لماذا تتفاقم ظاهرة الجفاف رغم تنامي الوعي بضرورة الوقاية منها؟
لطالما اعتُبر الجفاف ظاهرة محلية موسمية أو أزمة زراعية عابرة يمكن للمجتمعات احتواء آثارها وتجاوزها مع مرور الوقت. إلا أن هذا التصور لم يعد ينسجم مع واقع يتسع فيه نطاق الجفاف وتتفاقم حدته على نحو غير مسبوق. فمنذ مطلع القرن العشرين، تضاعفت رقعة الأراضي المتضررة من الجفاف، وأصبحت نحو 40% من مساحة اليابسة تشهد فترات جفاف أكثر تكراراً وشدة، بما يترك آثاراً متشابكة تطال الأمن الغذائي والطاقة وحركة التجارة العالمية والصحة العامة. ومن ثم، فإن تنامي هذه التداعيات واستمرارها يفرضان إعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمعات أن تعيد بناء منظوماتها لاستشراف مخاطر المياه وتقييمها وتمويلها وإدارتها في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو مزيد من الجفاف؟

الرئيس التنفيذي
ألمار لحلول المياه
وفي هذا الصدد، يرى كارلوس كوسين، الرئيس التنفيذي لشركة «ألمار لحلول المياه»، التابعة لشركة جميل للخدمات البيئية، أن جوهر الإخفاق يكمن في النهج التقليدي المتقادم الذي لا يزال يهيمن على إدارة مخاطر المياه؛ إذ لا تزال منظومات المياه تُدار بمنطق رد الفعل، بحيث لا تتم الاستجابة للجفاف إلا بعد وقوعه، بدلاً من اتخاذ تدابير استباقية لبناء وتعزيز المرونة والقدرة على الصمود قبل وقت طويل من جفاف الخزانات وتراجع منسوب المياه فيها.
واستناداً إلى نتائج «التقرير العالمي لتوقعات الجفاف» (Global Drought Outlook) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يعتقد كوسين أن الجفاف لم يعد مجرد ظاهرة بيئية معزولة، بل بات خطراً هيكلياً عابراً للقطاعات، بما يستدعي التعامل معه بوصفه مخاطرة استراتيجية يجب احتساب كلفتها، والتخطيط لها، وتصميم الحلول الهندسية الكفيلة بمواجهتها قبل أن تتفاقم تداعياتها.
ومع تصاعد الضغوط المناخية، يؤكد كارلوس أن طريقة الاستجابة لظاهرة الجفاف ستغدو بصورة متزايدة عاملاً فارقاً في رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي والاستدامة وقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها أثناء إدارتها لهذه الأزمة.
إن طريقة الاستجابة لظاهرة الجفاف ستغدو بصورة متزايدة عاملاً فارقاً في رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي والاستدامة وقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها أثناء إدارتها لهذه الأزمة.
وفي خضم هذا المشهد العالمي المتحول، تبرز شركة «ألمار لحلول المياه»، التابعة لشركة «جميل للخدمات البيئية»، بوصفها إحدى الشركات الرائدة في إعادة صياغة مقاربات إدارة المياه على نطاق عالمي. فقد تأسست «ألمار» عام 2016 انطلاقاً من رسالة هادفة تتمثل في تعزيز الأمن المائي العالمي، ولا سيما لدى المجتمعات الأكثر هشاشة وعرضة للمخاطر حول العالم. واليوم، وبعد مرور نحو عقد على تأسيسها، تدير الشركة محفظة واسعة من مشاريع تحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة استخدام المياه وتدويرها. ومع تنامي محفظة مشاريعها في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، رسخت الشركة مكانتها بوصفها إحدى الشركات الرائدة في تصميم منظومات المياه وهيكلة تمويلها وتشغيلها عبر كامل دورة المياه؛ بدءاً من التحلية والتنقية، مروراً بمعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها وشبكات التوزيع، وصولاً إلى عمليات التشغيل والصيانة طويلة الأجل.
