هل نعيش في عصرٍ تطغى عليه المخاطر، أم في حقبةٍ تزخر بالفرص؟
يشير تقرير المخاطر العالمية 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير الماضي، إلى أن العالم قد دخل النصف الثاني مما يصفه، عن حق، بـ«العقد المضطرب». [1]
فعندما بدأ هذا العقد في عام 2020، ساد الاعتقاد بأن جائحة كوفيد-19 ستُمثّل ذروة المخاطر العالمية وأقسى فصولها.
إلا أن السنوات الخمس التالية حملت معها سلسلة متلاحقة من الأزمات والتحديات التي لا تقل خطورة، بل تستحق بجدارة هذا الوصف المقلق، بدءاً من الطفرة المتسارعة في أنظمة الذكاء الاصطناعي فائقة الذكاء، مروراً بالارتفاع القياسي في درجات الحرارة العالمية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى تصاعد المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ويبدو أن المخاطر غدت اليوم رفيقاً دائماً للبشرية، وشبحاً يلوح في الأفق مهدداً بتقويض ما راكمته من إنجازات على امتداد عقود.
ومع ذلك، وبرغم التقلبات العاصفة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، فإن مسيرة الإنسانية لم تتوقف.
ففي خضم شبكة معقدة من التحديات التي تطبع المشهد العالمي في عام 2026، تواصل الحضارة الإنسانية تقدمها بثبات. فما زالت المصانع تدير عجلة الإنتاج والتجارة، ويواصل الاقتصاد العالمي توسيع آفاقه وتجاوز حدوده، ولا يزال الإنترنت يتيح لمليارات البشر فضاءً للتواصل والتعبير، فيما يتسارع الابتكار بوتيرة غير مسبوقة، مؤكداً قدرة الإنسان على التكيف والإبداع حتى في أحلك الظروف.
ولعل الرسالة الأهم التي يحملها تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لا تتمثل في رسم صورة قاتمة للمستقبل، بقدر ما تكمن في الدعوة إلى تحويل المخاطر إلى فرص، والاستعداد للتحديات قبل أن تتحول إلى أزمات. فالوعي بالمخاطر هو الخطوة الأولى نحو تعزيز الجاهزية، والجاهزية هي الأساس لبناء مستقبل أكثر استقرارًا ومرونة، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة، وأقل عرضة للاضطرابات والصدمات.
ويبقى فهم السياق هو نقطة الانطلاق. فما أبرز المخاطر العالمية التي تُعد الأكثر إلحاحاً في عام 2026؟ وكيف تطور إدراك العالم لهذه المخاطر مقارنة بما كان عليه خلال الاثني عشر شهراً الماضية؟
تصنيف المخاطر: ما أبرز التهديدات التي تؤرق الخبراء؟
يرصد تقرير المخاطر العالمية أبرز التهديدات التي تواجه العالم من خلال تصنيف شامل يغطي المخاطر الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية والمجتمعية والتكنولوجية، مستنداً إلى آراء أكثر من 1,000 خبير من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني. وتشير نتائج التقرير إلى أن المخاطر الست الأكثر ترجيحاً لإحداث تأثيرات جوهرية في المجتمع العالمي خلال عام 2026 تمتد عبر مختلف هذه الفئات، في دلالة واضحة على الطبيعة المتشابكة للتحديات التي يواجهها العالم اليوم.

وتتصدر المواجهة الجيو-اقتصادية قائمة المخاطر الأكثر إلحاحاً خلال ما تبقى من عام 2026، بعدما أشار إليها 18% من المشاركين في الاستطلاع، وهو أمر لا يثير كثيراً من الدهشة في ظل النهج التصادمي الذي تبنته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الرسوم الجمركية والتجارة الدولية. وتليها في الترتيب النزاعات المسلحة بين الدول بنسبة 14%، ثم الظواهر الجوية المتطرفة بنسبة 8%، والاستقطاب المجتمعي بنسبة 7%، وانتشار المعلومات المضللة والمغلوطة بنسبة 7%، وأخيراً التباطؤ الاقتصادي بنسبة 5%.
غير أن الصورة تصبح أكثر عمقاً وتعقيداً عندما تُقاس المخاطر من حيث درجة خطورتها، سواء على المدى القصير (عامان) أو المدى الطويل (10 سنوات).
