مجموعة من الشركات الناشئة المتخصصة دوراً متزايد الأهمية في إعادة رسم ملامح القطاع وإحداث تغييرات جوهرية فيه. ففي الولايات المتحدة، تعمل شركة «إيه أو سينس» (AOSense) ومقرها كاليفورنيا على تطوير أجهزة قياس تداخلي ذري للملاحة وقياس الجاذبية، مع تطبيقات واسعة في مجال المسح الجيوفيزيائي. أما شركة «إنفليكشن» (Infleqtion)، التي تتخذ من ولاية كولورادو مقراً لها، فتطور تقنية تعتمد على الذرات الباردة المستخدمة في أجهزة قياس المجالات المغناطيسية والجيروسكوبات، وقد بدأت جهات حكومية بالفعل في اختبار أجهزتها. وفي آسيا، تقوم شركة «أتوميونيكس» (Atomionics) السنغافورية بتطوير مقاييس جاذبية كميّة محمولة تعتمد على تداخل الذرات للكشف عن الموارد الكامنة تحت سطح الأرض. وفي أستراليا، تعمل شركة «كيو-كنترول» (Q-CTRL) على تطوير برمجيات تهدف إلى تعزيز استقرار أجهزة الاستشعار الكميّة، ولا سيما في تطبيقات الملاحة. أما في المملكة المتحدة، فتقوم شركة «أكوارك تكنولوجيز» (Aquark Technologies) بتطوير تقنيات الذرات المبردة بالليزر لإنتاج أجهزة استشعار كميّة مدمجة تستهدف بصورة رئيسية قطاع الصناعات الدفاعية.

ولا يقتصر الاهتمام المتزايد بالاستشعار الكمّي على القطاع الخاص، بل يحظى بدعم حكومي واسع يعكس الأهمية الاستراتيجية المتنامية لهذه التكنولوجيا. ففي الولايات المتحدة، ينص «قانون الريادة الكميّة» الصادر عن وزارة الطاقة لعام 2025 على تخصيص تمويلات للتقنيات الكميّة تبلغ 2.5 مليار دولار أمريكي حتى نهاية العقد الحالي. [15] وعلى نحو مماثل، يواصل «البرنامج الوطني للتقنيات الكميّة» [16]  في المملكة المتحدة تمويل الأبحاث المتعلقة بمقاييس الجاذبية المستخدمة في مراقبة البنية التحتية، إضافة إلى أجهزة قياس المجالات المغناطيسية المحمولة المخصصة للقطاع الصحي. وفي المقابل، تحتضن الصين شبكة واسعة من المختبرات الوطنية التي تنفذ برامج متقدمة في مجال الاستشعار الكمّي تخدم الأبحاث الأساسية والتطبيقات العسكرية على حد سواء.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية بالغة في ظل التحديات التي لا تزال تواجه القطاع. فكما هو الحال مع أي تقنية ناشئة، تأتي أجهزة الاستشعار الكميّة بتكلفة مرتفعة نسبياً. فالليزر والمكونات البصرية عالية الدقة باهظة الثمن، كما أن حجم الصناعة لا يزال محدوداً إلى درجة لا تسمح حالياً بتحقيق وفورات الحجم الكفيلة بخفض تكاليف المواد أو التصنيع.

كما لا تزال التقنيات التي تقوم عليها أجهزة الاستشعار الكميّة عرضة للتأثر بالتداخلات الكهرومغناطيسية الخارجية والاهتزازات الميكانيكية وتقلبات درجات الحرارة، وهي عوامل قد تؤثر في دقة الأداء. ومع ذلك، تلوح بوادر واعدة في الأفق بفضل الذكاء الاصطناعي، إذ يُتوقع أن تسهم برامج تصحيح الأخطاء المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تصفية التشويش البيئي وتحسين مستويات التماسك الكمّي، بما يعزز كفاءة هذه الأنظمة واستقرارها.

ولكي تنتقل المستشعرات الكميّة إلى مرحلة الاستخدام السائد والانتشار التجاري الواسع، لا بد من تقليص حجم هذه التقنيات بصورة جوهرية؛ إذ لا تزال العديد من الأجهزة تعتمد على غرف تفريغ كبيرة الحجم وأنظمة حماية مغناطيسية ضخمة. ومع ذلك، يحرز الباحثون تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث باتت بعض أجهزة قياس المجالات المغناطيسية الحديثة لا يتجاوز حجمها حجم صندوق أدوات محمول. وإذا أمكن تعميم هذا الإنجاز على فئات أخرى من أجهزة الاستشعار الكميّة، فسيصبح الانتشار التجاري الواسع لهذه التكنولوجيا أقرب من أي وقت مضى.

كما ستحتاج أجهزة الاستشعار الكميّة إلى الاندماج بسلاسة مع الأنظمة والبنى التحتية التقنية القائمة، وهو ما يتطلب جهوداً كبيرة في مجالات هندسة البرمجيات ووضع المعايير الموحدة. وسيكون من الضروري أيضاً تطوير مؤشرات أداء مرجعية موثوقة وأطر تنظيمية واضحة لضمان اعتماد هذه التقنيات على نطاق واسع عبر مختلف الدول والقطاعات الصناعية.