وفي هذا الحوار الصحفي، يستعرض كارلوس كوسين برؤية تحليلية متعمقة العوامل التي حوّلت مواجهة الجفاف إلى معركة شديدة التعقيد، ويشرح لماذا لا تزال المياه تُقدَّر بأقل من قيمتها الحقيقية، وما الذي يتطلبه الانتقال من نهج إدارة الأزمات المؤقتة والقائم على رد الفعل إلى بناء قدرة طويلة الأمد على الصمود لدى الحكومات وقطاعات الصناعة ومؤسسات التمويل.
س: يضع «التقرير العالمي لتوقعات الجفاف» الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) قضية الجفاف في صدارة قائمة المخاطر المناخية تقريباً. برأيك، لماذا يُعد هذا التهديد تحديداً من أصعب التهديدات المناخية وأكثرها تعقيداً من حيث المواجهة؟
ج: يصعب التصدي للجفاف لأنه من السهل للغاية أن يمر من دون أن يلحظه أحد. فكثيراً ما نشهد اضطرابات مناخية دراماتيكية تخلّف آثاراً فورية ومرئية، لكن الجفاف لا يعمل بهذه الطريقة.
فالأعاصير والفيضانات تعلن عن نفسها منذ اللحظة الأولى، أما الجفاف فيتسلل بهدوء في مسار تراكمي يكاد لا يُلحظ، حيث تجفّ الأراضي، وتتآكل سبل العيش، وتتضرر الاقتصادات، وتبدأ النظم البيئية في الانهيار، من دون أن يقترن أي من ذلك بلحظة درامية واحدة يمكن الإشارة إليها بوصفها بداية الأزمة.
وفي واقع الأمر، تمثل ندرة المياه تحدياً أوسع وأعمق بكثير من الجفاف وحده؛ غير أن الجفاف هو الوجه الملموس لهذه الأزمة، وهو الجانب الذي يلمسه الناس العاديون ويعانون آثاره في حياتهم اليومية.
وكما يوضح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بجلاء شديد، نحن لا نتحدث هنا عن سيناريو مستقبلي يبعث على القلق، بل عن واقع مرير يلقي بظلاله الآن، وفي هذه اللحظة، في كل مكان من حولنا.
الجفاف: ما الأرقام والبيانات الإحصائية التي ينبغي التوقف عندها؟
- 40% من مساحة سطح اليابسة في العالم تقع حالياً تحت وطأة موجات جفاف تتسم بتلاحق وتيرتها وتصاعد شدتها وضراوتها بشكل غير مسبوق.
- تضاعفت رقعة الأراضي المتأثرة بالجفاف منذ عام 1900.
- يتسبب الجفاف في وقوع أكثر من ثلث إجمالي الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية حول العالم.
- تتجاوز التكلفة المالية المتوسطة المترتبة على حدوث موجة جفاف واحدة اليوم ضعف التكلفة التي كانت تسجلها في عام 2000.
- 70% من إجمالي عمليات سحب المياه واستهلاكها على مستوى العالم تذهب بالكامل لقطاع الري والزراعة.
- 62% من الأحواض المائية الجوفية الخاضعة للمراقبة والرصد تشهد تراجعاً حاداً وانخفاضاً مستمراً في مناسيب مياهها.
- يمكن لكل 1 دولار أمريكي يُستثمر في الوقاية من الجفاف أن يحقق عوائد ومكاسب ملموسة تصل قيمتها إلى 10 دولارات أمريكية.

س: كيف يمكن لقطاع المياه أن يتحرك لمواجهة هذه التحديات؟
ج: يشكل هذا التقرير جرس إنذار موجه إلى كافة قطاعات المجتمع، وبوجه خاص إلى المعنيين في قطاع المياه. فالتصدي لهذه المشكلة يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة تفكيرنا وتعاملنا معها؛ أي الانتقال من مربع إدارة الأزمات القائمة على رد الفعل المتأخر، إلى مربع بناء وتعزيز الصمود والاستباقية.