فعلى امتداد أفق زمني يبلغ عامين، تتصدر المواجهة الجيو-اقتصادية قائمة المخاطر الأكثر إثارة للقلق، تليها مخاطر انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة، ثم الاستقطاب المجتمعي، والظواهر الجوية المتطرفة، والنزاعات المسلحة بين الدول، وأخيراً انعدام الأمن السيبراني. ويكتسب هذا التصنيف دلالة خاصة عند مقارنته بإصدار عام 2025، إذ لم تكن المواجهة الجيو-اقتصادية آنذاك سوى في المرتبة التاسعة ضمن المخاطر المتوقعة خلال الأفق الزمني نفسه، ما يعكس صعودها السريع إلى صدارة الاهتمام العالمي.
واللافت أن جميع المخاطر التي سجلت أكبر قفزة في تصنيف العامين ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتزايد هشاشة المنظومة الاقتصادية والمالية العالمية. فإلى جانب المواجهة الجيو-اقتصادية، تضم قائمة المخاطر الأسرع صعوداً التباطؤ الاقتصادي، والتضخم، وانفجار فقاعات الأصول، وتعطل البنية التحتية الحيوية، بما يعكس تنامي المخاوف من تصاعد الضغوط الاقتصادية واتساع تداعياتها على الاستقرار العالمي.

ويلقي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي (World Economic Outlook Update)، الصادر عن صندوق النقد الدولي في يناير 2026، مزيداً من الضوء على دوافع هذا التشاؤم الاقتصادي. إذ يشير إلى خفض توقعات النمو لقطاع طالما اعتُبر أحد أبرز محركات الاقتصاد العالمي، وهو الذكاء الاصطناعي. [2] ويحذر التقرير من أن أي إعادة تقييم سلبية لإنتاجية الذكاء الاصطناعي «قد تؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وتدفع نحو تصحيح حاد في الأسواق المالية، يمتد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أخرى، بما يؤدي إلى تآكل ثروات الأسر». ولا يقتصر التقرير على التحذير من مخاطر المبالغة في تقدير إمكانات الذكاء الاصطناعي، بل ينبه أيضاً إلى أن تصاعد النزاعات التجارية والتوترات الداخلية والدولية قد ينعكس سلباً على الأسواق المالية، وأسعار السلع الأساسية، وسلاسل الإمداد، بما يزيد من هشاشة الاقتصاد العالمي في مواجهة الصدمات.
ومن اللافت، وربما المفاجئ، أن المخاطر التي سجلت أكبر تراجع في تصنيف الأفق الزمني الممتد لعامين تتركز في المجال البيئي، رغم أن تغير المناخ لا يزال يُعد، في نظر كثيرين، أكبر تهديد وجودي يواجه البشرية.
إذ تكشف بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي أن التغيرات الحرجة في أنظمة الأرض تصدرت قائمة المخاطر الأكثر تراجعاً في تصنيف العامين، بعد هبوطها سبع مراتب، تلتها خسارة التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية بتراجع خمس مراتب، ثم التلوث الذي انخفض ثلاث مراتب.
وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى مناقضاً للمنطق، خاصة أن عام 2025 كان مجدداً أحد أكثر الأعوام حرارة في تاريخ البشرية، مواصلاً سلسلة السنوات القياسية في ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض. [3] إلا أن هذا التراجع يبدو، في واقع الأمر، مؤقتاً وربما مضللاً. فلم تتراجع المخاوف المناخية في حد ذاتها، وإنما انخفض ترتيبها نسبياً أمام القفزة الكبيرة التي سجلتها المخاوف الاقتصادية، والتي بلغت ذروتها في عام 2026 بفعل التأثيرات المركبة لتعطل سلاسل الإمداد، وتصاعد الرسوم الجمركية، والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة على مستوى العالم.
فكيف يمكن التأكد من ذلك؟ يكفي النظر إلى مصفوفة المخاطر على المدى الطويل، كما يعكسها تصنيف 10 سنوات الوارد في تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
وفي هذا التصنيف، تستعيد القضايا البيئية موقعها الطبيعي في صدارة أجندة المخاطر. فقد هيمنت المخاطر البيئية على القائمة، متصدرةً إياها عبر الظواهر الجوية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية، والتغيرات الحرجة في نظم الأرض، التي جاءت في المراتب الثلاث الأولى على التوالي. كما احتلت ندرة الموارد الطبيعية والتلوث مكانة بارزة ضمن أعلى فئات المخاطر المتوقعة خلال العقد المقبل.

