مع اشتداد الضغوط المناخية والسكانية، تفتح التقنيات الحديثة آفاقاً جديدة لإنتاج الغذاء وإدارة المياه، في مسار يجمع بين الابتكار والاستدامة ضمن جهد مشترك لحماية مستقبل كوكبنا.

وتكتسب هذه التحولات أهمية متزايدة مع تصاعد الضغوط التي يتعرض لها الماء والغذاء، وهما أساس الحياة. ففي مختلف أنحاء العالم، تضع التغيرات المناخية والنمو السكاني وهشاشة سلاسل الإمداد الأنظمة التي تعتمد عليها حياتنا أمام تحديات متزايدة الصعوبة. ولم تعد هذه القضايا مجرد مخاوف مستقبلية أو افتراضات نظرية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يتكشف من حولنا اليوم، ويعيد تشكيل مستقبل المجتمعات والاقتصادات على حد سواء.

غير أن التحديات كثيراً ما تكون حافزاً للابتكار. واليوم، نشهد تحولاً عميقاً في الطريقة التي نفكر بها في أهم موارد العالم وفي أساليب إدارتها. فمن التحليلات التنبؤية التي تساعد على استشراف موجات الجفاف قبل حدوثها، إلى الزراعة الدقيقة التي تتيح رعاية المحاصيل باستخدام جزء يسير من كميات المياه التي كانت تحتاج إليها في السابق، تمنحنا التكنولوجيا أدوات جديدة للعمل مع الطبيعة لا في مواجهتها.

والأهم أن إحراز تقدم حقيقي يتطلب النظر إلى الغذاء والمياه لا باعتبارهما قضيتين منفصلتين، بل منظومة واحدة مترابطة يعتمد كل عنصر فيها على الآخر، ويمكن للتصميم الذكي أن يجعلها أكثر مرونة وكفاءة وإنصافاً. وتؤدي التكنولوجيا دوراً محورياً في هذا التحوّل، لكنها لا تكفي وحدها؛ فالأمر يتطلب أيضاً استشرافاً للمستقبل، وتعاوناً، وإحساساً بالمسؤولية، بما يضمن أن يظل الابتكار في خدمة الإنسان، لا مجرد أداة لتعزيز الكفاءة. ومن خلال الجمع بين العلم والسياسات والغاية، يمكننا إحداث تحول حقيقي في الطريقة التي ينتج بها العالم غذاءه ويحافظ بها على مقومات استدامته، بما يكفل للأجيال القادمة كوكباً أكثر صحة واستدامة.

لماذا ينبغي النظر إلى الغذاء والمياه بوصفهما منظومة واحدة مترابطة؟

في ظل هذه الضغوط المتزايدة، تزداد الحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي ننتج بها الغذاء ونستهلك بها المياه. فمع توقع اقتراب عدد سكان العالم من 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، يُرجح أن يرتفع الطلب على الغذاء بنحو 60%. [1] وإذا استمر العالم في تلبية هذا الطلب بالأساليب الحالية، فسيضع ذلك موارد المياه الشحيحة أصلاً تحت ضغوط تتجاوز حدود الاستدامة. وتبرز خطورة هذا التحدي إذا ما علمنا أن الزراعة وحدها تستحوذ على نحو 70% من إجمالي المياه العذبة المسحوبة عالمياً، فيما ترتفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى في كثير من المناطق، ولا سيما في أفريقيا. [2]

ويزداد هذا التحدي تعقيداً بفعل تغير المناخ؛ إذ يسهم إنتاج الغذاء بنحو ثلث انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً [3]، في وقت يؤدي فيه ارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع موارد المياه وزيادة صعوبة التنبؤ بمدى توافرها. وفي المقابل، أصبحت الظواهر الجوية المتطرفة من أبرز أسباب تلف المحاصيل في مختلف أنحاء العالم. وهكذا تتشكل حلقة متداخلة من التأثيرات المتشابكة، تهدد استقرار النظم البيئية والاقتصادات على حد سواء.