علينا أن نغيّر الطريقة التي نعمل بها بالكامل؛ بمعنى أن نتوقف عن انتظار وقوع الأزمة، وأن نبدأ في بناء مقومات الصمود قبل أن تضربنا الأزمة وتداهمنا. وقد أمضت «ألمار» سنوات طويلة في تصميم منظومات المياه عبر قارات مختلفة، وأنا على قناعة راسخة بأن هذه اللحظة بالذات هي فرصة تاريخية لا نملك ترف إهدارها أو تفويتها.
فالطريقة التي نستجيب بها للجفاف اليوم هي التي ستحدد الملامح الأخلاقية والاقتصادية والبيئية لتماسك مجتمعنا وبنيته.
س: لقد ذكرتَ أن الجفاف قد تجاوز تعريفه التقليدي القديم. فكيف تبدل وتغير وجه هذا التهديد؟
ج: كان الجفاف في السابق يُصنف ويُدرج دوماً ضمن ملف القطاع الزراعي، بوصفه معضلة تؤرق المزارعين في عام عاصف وسيئ، ثم تنتهي آثارها بانتهائه. لكن هذا التوصيف لم يعد صحيحاً.
فالجفاف يضرب اليوم مفاصل وتفاصيل كل القطاعات الحيوية في وقت واحد وبشكل متزامن.
وتكفينا لغة الأرقام الصادمة الواردة في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتروي لنا فصول الحكاية؛ ذلك أن رقعة الأراضي المتأثرة بالجفاف قد تضاعفت مرتين منذ عام 1900، واليوم يرزح نحو 40% من سطح اليابسة بكوكبنا تحت وطأة موجات جفاف أكثر تلاحقاً وأشد قسوة وضراوة. وإذا ما استمرت وتيرة الاحترار العالمي في التسارع، فإن هذه الظواهر المناخية المتطرفة قد تتفاقم وتصبح أسوأ بمقدار يصل إلى 7 مرات في ظل سيناريو ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية.

س: هل يمكنك وضع التأثيرات الإنسانية والاقتصادية في سياقها المنظور والملموس؟
ج: من الناحية الإنسانية، فإن الأرقام الواردة في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صادمة بكل المقاييس؛ إذ يتسبب الجفاف في وقوع أكثر من ثلث إجمالي الوفيات المرتبطة بالكوارث، على الرغم من أنه لا يشكل سوى نحو 6% فقط من إجمالي الكوارث الطبيعية.
وفي عام 2021 وحده، تكبّد القطاع الزراعي في ولاية كاليفورنيا خسائر تجاوزت مليار دولار أمريكي. أما في القرن الأفريقي، فقد أدت خمسة أعوام متتالية من مواسم الأمطار الشحيحة إلى دفع 23 مليون شخص إلى براثن الجوع.
أما التداعيات غير المباشرة للجفاف، مثل انقطاع الكهرباء في السدود الكهرومائية، وعجز السفن عن العبور عبر قناة بنما، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، فلم تعد أحداثاً عارضة تقع بين حين وآخر، بل أصبحت تمثل ملامح ما بات يُعرف بـ«الوضع الطبيعي الجديد».
ولا يقل المشهد المالي قتامة عن ذلك؛ إذ تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط تكلفة موجة جفاف واحدة قد ارتفع إلى أكثر من ضعفي مستواه منذ عام 2000، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة إضافية لا تقل عن 35% بحلول عام 2035.
وهذه ليست سوى بعض نتائج النهج القاصر الذي اتبعناه في إدارة أنظمة المياه، والمتمثل في الاستجابة المتأخرة، والإدارة المجزأة داخل جزر معزولة ومنفصلة قطاعياً، وعدم تخصيص استثمارات كافية لبناء القدرة على الصمود.
تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن متوسط تكلفة موجة جفاف واحدة قد ارتفع إلى أكثر من ضعفي مستواه منذ عام 2000، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة إضافية لا تقل عن 35% بحلول عام 2035.