ولعل أفضل تفسير لاستمرار المخاطر البيئية في صدارة الوعي العالمي هو واقع الحياة في عام 2026. فما عليك سوى تصفح عناوين الأخبار، أو الخروج إلى الشارع، لتجد شواهد لا حصر لها تؤكد أن الاحتباس الحراري والتدهور البيئي يمثلان أخطر التحديات التي سيتعين على العالم التعامل معها على المدى القريب والمتوسط.
هل خرجت المخاطر البيئية من نطاق الفرضيات إلى أرض الواقع؟
عززت البيانات المناخية الصادرة خلال الاثني عشر شهراً الماضية الأدلة على تنامي المخاطر الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة والتوسع المستمر في استغلال الإنسان لموارد كوكب الأرض.
ففي عام 2025، بلغ متوسط درجة حرارة سطح الأرض عالمياً 1.44 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل عام 1900. كما شكّلت السنوات الثلاث الأخيرة، من 2023 إلى 2025، مجتمعةً أكثر الأعوام حرارةً في التاريخ وفقاً لجميع مجموعات البيانات الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO). [4]

ولم تكن المحيطات بمنأى عن هذا الاتجاه؛ إذ سجلت خلال عام 2025 درجات حرارة تُعد من بين الأعلى على الإطلاق، بما يعكس استمرار تراكم الحرارة داخل النظام المناخي على المدى الطويل. وبلغ متوسط درجة حرارة سطح البحار على مستوى العالم 0.49 درجة مئوية فوق متوسط الفترة المرجعية (1981–2010)، في مؤشر إضافي على تفاقم الاحترار العالمي. [5]
وأفادت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بأن درجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي خلال عام 2025 كانت الأعلى منذ 125 عاماً، مع ارتفاع حرارة المنطقة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بأربعة أضعاف. [6] كما سجل الجليد البحري أدنى مستوياته على الإطلاق منذ بدء الرصد عبر الأقمار الصناعية قبل 47 عاماً، في حين تقلصت مساحة أقدم وأسمك طبقة جليدية في القطب الشمالي بأكثر من 95% مقارنة بما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي.
وخلال عام 2025، أصبحت الظواهر الجوية المتطرفة أكثر إثارةً للقلق من حيث وتيرة تكرارها. ففي فبراير، تسببت أمطار بلغ منسوبها 8 بوصات في حدوث فيضانات خاطفة بمنطقة الأبلاش في الولايات المتحدة، حيث فاضت الأنهار ووقعت انهيارات أرضية دمرت منازل عديدة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً واستدعى إنقاذ أكثر من 1,000 آخرين. [7]
كما شهدت آسيا فيضانات واسعة النطاق، بعدما اجتاحت الرياح الموسمية العاتية سريلانكا وإندونيسيا وتايلاند وماليزيا والفلبين وفيتنام خلال شهري نوفمبر وديسمبر. [8] وأسفرت هذه الكوارث عن وفاة أكثر من 1,600 شخص، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية وتشريد أعداد كبيرة من السكان. وكما هو الحال في كثير من الكوارث المماثلة، أدى انهيار أنظمة الصرف الصحي إلى تفشي الأمراض، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية. ولم تقتصر معاناة المنطقة على الفيضانات، بل شهدت أيضاً عواصف إعصارية نادرة خلفت دماراً واسعاً. وعلى الصعيد العالمي، شهد عام 2025 أكثر من 100 عاصفة مدارية، تحولت نصفها إلى أعاصير مدارية مكتملة. [9]
وفي المملكة المتحدة، سُجلت خلال عام 2025 مستويات قياسية من هطول الأمطار والفيضانات. وفي المقابل، اجتاحت موجات جفاف طويلة الأمد، مصحوبة بموجات حر شديدة، مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية، مما أدى إلى اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق. وسجلت أوروبا أعلى معدل سنوي لحرائق الغابات خلال العقدين الماضيين، فيما بلغت انبعاثات حرائق الغابات في كندا ثاني أعلى مستوى مسجل في تاريخ البلاد. [10]