وإذا نجحنا في تجاوز هذه العقبات، فأنا على يقين من أن الاستشعار الكمّي سيعيد رسم ملامح العديد من القطاعات، وسيفتح آفاقاً جديدة لفهم العالم من حولنا. فمن تعزيز سلامة البنية التحتية الحيوية واكتشاف الموارد الاستراتيجية، إلى دعم المركبات ذاتية الملاحة ورصد التأثيرات المتنامية للتغير المناخي، تمتلك هذه التقنية المقومات اللازمة للإسهام في بناء مستقبل أكثر أمناً واستدامة.

إن الاستشعار الكمّي، شأنه شأن الابتكار الثوري الآخر المتمثل في الذكاء الاصطناعي، يثير شعوراً فريداً بالحماس والترقب؛ ذلك الإحساس الآسر الذي يتملكك عندما تدرك أن المستقبل لم يعد احتمالاً بعيد المنال، بل أصبح يتكشف أمامنا بالفعل. وصحيح أن هذه التقنية تعمل في عالم متناهي الصغر، إلا أن قدرتها على تغيير عالمنا قد تكون استثنائية بكل المقاييس. وعلى الصعيد الشخصي، لا يسعني إلا أن أتطلع بشغف إلى الفرص والاكتشافات غير المتوقعة التي قد تتيحها للبشرية، ونحن نواصل رحلتنا الجريئة لاستكشاف عالم الكم وما يختزنه من أسرار وإمكانات لا تزال تنتظر من يكشف عنها.

الاستشعار الكمّي: خمس حقائق سريعة

س: هل يُستخدم الاستشعار الكمّي بالفعل في تطبيقات حياتنا اليومية؟

ج: نعم. ويكفي أن ننظر إلى الساعات الذرية، وهي المكوّن المسؤول عن ضبط التوقيت في أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS).

س: هل يمكن أن يسهم الاستشعار الكمّي في إنقاذ الأرواح؟

ج: بالتأكيد. ففي الوقت الراهن، تُستخدم أجهزة قياس الجاذبية الكميّة المطلقة (Absolute Quantum Gravimeters – AQGs) لمراقبة النشاط الزلزالي المثير للقلق في جبل «تيدي» بجزيرة تينيريفي، أعلى بركان في أوروبا، ما يتيح إصدار إنذارات مبكرة بشأن النشاط البركاني الخطير قبل وقوعه.

س: كيف يمكن أن يساعدنا الاستشعار الكمّي في مواجهة تغير المناخ؟

ج: سيسهم مشروع «كاريوكا-بي إم بي» (CARIOQA-PMP) الجديد التابع للاتحاد الأوروبي، والبالغة قيمته 17 مليون يورو، في تمكين أجهزة الاستشعار المدارية المستقبلية من إنشاء خرائط عالية الدقة للجاذبية الأرضية، إلى جانب تتبع التغيرات الدقيقة التي تطرأ على الغلاف الجوي لكوكب الأرض وأنظمته البيئية.

س: هل يمكن أن يساعد الاستشعار الكمّي في اكتشاف المزيد من العناصر الأرضية النادرة تحت سطح الأرض؟

ج: بالتأكيد. إذ تستخدم «أجهزة التداخل الكمّي فائقة التوصيل» (SQUIDs) أجهزة استشعار كميّة قادرة على قراءة حقول مغناطيسية تعادل واحداً من مئة مليون من قوة المجال المغناطيسي للأرض، وقد نجحت بالفعل في اكتشاف رواسب معدنية تزيد قيمتها على 4 مليارات دولار أمريكي في أستراليا وحدها.

س: إلى أي مدى تبدو الآفاق الاقتصادية للاستشعار الكمّي واعدة؟

ج: تشير التوقعات إلى أن قيمة هذا القطاع قد تصل إلى نحو مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، مع إمكانية نموها إلى ما يقارب 6 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2040.

 

[1] https://phys.org/news/2026-02-quantum-sensor-advances-pursuit-dark.html

[2] https://www.mckinsey.com/capabilities/tech-and-ai/our-insights/tech-forward/quantum-sensing-poised-to-realize-immense-potential-in-many-sectors

[3] https://www.innovationnewsnetwork.com/uk-research-advances-tsunami-warning-systems-and-quantum-tech/46720/

[4] https://www.birmingham.ac.uk/news/2023/how-can-quantum-technology-improve-earthquake-detection

[5] https://spie.org/news/photonics-focus/marchapril-2026/detecting-volcano-eruptions

[6] https://spie.org/news/photonics-focus/marchapril-2026/detecting-volcano-eruptions

[7] https://carioqa-quantumpathfinder.eu/

[8] https://thequantuminsider.com/2024/09/26/european-scientists-quantum-space-sensor-could-help-monitor-climate/

[9] https://thequantuminsider.com/2024/09/26/european-scientists-quantum-space-sensor-could-help-monitor-climate/

[10] This is known as Clarke’s Third Law, published in his 1962 essay “Hazards of Prophecy” and Profiles of the Future, implying that highly sophisticated technology seems miraculous to those who do not understand it.

[11] https://www.theisrm.org/failure-of-foresight/

[12] https://www.geoengineer.org/news/the-los-angeles-clearwater-collapse-insights-on-the-causes-and-technical-response

[13] https://www.kearney.com/service/digital-analytics/article/quantum-sensing-unprecedented-precision

[14] https://www.csiro.au/en/news/All/Articles/2023/May/Quantum-computing-and-mining

[15] https://thequantuminsider.com/2025/02/14/senators-introduce-2-5-billion-bill-to-expand-u-s-quantum-research/

[16] https://uknqt.ukri.org/