س: ما أبرز أوجه التناقض التي تراها في طريقة تعاملنا مع المياه؟
ج: هناك حقيقة أجد نفسي أعود إليها مراراً وتكراراً في عملي: لا شيء يفوق المياه أهمية، ومع ذلك ما زلنا نتعامل معها اقتصادياً كما لو كانت بلا قيمة تُذكر.
والأدلة على ذلك حاضرة في كل مكان؛ فقطاع الري والزراعة وحده يستأثر بنسبة 70% من إجمالي المياه التي نسحبها، ويذهب جزء كبير منها هباءً وأدراج الرياح نتيجة الهدر. كما أن مناسيب المياه الجوفية آخذة في الانخفاض والتراجع في 62% من الأحواض المائية الجوفية الخاضعة للمراقبة والرصد. وفي الوقت ذاته، ومع استمرار المدن في تغطية مساحات متزايدة من الأراضي بالطرق والمنشآت العمرانية، أصبحت مياه الأمطار عاجزة عن التغلغل مجدداً إلى باطن الأرض لتغذية هذه الطبقات الجوفية، وهي ظاهرة تتوسع بصمت في مختلف أنحاء الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
س: أين تكمن أوجه القصور في الأطر والسياسات الحالية؟
ج: لم تتمكن السياسات والتشريعات من مواكبة أي من هذه المتغيرات المتسارعة بعد. ففي أوروبا، لا تغطي الرسوم المفروضة على استخراج المياه من المنظومة المائية سوى ما بين 2% و3% من التكلفة الفعلية والمجحفة الناجمة عن شح المياه. ولا تزال دول كثيرة توزع المياه استناداً إلى حقوق مائية تاريخية صِيغت وجرى إقرارها منذ أجيال غابرة، وكأن المناخ لم يعد يتغير تحت أقدامها. ولا يمكن الاستمرار في إدارة وتشغيل منظومة مائية تحكمها قواعد بالية وعقيمة تتجاهل الواقع المادي والجغرافي المعاش.
س: ما الذي ينبغي أن يتغير إذن؟
ج: إن التحلي بالصراحة والشفافية المطلقة بشأن الأرقام الحقيقية، وإصلاح وتعديل آلية تسعير المياه، هما نقطتا البداية البديهيتان لأي إصلاح. ولكن في حقيقة الأمر، نحن بحاجة إلى إحداث تحول أكثر عمقاً. فنحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى المياه برمتها؛ والتعامل معها بوصفها مورداً ثميناً ينبغي رعايته والمحافظة عليه، لا مجرد مورد نستهلكه. وأن نترك قدراً كافياً من المياه في الأنهار والأراضي الرطبة حتى تظل قادرة على أداء وظائفها الحيوية والبيئية. فنحن نتعامل مع المياه اليوم باعتبارها مجرد مدخل إنتاجي يمكن شراؤه بالمال، بينما هي في الواقع جزء لا يتجزأ من البنية التحتية الأساسية والوجودية التي تضمن لنا الصمود والقدرة على مواجهة التحديات. وهذا الواقع لا بد أن يتغير.
س: يحمل تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نبرة تحذيرية جادة وصادمة، ومع ذلك فقد وصفتَ جزءاً من رسالته ومضمونه بأنه يبعث على الأمل والتفاؤل. لماذا؟
ج: نعم صحيح، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن التقرير لم يكتفِ بسرد قائمة طويلة وقاتمة من المشكلات، والأزمات، والمخاطر فحسب، بل إنه يرسم ويضع كذلك استراتيجيات ومسارات واضحة وجلية للتصدي لهذه المعضلات، وإحداث تحول شامل في الطريقة التي ندير بها المياه. والرسالة الجوهرية التي يحملها التقرير هي أن بناء القدرة على الصمود أمر ممكن وواقعي وليس مستحيلاً. لكن هذه القدرة لن تتحقق من خلال الحلول الهندسية وحدها، بغض النظر عن مدى أهمية الهندسة ومحوريتها بالقطع، وأقول ذلك وأنا مهندس وأدرك تماماً وزن هذه العبارة. فالأمر يتطلب تفكيراً تكاملياً مترابطاً، وتعاوناً وثيقاً بين قطاعات ومؤسسات لا تتواصل مع بعضها البعض في العادة، وقادة يمتلكون الشجاعة لاتخاذ قرارات حاسمة قد لا تحظى بشعبية كبيرة في مراحل مبكرة.