وفي الصومال، أدى الجفاف إلى تفاقم أزمة الجوع، حيث واجه 4.4 مليون شخص نقصاً في الغذاء خلال عام 2025، من بينهم أكثر من 780,000 شخص بلغوا مستويات حرجة. [11] أما إيران، فقد دخلت عامها السادس على التوالي من الجفاف، ولم تكن الخزانات الخمسة الرئيسية التي تزود العاصمة طهران بالمياه ممتلئة سوى بنسبة 11% حتى شهر نوفمبر. [12]
ومع دخول عام 2026، لا تبدو هناك أي مؤشرات على انحسار الضغوط البيئية، إذ بدأت موجات حر مبكرة وشديدة بالفعل تهدد ولاية كاليفورنيا وعدداً من الولايات الغربية الأخرى في الولايات المتحدة. [13]
ولا تقتصر آثار الظواهر الجوية المتطرفة على الخسائر البشرية والنفسية، بل تمتد لتفرض أعباءً مالية باهظة يصعب على العالم تحملها. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكبر 10 كوارث شهدها عام 2025 تسببت في خسائر مؤمَّن عليها لا تقل عن 120 مليار دولار أمريكي. [14]
وبالنسبة إلى من عصفت بهم هذه الكوارث، لا يمثل التدهور البيئي مجرد أرقام تُدرج في جداول البيانات، بل واقعاً قاسياً يتجسد في مآسٍ أسرية، وسبل عيش مفقودة، ومستقبل يزداد هشاشة. فالمخاطر، في نظرهم، ليست احتمالاً نظرياً قد يتحقق في يوم ما، بل واقعاً يتكشف أمام أعينهم اليوم، وتزداد وطأته يوماً بعد يوم.
وفي ظل منظومة بيئية تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، يخصص تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دراسة خاصة لتقييم احتمالات تعرض البنية التحتية الحيوية لاضطرابات خلال العقد المقبل. وتكشف نتائجها عن حقيقة مقلقة مفادها أن الأنظمة التي يعتمد عليها العالم، سواء كانت طبيعية أم من صنع الإنسان، أصبحت أكثر هشاشة وأشد عرضة للمخاطر من أي وقت مضى.
كيف سيبدو مستقبلنا في ظل المخاطر المتتالية؟
بينما نمضي نحو مستقبل يتسم بقدر أكبر من المخاطر، لم تعد الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية تهدد بإحداث أضرار آنية ومؤقتة فحسب، بل أصبحت تهدد أيضاً البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها العالم بصورة متزايدة، مثل شبكات الطاقة، والاتصالات، والإنترنت، والمرافق العامة، والأسواق المالية.
وتعكس نتائج استطلاع تقرير المخاطر العالمية تنامي القلق إزاء سلامة البنية التحتية الحيوية خلال السنوات المقبلة. فعند مطالبة المشاركين بتقييم احتمالات تعرضها لاضطرابات جسيمة على مقياس لشدة المخاطر يتراوح بين 1 و7، اعتبر 53% منهم أن مستوى هذا الخطر يبلغ 4 أو أكثر خلال العامين المقبلين، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 70% عند توسيع الأفق الزمني إلى السنوات العشر المقبلة. [15]

ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أننا قد نكون بصدد مواجهة ما يشبه “العاصفة الكاملة” من المخاطر؛ فالبنية التحتية الحيوية التي تتقادم مع مرور الزمن تصبح أكثر عرضة للتعطل، بينما تتزايد الظواهر الجوية المتطرفة من حيث التكرار والشدة، بما يفوق قدرة الخدمات الأساسية على الاستيعاب، ويؤدي إلى تفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع، في وقت تضيف فيه المنافسة الجيو-اقتصادية المتصاعدة مزيداً من التعقيد إلى مشهد عالمي يزداد اضطراباً.