ومن هنا، ينبغي أن يستند النهج المتكامل لإدارة منظومة الغذاء والمياه إلى فهم عميق للترابط الوثيق بينهما، بما يتيح استباق التداعيات، والموازنة بين الاحتياجات المتنافسة، وتصميم أنظمة أكثر مرونة وقدرة على الصمود. فالأنظمة الغذائية تستحوذ بالفعل على ما يقرب من ثلاثة أرباع سحوبات المياه العذبة عالمياً، في حين يُتوقع أن يرتفع إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 70% بحلول منتصف القرن. [4] ومن دون إدارة أكثر ذكاءً لهذا الترابط، سيكون من الصعب مواصلة هذا المسار على نحو مستدام.

ولا يقتصر هذا التكامل على البعد التقني وحده، بل يكتسب أيضاً بُعداً أخلاقياً بالغ الأهمية. فالمشهد العالمي يكشف عن تفاوتات حادة وأوجه صارخة من عدم المساواة؛ ففي بعض المناطق، تتوافر فوائض غذائية وتتزايد كميات الطعام المهدَر، بينما تعاني مناطق أخرى نقصاً حاداً في الغذاء. وفي حين تواجه بعض الدول ارتفاعاً في معدلات السمنة، لا تزال دول أخرى تعاني سوء تغذية متوطناً. وهنا تبرز أهمية الأنظمة الذكية، بما توفره من أدوات تساعد على توجيه الموارد بكفاءة أكبر إلى المناطق والفئات الأشد احتياجاً، وربط الاحتياجات المحلية برؤية عالمية أكثر شمولاً.

هل يمكن للتكنولوجيا أن تجعل أنظمة الغذاء والمياه أكثر ذكاءً بالفعل؟

تعيد التكنولوجيا اليوم تشكيل الطريقة التي نفهم بها مواردنا الطبيعية ونديرها بوتيرة متسارعة. فالذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات، وأجهزة الاستشعار الرقمية تمنحنا قدرات غير مسبوقة على جمع المعلومات وتحليلها، بما يكشف أنماطاً كانت خفية من قبل، ويساعد على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

فعلى سبيل المثال، تساعد النماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي المزارعين على التنبؤ بمعدلات هطول الأمطار، وتحسين إدارة الري، وزيادة إنتاجية المحاصيل. كما تتيح الطائرات المسيّرة وصور الأقمار الاصطناعية إجراء تقييمات تفصيلية وفورية لحالة التربة والمحاصيل. وفي مجال إدارة المياه، يمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة الاستهلاك، واكتشاف التسربات، وتقدير مخاطر التلوث، بما يساعد على استخدام الموارد المائية بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. [5]

وتقوم الفكرة على مبدأ بسيط: كلما أصبحت الأنظمة قادرة على استشعار المتغيرات من حولها، والتعلم منها، والاستجابة لها، ازدادت قدرتها على التكيف. وتساعد هذه القدرات الذكية على تقليل الهدر، وترشيد استهلاك الطاقة، وتعزيز قدرة الأنظمة على الصمود، وهي متطلبات أساسية لمستقبل أكثر استدامة. ولا يقل عن ذلك أهمية الدور الذي تؤديه هذه التقنيات في تعزيز التعاون؛ فمن خلال ربط أجهزة الاستشعار وقواعد البيانات والنماذج التحليلية عبر الحدود الوطنية، يمكن تحويل البيانات والمعرفة إلى أساس مشترك للتعاون العالمي من أجل الاستدامة.

ففي الهند، على سبيل المثال، توفر شبكة من «محطات الطقس الزراعية» المدعومة بالذكاء الاصطناعي تنبؤات جوية فائقة الدقة على المستوى المحلي لصغار المزارعين، ما يساعدهم على تحديد أنسب مواعيد الزراعة والحصاد، ويرفع إنتاجية المحاصيل بنسبة قد تصل إلى 30%. وفي الولايات المتحدة، تساعد التحليلات القائمة على البيانات شركات ومرافق المياه والطاقة على تقليل فاقد المياه وخفض استهلاك الطاقة على امتداد شبكاتها.