والإطار الذي تطرحه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ينسجم إلى حد بعيد مع الطريقة التي نعمل بها بالفعل: فهم المخاطر فهماً دقيقاً، وتقليص حجم التعرض لها، وبناء وتطوير القدرات والإمكانات اللازمة للاستجابة والتحرك الفوري عند وقوع الأزمة. وكل خطوة من هذه الخطوات تتطلب استثماراً حقيقياً، ليس في الجانب المالي والمادي فحسب، بل تتطلب كذلك قدراً كبيراً من الابتكار، وسعة الخيال، والابتكار الإبداعي حول كيفية صياغة الحلول وحل المشكلات من الأساس.
علينا أن نتوقف عن التعامل مع مسألة القدرة على الصمود باعتبارها مشكلة تخص طرفاً آخر أو عبئاً يمكن التهرب من تحمل تبعاته.
س: ما هي الجدوى الاقتصادية والمبررات الاستثمارية المقنعة لضخ الأموال في برامج تعزيز قدرة المنظومات المائية؟
ج: علينا أن نتوقف عن التعامل مع مسألة القدرة على الصمود باعتبارها مشكلة تخص طرفاً آخر أو عبئاً يمكن التهرب من تحمل تبعاته. فقد خلصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن كل دولار يُستثمر في برامج الوقاية من الجفاف يمكن أن يحقق عوائد ومكاسب ملموسة تصل قيمتها إلى 10 دولارات لاحقاً. وبالنسبة لقطاع الأعمال والشركات، فإن هذا الأمر ليس مجرد طرح نظري مجرد؛ بل يعني حرفياً التعرض لعدد أقل من الصدمات المفاجئة، وضمان تماسك واستمرارية سلاسل التوريد والإمداد، وكسب ثقة المجتمعات المحلية التي تمنحك الشرعية للعمل والإنتاج، فضلاً عن بناء قيمة اقتصادية راسخة ومستدامة.
س: هل تقتصر هذه المعضلة على قطاع المياه وحده؟
ج: لا، فقطاع المياه لا يستطيع حل هذه المعضلة وإصلاح هذا الخلل بمفرده. بل يتعين على الحكومات وضع أطر تنظيمية واضحة ومستقرة لا تتغير كل بضع سنوات، وتنسيق الحوافز الاستثمارية بشكل يجعل من هذه المشروعات مجدية وناجحة اقتصادياً، واستخدام التمويل العام لامتصاص جزء من المخاطر الأولية التي تواجه الاستثمارات الخاصة في البداية. وعلى الجانب الآخر، يتعين على البنوك والمستثمرين البدء في التعامل مع مخاطر المياه بوصفها بنداً حقيقياً ومؤثراً في ميزانياتها العمومية وقوائمها المالية. وعلى الصعيد الدولي، يجب أن يحظى الجفاف بمكانة مناسبة ضمن آليات تمويل التكيف المناخي، بطريقة تتسم بالتنظيم التام والعدالة والإنصاف تجاه الدول والبلدان الأكثر تضرراً والتي تتحمل العبء الأكبر لهذه الأزمة.