ومع تسارع التحول نحو عالم أكثر اعتماداً على التقنيات الرقمية، يبرز أيضاً خطر الكوارث المتتالية، حيث يمكن لحادث واحد أن يطلق سلسلة من التداعيات المتلاحقة تمتد عبر قطاعات متعددة، من الكهرباء والمياه إلى النقل والاتصالات. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي انقطاع واسع في إمدادات الطاقة مستقبلاً إلى تعطيل الشبكات الرقمية التي تتحكم في أنظمة توزيع المياه، الأمر الذي قد يضطر محطات الطاقة النووية، التي تعتمد على المياه في عمليات التبريد، إلى التوقف تماماً عن العمل، لتتفاقم بذلك أزمة الطاقة الأصلية وتتسع آثارها.
كما يحمل ارتفاع حرارة الكوكب معه سلسلة من المخاطر التي تهدد البنية التحتية الحيوية. فخلال موجات الحر، قد يؤدي الاعتماد المكثف على أجهزة تكييف الهواء إلى دفع شبكات الكهرباء إلى حدود طاقتها القصوى، فيما قد تتسبب درجات الحرارة المرتفعة في التواء قضبان السكك الحديدية وتشوه أسطح الطرق. وفي المقابل، قد تلحق العواصف العنيفة أضراراً بالألواح الشمسية، بينما قد تتجاوز الأمطار الغزيرة والمستمرة قدرة شبكات تصريف المياه على الاستيعاب، في حين يؤدي ارتفاع مستويات الملوحة إلى زيادة تكاليف معالجة المياه.
ولا تقتصر تداعيات الجفاف على نقص مياه الشرب فحسب، بل تمتد لتطال شبكات الطاقة وسلاسل الخدمات اللوجستية. فكل من الصين والأردن والعراق والمغرب وسوريا معرضة لتقلبات في إنتاج الطاقة الكهرومائية إذا انخفضت مستويات الأنهار والخزانات إلى مستويات متدنية. وقد بدأت هذه التداعيات تظهر بالفعل، إذ تأثرت حركة الملاحة في قناة بنما خلال موجة الجفاف التي شهدتها الفترة 2023-2024، عندما أصبحت الممرات المائية غير صالحة لعبور السفن الكبيرة.
ومن السذاجة الاعتقاد بأن هذه المخاطر تقتصر على الاقتصادات الناشئة. بل على العكس، فالأسواق المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، تُبدي مستويات أعلى من القلق إزاء المخاطر التي تهدد البنية التحتية الحيوية، نتيجة اعتمادها الكبير على الأنظمة والتقنيات المتطورة التي تجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب يصيب هذه المنظومات.
وأمام هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: هل ينبغي لنا أن نستسلم لمستقبل أكثر خطورة وهشاشة؟ أم أن بإمكاننا التحرك بصورة استباقية لبناء مجتمع أكثر أمناً واستدامة، يضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة؟
هل لا يزال بإمكاننا احتواء مخاطر عالمنا؟
للحد من هذه التهديدات المتعددة والمتشابكة في كثير من الأحيان، ثمة العديد من الإجراءات التي يمكن للعالم اتخاذها لتقليص المخاطر التي تواجه المجتمعات وتحويل التحديات إلى فرص.
وأمام هذا العدد المتزايد من المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، تظل الأولوية القصوى هي مضاعفة جهودنا للحد من الانبعاثات وكبح الارتفاع المستمر في درجات الحرارة العالمية. فالوقود الأحفوري يتسبب في أكثر من ثلثي انبعاثات غازات الدفيئة، الأمر الذي يستدعي تسريع وتيرة التحول إلى مصادر الطاقة المستدامة، وفي مقدمتها طاقة الرياح والطاقة الشمسية. [16]
ووفقاً لسيناريو الانبعاثات الصفرية الصافية بحلول عام 2050 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA)، يتعين زيادة القدرة المركبة لمصادر الطاقة المتجددة على مستوى العالم إلى أربعة أضعاف خلال العقد المقبل. [17] كما ينبغي، بحلول عام 2035، أن تمثل التقنيات منخفضة الانبعاثات ما لا يقل عن ثلث إجمالي استهلاك الطاقة، وأن يرتفع استخدام أنواع الوقود المستدام – بما في ذلك الوقود الحيوي السائل، والغازات الحيوية، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، وغيرها من البدائل القائمة على الهيدروجين – إلى أربعة أضعاف مستوياته الحالية.