وفي أنحاء مختلفة من العالم، تقدم مشروعات رائدة نماذج ملموسة لما يمكن أن تتيحه هذه التقنيات. ففي حوض نهر ليمبوبو بجنوب أفريقيا، حيث تجف أجزاء من النهر لما يصل إلى 70% من العام، يجمع مشروع تعاوني بين النمذجة ثلاثية الأبعاد، وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء، والمساعدين الافتراضيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي، لمراقبة تدفقات المياه والتنبؤ بمستويات توافرها. ويسهم هذا النهج القائم على البيانات في تعزيز التعاون بين الدول التي تتقاسم الحوض، بما يحول التنافس على الموارد إلى تعاون في إدارتها. [6]

وفي الأرجنتين، تساعد منصة «مبادرة الزراعة المستدامة» (SAI)، وهي تحالف عالمي يضم قرابة 200 منظمة، مزارعي الفول السوداني على التكيف مع الجفاف من خلال تبني ممارسات زراعية تجديدية. [7] وفي الصين، تدعم الشبكة نفسها جهود الحكومة الرامية إلى بلوغ ذروة الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030، وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، من خلال برامج للزراعة المستدامة. [8]

وفي كوستاريكا، إحدى أبرز الدول المصدّرة للموز عالمياً، تُستخدم حزم البيانات لدمج معلومات المناخ والتربة والآفات مع البيانات السوقية والمالية، بما يساعد على تعزيز قدرة هذا القطاع على مواجهة الصدمات المناخية والتكيف معها. [9]

وعلى الرغم من اختلاف هذه النماذج، فإنها جميعاً تشير إلى حقيقة واحدة واضحة: كلما اتسع نطاق تبادل المعرفة، أصبحت الأنظمة أكثر استدامة. فالأنظمة الذكية لا تقوم على توظيف التكنولوجيا فحسب، بل على تمكين الأفراد والمجتمعات أيضاً، من خلال إتاحة معلومات موثوقة وآنية تساعد المجتمعات المحلية وصنّاع السياسات على اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب.

كيف نضمن أن يكون الابتكار شاملاً ومنصفاً؟

ينبغي ألا تقتصر فوائد الأنظمة الذكية على الجهات القادرة على تحمل تكاليف تطبيقها. ولهذا تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أهمية إتاحة البيانات الزراعية بصورة مفتوحة وسهلة الوصول، حتى يتمكن المزارعون في الدول النامية من الاستفادة من المزايا نفسها التي تستفيد منها الشركات الزراعية الكبرى. [10]

وفي هذا السياق، اقترح المنتدى الاقتصادي العالمي «إطار حزم البيانات»، وهو نموذج يجمع بين تقنيات متعددة وأطراف مختلفة ضمن منظومة موحدة قابلة للتكامل والتشغيل البيني. [11] ومن خلال الربط بين البيانات المحلية والتحليلات العالمية، يمكن لهذا الإطار أن يساعد الحكومات والباحثين والمنتجين على تنسيق قراراتهم بشأن إدارة الغذاء والمياه. والهدف هو إنشاء منظومة رقمية مشتركة تقوم على الشفافية وسهولة الوصول إلى البيانات، بما يدعم التقدم الجماعي ويفتح «مساراً واضحاً نحو قرارات أفضل، وقدرة أكبر على الصمود، واستدامة تمتد إلى الأجيال القادمة».

ويحدد المنتدى الاقتصادي العالمي أربع أولويات رئيسية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي:

  1. إنشاء بنية تحتية مفتوحة للبيانات، تراعي الاحتياجات والظروف المحلية.
  2. الاستفادة من أدوات التمويل المبتكرة والأسواق القائمة على الطبيعة.
  3. بناء شراكات تجمع مختلف أصحاب المصلحة ضمن إطار مشترك.
  4. تصميم أطر تنظيمية مرنة وقابلة للتكيف، بما يضمن قدرة الابتكار على مواكبة متطلبات المستقبل.

وتضمن هذه المسارات أن يسهم الذكاء في تعزيز القدرة على الصمود، لا في تعميق أوجه عدم المساواة.