س: كيف يمكن إرساء مبادئ العدالة والإنصاف في إطار استراتيجية جادة وفعّالة لمواجهة الجفاف؟
ج: لا يمكن لأي استراتيجية أن تصمد أو تكتسب المصداقية ما لم نكن صريحين بشأن سؤال جوهري: من الذي يتحمل التكلفة؟ فالأفراد والمجتمعات الأكثر تضرراً وعرضة للإجهاد المائي هم في الغالب الأشد فقراً والأكثر تهميشاً، والمفارقة أنهم هم الأقل تسبباً في إحداث هذه المشكلة من الأساس. وتكفي الإشارة هنا إلى أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تسجل أعلى معدلات للوفيات الناجمة عن الجفاف عالمياً، كما أن العمال والمزارعين في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا غالباً ما يفتقرون إلى القدرة على الوصول لأبسط الوسائل والآليات الأساسية للتكيف.
إن تحقيق تحول عادل ومنصف لا يمكن أن يقتصر على ابتكار وتشييد منظومات مائية ذكية وعالية الكلفة تخدم المدن الثرية فحسب، بل يجب أن يعني أيضاً ضمان وصول مياه آمنة وموثوقة إلى المجتمعات التي لا تزال تفتقر إليها. كما يقتضي هذا التحول الإقرار بأن صحة الإنسان وصحة النظم البيئية الطبيعية ترتبطان ارتباطاً وثيقاً لا انفصام له؛ فالأراضي الرطبة والغابات والممرات والمجاري النهرية ليست عناصر هامشية أو مكونات يمكن الاستغناء عنها، بل تمثل منظومات حيوية تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على استقرار الأنظمة المائية واستمرارية الحياة.
إن تحقيق تحول عادل ومنصف لا يمكن أن يقتصر على ابتكار وتشييد منظومات مائية ذكية وعالية الكلفة تخدم المدن الثرية فحسب، بل يجب أن يعني أيضاً ضمان وصول مياه آمنة وموثوقة إلى المجتمعات التي لا تزال تفتقر إليها
س: لقد وصفتَ تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه «مرآة». فماذا تعكس لنا هذه المرآة، وما الذي ينبغي أن نفعله إزاء ذلك؟
ج: أصفه بأنه مرآة لأنه يكشف لنا واقعنا وحقيقتنا بدقة؛ فهو يُظهر مدى هشاشتنا في مواجهة التحديات، ويكشف في الوقت ذاته عما نحن قادرون على تحقيقه وإنجازه إذا ما امتلكنا الإرادة وقررنا التحرك. وأنا شخصياً أنظر إلى هذا التقرير من منظور ذاتي يمسني مباشرة؛ بوصفه صيحة تحذير ومهمة عمل ملحة يتعين إنجازها دون تراخٍ.
فإذا نجحنا في بناء قدرة حقيقية على الصمود المائي، فإن مكاسب ذلك ستتجاوز قطاع المياه لتنعكس إيجاباً على البشرية جمعاء؛ فالأمن الغذائي، وإنتاج الطاقة، والصحة العامة، وحتى الاستقرار الجيوسياسي العالمي، جميعها ترتكز بصورة أو بأخرى على توافر المياه وأمنها. ومع ذلك، لا نزال نتعامل مع هذه القضية وكأنها مشكلة مؤجلة، ونواصل ترحيلها إلى الغد رغم ما تنطوي عليه من تداعيات متزايدة.
إن ما نحتاج إليه اليوم هو توافق حقيقي بين الحكومات وقطاع الأعمال، وبين المهندسين وعلماء البيئة، وبين بلدان الشمال العالمي الأكثر ثراءً ودول الجنوب العالمي التي غالباً ما تقف وحدها في الخطوط الأمامية لمواجهة هذه التغيرات العاصفة. لقد بذل القائمون على التقرير جهداً مضنياً لتقديم رؤية واضحة وجلية للوضع الراهن. وسيكون من المؤسف أن ندير أنظارنا عنه بعد ذلك. إننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نواجه هذا الواقع بالاستسلام واليأس، أو أن نجابهه بالطموح، والعزيمة، والإصرار الصلب. وأنا أعرف تماماً أي الخيارين سأختار.