ويستدعي تحقيق هذا السيناريو أيضاً رفع الاستثمارات السنوية في قطاع الطاقة إلى نحو 4.8 تريليون دولار أمريكي على مدى العقد المقبل، بزيادة تقارب 50% مقارنة بالمستويات الحالية. وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر اليوم سيقابله وفرٌ مستقبلي ناتج عن انخفاض تكاليف الوقود وتحسن كفاءة استخدام الطاقة.
غير أن معالجة قضايا الطاقة والانبعاثات ليست سوى البداية. فالحد من المخاطر العالمية يتطلب استجابة شاملة تتضافر فيها جهود الحكومات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الدولية، والمجتمع المدني، مع توظيف مختلف الأدوات والسياسات المتاحة. ومن أبرزها:
- المساعدات الإنمائية، بما في ذلك الدعم الدولي الموجه للاستجابة لمخاطر الكوارث، والذي يمكن أن يسهم في الحد من النزوح البشري الناجم عن الكوارث الطبيعية.
- الأدوات المالية، كتلك التي توظفها مؤسسات التنمية الدولية أو المنظمات غير الحكومية، لمعالجة أوجه القصور في البنية التحتية العامة، وتعزيز قدرة الخدمات الحيوية على الصمود في مواجهة التحديات المستقبلية.
- التشريعات الوطنية والمحلية التي يمكن أن تسهم في الحد من فقدان التنوع البيولوجي والتلوث.
- المعاهدات الدولية الملزمة وغيرها من الاتفاقيات الدولية، التي من شأنها تقليل احتمالات التنافس على الموارد، والإسهام على المدى الطويل في الحد من تكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
- اعتماد نهج متكامل في وضع البروتوكولات والمعايير، مدعوماً بمشاركة فعالة من مختلف أصحاب المصلحة، بما يساعد على مواجهة المخاطر المحتملة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
- تعزيز الوعي المجتمعي والتعليم، إلى جانب زيادة الاستثمار في البحث والتطوير، بما يسهم في الحد من تراجع مستويات الصحة والرفاه، والوقاية من انتشار الأمراض المعدية، خاصة مع تفاقم آثار تغير المناخ.
- وضع استراتيجيات مؤسسية بعيدة المدى لمعالجة التحديات الاقتصادية، مثل التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، والبطالة، ونقص المهارات.
وكما تبين مما سبق، فإن أمام العالم العديد من السبل الكفيلة بالحد من المخاطر التي أبرزها تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وتؤكد التجارب الناجحة أن التدخلات المبكرة تحقق نتائج ملموسة؛ إذ أظهر تحليل حديث أن الجهود الرامية إلى توسيع مسارات الدراجات الهوائية وتشجيع استخدام السيارات الكهربائية أسهمت بالفعل في خفض تركيز ملوثات الهواء السامة بأكثر من 20% في مدن متباعدة جغرافياً مثل لندن وسان فرانسيسكو ووارسو وبكين. [18]
ويظل التحرك السريع والتعاون هما مفتاحا الحل، لأن التقاعس لن يؤدي إلا إلى ترسيخ المخاطر الناشئة داخل الأنظمة التي نعتمد عليها، وجعل معالجتها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ويؤدي القطاع الخاص دوراً محورياً في استكمال القدرات التمويلية والإمكانات الابتكارية للقطاع العام، الذي بات يرزح تحت ضغوط متزايدة.
كيف يسهم القطاع الخاص في بناء مجتمع أكثر أماناً؟
تستطيع الشركات صاحبة الرؤية المستقبلية، مثل عبد اللطيف جميل، التي تشكل الاستدامة جزءاً أصيلاً من هويتها المؤسسية، أن تضطلع بدور محوري في تسريع تنفيذ العديد من الاستراتيجيات اللازمة للحد من المخاطر الوجودية التي تهدد الأنظمة العالمية.
وتُعد فوتواتيو لمشاريع الطاقة المتجددة (FRV)، الذراع الرئيسة للطاقة المتجددة التابعة لـ جميل للطاقة، من الشركات الرائدة عالمياً في هذا القطاع.