كيف ننتقل من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى مرحلة بناء القدرة على الصمود بصورة استباقية؟
تعكس التكلفة المتصاعدة للجفاف أوجهاً أعمق من القصور في الآلية التي يجري بها استشراف مخاطر المياه وتسعيرها وإدارتها وحوكمتها. ولا يزال تشييد البنى التحتية للمياه وتحديثها يمثل ضرورة لا غنى عنها. غير أن تحقيق تقدم حقيقي ومستدام على المدى الطويل يظل رهناً بالتعامل مع قضية المرونة والصمود بوصفها ركيزة استثمارية جوهرية ومحورية، وليس مجرد فكرة ثانوية أو هامشية تطرح بعد فوات الأوان. ويتحقق ذلك عبر دمج التدفقات البيئية والطبيعية، وإصلاح وتطوير آليات تقييم المياه وتسعيرها، وحشد وتوجيه مصادر التمويل العامة والخاصة والدولية لدعم جهود الوقاية والاستباقية.
وكما يوضح كارلوس كوسين في سياق حديثه أعلاه، فإن المعطيات والاعتبارات الاقتصادية باتت تنحاز بشكل متزايد ومطرد لصالح التحرك والتدخل المبكر؛ نظراً لأن كل دولار واحد يتم استثماره وضخه في برامج الوقاية من الجفاف يثمر عن عوائد ومكاسب ملموسة تصل قيمتها إلى 10 دولارات في صورة خسائر وأضرار كارثية يمكن تجنبها. ومع اشتداد الضغوط والاضطرابات المناخية وتسارع وتيرتها، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان تعزيز القدرة على الصمود أمراً ممكناً، بل ما إذا كانت الحكومات وقطاعات الصناعة ومؤسسات التمويل قادرة على الانتقال من إدارة الجفاف باعتباره حالة طوارئ متكررة إلى بناء منظومات تُصمم منذ البداية لتتحمل الصدمات وتقاوم آثارها وتزداد قدرة على الصمود بمرور الوقت.
مخاطر الجفاف عالمياً: خمس حقائق سريعة
ما حجم الأراضي المتأثرة بالجفاف على مستوى العالم؟
تضاعفت رقعة الأراضي المتأثرة بالجفاف منذ عام 1900، وبات نحو 40% من إجمالي سطح اليابسة في كوكبنا يشهد حالياً موجات جفاف تتسم بتلاحق وتيرتها وتصاعد شدتها بشكل غير مسبوق.
ما مدى فداحة الجفاف مقارنة بالكوارث الطبيعية الأخرى؟
يتسبب الجفاف في وقوع أكثر من ثلث إجمالي الوفيات الناجمة عن الكوارث حول العالم، على الرغم من أنه لا يشكل سوى نحو 6% فقط من إجمالي الكوارث الطبيعية المسجلة.
هل أصبحت التأثيرات الاقتصادية المترتبة على الجفاف أكثر كلفة؟
نعم، وبشكل ملحوظ؛ إذ تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التكلفة المالية المتوسطة المترتبة على حدوث موجة جفاف واحدة قد تضاعفت بأكثر من المرتين منذ عام 2000، ومن المتوقع أن ترتفع بنسبة لا تقل عن 35% أخرى بحلول عام 2035.
ما حجم المياه التي يستهلكها الري الزراعي؟
تستأثر عمليات الري بنحو 70% من إجمالي سحب المياه واستهلاكها على مستوى العالم، وغالباً ما يتم ذلك بطرق غير كفوءة وتتسم بالهدر، في وقت تشهد فيه مناسيب المياه الجوفية تراجعاً وانخفاضاً مستمراً في 62% من الأحواض المائية الجوفية الخاضعة للمراقبة والرصد.
هل تؤتي جهود الوقاية ثمارها وتضمن تحقيق جدوى اقتصادية؟
وفقاً لمعطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن كل دولار أمريكي واحد يتم استثماره وضخه في برامج الوقاية من الجفاف يمكن أن يحقق عوائد ومكاسب ملموسة تصل قيمتها إلى 10 دولارات على المدى الطويل.
أُضيفت إلى الملف الصحفي