وتدير فوتواتيو محفظة متنامية تضم مشاريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS) تزيد قدرتها التشغيلية حالياً على 3 جيجاواط، وترتفع إلى أكثر من 4 جيجاواط عند احتساب المشاريع قيد التطوير والإنشاء، وذلك عبر أربعة أسواق دولية رئيسية هي أوروبا وأستراليا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ومن خلال منصة «فوتواتيو-إكس» (FRV-X)، التي تمثل حاضنة متخصصة للابتكار والمشروعات الناشئة، تواصل الشركة استكشاف التقنيات الناشئة، وتطوير نماذج الأعمال المستقبلية، والاستثمار في مجالات واعدة تشمل مراكز البيانات، ومنصات الطاقة الرقمية، والهيدروجين الأخضر.
ولا يقتصر دور عبد اللطيف جميل على الإسهام في تسريع التحول العالمي نحو الطاقة المستدامة، بل يمتد أيضاً إلى الاستثمار في مشاريع تستهدف التصدي لمخاطر وجودية أخرى تواجه المجتمعات، وفي مقدمتها شح المياه على المستوى العالمي والأزمات الصحية.
وفي السياق ذاته، تدير ألمار لحلول المياه، الذراع المتخصصة في حلول المياه والتابعة لـ جميل للخدمات البيئية، مجموعة متنوعة من مشاريع تحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة استخدامها وإعادة تدويرها. وتزاول الشركة أعمالها عبر ثلاثة محاور رئيسية هي إدارة الأصول، والخدمات، والصناعة والتكنولوجيا، كما تنشط في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما يسهم في ضمان إمدادات موثوقة من المياه للمنازل وقطاع الأعمال في بعض أكثر مناطق العالم معاناةً من شح الموارد المائية.
ولا تمثل استثمارات عبد اللطيف جميل في قطاعي الطاقة والمياه مبادرات منفصلة أو مقاربات جزئية، بل تشكل جزءاً من استجابة أشمل وأكثر تكاملاً للمخاطر المترابطة التي تعيد رسم ملامح عالمنا. فمن إزالة الكربون من أنظمة الطاقة إلى توسيع الوصول إلى المياه النظيفة، تعكس هذه المبادرات إدراكاً راسخاً بأن التحديات العالمية الراهنة مترابطة بطبيعتها، وأن معالجتها لا يمكن أن تتم بمعزل عن بعضها البعض. ومن خلال مواءمة الإمكانات التجارية مع الاحتياجات المجتمعية طويلة الأمد، تؤكد هذه الجهود أن القطاع الخاص قادر على أداء دور يتجاوز الحد من المخاطر، ليصبح شريكاً أساسياً في بناء أنظمة أكثر مرونة، وتعزيز مقومات الاستدامة التي تقوم عليها الحياة الحديثة.
ويقول فادي جميل، نائب رئيس مجلس إدارة العمليات الدولية في عبد اللطيف جميل:
: «تكمن القيمة الحقيقية في إدراك المخاطر، وفهم مسبباتها ومؤشراتها وسبل التعامل معها، في قدرتنا على توحيد الجهود للحد من أشد آثارها وطأة. وحينها، لا يعود التصدي للمخاطر مجرد ضرورة، بل يغدو فرصة لتعزيز الابتكار، وخلق فرص العمل، وترسيخ التعاون. وهذا هو النهج الذي تجسده فوتواتيو وألمار لحلول المياه في مجالي عملهما».
«إن النهج المتكامل الذي تتبناه عبد اللطيف جميل في مواجهة المخاطر العالمية المتشابكة يمثل نموذجاً مصغراً لما ينبغي أن نطمح إليه كمجتمع عالمي. فالتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري، بالتوازي مع حماية اقتصاداتنا وصون الصحة العامة، يتطلب استراتيجية طموحة ومتكاملة تتضافر فيها مختلف الجهود. كما يستلزم تمويلاً جاداً ومستداماً، والتزاماً راسخاً بتغليب المصلحة العامة. وعندما تترسخ هذه المبادئ، لن يبقى هناك تحدٍ يستعصي على عالمنا، وسيغدو المستقبل الذي نطمح إليه أقرب إلى التحقق.»
المخاطر العالمية: خمس حقائق سريعة
س: ما هو الخطر الأكثر إلحاحاً الذي يهدد العالم في عام 2026 وفقاً لتقرير المخاطر العالمية 2026؟
ج: صنّف الخبراء المواجهة الجيو-اقتصادية بوصفها الخطر الأكثر إلحاحاً على العالم في عام 2026، بنسبة 18%، تليها النزاعات المسلحة بين الدول، ثم الظواهر الجوية المتطرفة، والاستقطاب المجتمعي، وانتشار المعلومات المضللة والمغلوطة، وأخيراً التباطؤ الاقتصادي.
س: هل تتغير النظرة المستقبلية للمخاطر عند النظر إلى أفق زمني يمتد 10 سنوات؟
ج: نعم. فعلى المدى الطويل، تهيمن المخاطر البيئية على مشهد المخاطر من حيث شدتها، وفي مقدمتها الظواهر الجوية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية، والتغيرات الحرجة في نظم الأرض.
س: لماذا تتصدر المخاطر البيئية أجندة المخاطر على المدى الطويل؟
ج: لأن الحقائق والإحصاءات لا تترك مجالاً للشك. ففي عام 2025، بلغ متوسط درجة حرارة سطح الأرض عالمياً 1.44 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل عام 1900، فيما ارتفع متوسط درجة حرارة سطح البحار عالمياً إلى 0.49 درجة مئوية فوق متوسط الفترة 1981-2010. كما تقلصت مساحة أسمك طبقة جليدية في القطب الشمالي بأكثر من 95% مقارنة بما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي.
س: هل بدأنا بالفعل نشهد آثار العيش في عالم تزداد فيه المخاطر؟
ج: نعم. فآثار هذه المخاطر لم تعد تقتصر على الجوانب البيئية والاجتماعية، بل امتدت أيضاً إلى الاقتصاد العالمي، إذ تسببت أكبر 10 كوارث شهدها عام 2025 في خسائر مؤمَّن عليها لا تقل عن 120 مليار دولار أمريكي على مستوى العالم.
س: إلى أي مدى ينبغي أن يكون تحركنا حاسماً لمواجهة المحرك الرئيسي للمخاطر العالمية، وهو تغيّر المناخ؟
ج: لتحقيق الحياد الكربوني (الانبعاثات الصفرية الصافية) بحلول عام 2050، يتعين مضاعفة القدرة العالمية لإنتاج الطاقة المتجددة 4 مرات، ورفع مساهمة التقنيات منخفضة الانبعاثات إلى ما لا يقل عن ثلث إجمالي استهلاك الطاقة، إلى جانب مضاعفة استخدام أنواع الوقود الحيوي 4 مرات.
[1] https://www.weforum.org/publications/global-risks-report-2026/
[2] https://www.imf.org/-/media/files/publications/weo/2026/january/english/text.pdf
[3] https://wmo.int/news/media-centre/wmo-confirms-2025-was-one-of-warmest-years-record
[4] https://wmo.int/news/media-centre/wmo-confirms-2025-was-one-of-warmest-years-record
[5] https://wmo.int/news/media-centre/wmo-confirms-2025-was-one-of-warmest-years-record
[6] https://www.theguardian.com/world/2025/dec/16/artic-record-heat-shrunken-sea-ice-report
[7] https://disasterphilanthropy.org/disasters/2025-appalachian-floods/
[8] https://www.britannica.com/event/Asia-Floods-of-2025
[9] https://www.copernicus.eu/en/news/news/observer-global-climate-highlights-2025-insights-copernicus-climate-change-service
[10] https://www.copernicus.eu/en/news/news/observer-global-climate-highlights-2025-insights-copernicus-climate-change-service
[11] https://wmo.int/media/news/global-drought-hotspots-report-highlights-human-and-economic-impacts
[12] https://www.theguardian.com/world/2026/jan/15/how-day-zero-water-shortages-in-iran-are-fuelling-protests
[13] https://www.theguardian.com/us-news/2026/mar/12/california-heatwave
[14] https://www.theguardian.com/world/2025/dec/27/cyclones-floods-and-wildfires-among-2025s-costliest-climate-related-disasters
[15] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Global_Risks_Report_2026.pdf
[16] https://www.un.org/en/climatechange/science/causes-effects-climate-change
[17] https://www.iea.org/reports/world-energy-outlook-2025/net-zero-emissions-by-2050
[18] https://www.theguardian.com/environment/2026/mar/12/london-san-francisco-and-beijing-achieve-remarkable-reductions-in-air-pollution
أُضيفت إلى الملف الصحفي