هل تستطيع الأطر التنظيمية ومعايير المسؤولية مواكبة الابتكار؟

رغم ما تتيحه التكنولوجيا من آفاق استثنائية، فإنها تفرز في الوقت نفسه مخاطر جديدة. وتحذر لجنة الأمن الغذائي العالمي التابعة للأمم المتحدة من أن التسارع الكبير في «ثورة البيانات» قد يؤدي إلى اتساع الفجوات العالمية إذا ظل الوصول إلى الأدوات الرقمية متفاوتاً. ومن ثم فإن الحد من هذه المخاطر يتطلب اعتماد أطر تنظيمية استباقية، ووضع معايير أخلاقية واضحة، وتعزيز التعاون الدولي. [12]

ويعكس التطور المتسارع لقاعدة البيانات التشريعية «فاوليكس» (FAOLEX) التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة، والتي يُضاف إليها نحو 8,000 سجل جديد سنوياً، مدى سرعة تطور الأطر التنظيمية ومعايير الحوكمة. فالحكومات مطالبة، على نحو متزايد، بمتابعة استخدام المياه، وضمان سلامة الغذاء، ورصد الآثار البيئية، والتحقق من الالتزام بالمتطلبات الرقمية، مع الحرص في الوقت نفسه على أن يظل الابتكار داعماً لحقوق الإنسان والحفاظ على التوازن البيئي.

ولكي تكون الأطر التنظيمية فعّالة حقاً، فلا يكفي أن تستجيب للتغيير بعد وقوعه، بل ينبغي أن تستشرفه. ومع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي واتساع نطاق الاعتماد على الأنظمة الآلية في اتخاذ القرارات، يبرز أمام الحكومات سؤال جوهري يتعلق بتحديد المسؤولية. بمعنى، من يتحمل المسؤولية عندما تؤثر خوارزمية في قرارات أو نتائج تمس حياة ملايين الأشخاص؟ ومن هنا، يصبح ضمان الشفافية في طرق جمع البيانات وتحليلها واستخدامها أمراً أساسياً للحفاظ على ثقة الجمهور.

وهنا تبرز التكنولوجيا بوصفها أداة أساسية لفك هذا التعقيد وإدارته بقدر أكبر من الكفاءة. فبرنامج «إس جي إس ديجي كومبلاي» (SGS Digicomply) يستخدم تقنيات متقدمة للذكاء الاصطناعي لمسح قواعد البيانات التنظيمية العالمية، وتتبع التغييرات التي تطرأ على القواعد واللوائح في مختلف الاختصاصات القضائية، وتنبيه المؤسسات إلى متطلبات الامتثال وما قد يطرأ عليها من مستجدات. وبالمثل، تبرز تقنية البلوكتشين بوصفها أداة فعالة لتعزيز إمكانية تتبع المنتجات الغذائية، بما يتيح للمستهلكين والجهات التنظيمية التحقق فوراً من منشأ المنتجات وسلامتها. وللقطاع الخاص أيضاً دور يؤديه؛ إذ يتجه منتجو الأغذية وشركات التكنولوجيا الزراعية بصورة متزايدة إلى اعتماد أطر طوعية للاستدامة تتجاوز الحد الأدنى للمتطلبات التي تفرضها القوانين، استجابةً لتنامي مطالب المستثمرين والمستهلكين بمزيد من الشفافية والمساءلة.

أما بالنسبة للمستثمرين، فإن وضوح الأطر التنظيمية يوفر مستوى الثقة اللازم لتمويل التقدم على المدى الطويل. وكما توضح شركة «شرودرز» للاستثمار في تقريرها «آفاق الاستثمار في أنظمة الغذاء المستدامة» [13]: «نحن لا نبني قراراتنا الاستثمارية على مجرد الأمل في أن تؤدي لوائح تنظيمية غير مؤكدة إلى زيادة أرباح الشركات». بل ترى الشركة أن تشديد الأطر التنظيمية ينبغي النظر إليه بوصفه تطوراً إيجابياً؛ إذ تشير الاتجاهات الحالية إلى أن نظام الغذاء العالمي وحده قد يستنفد كامل الميزانية الكربونية المتبقية للعالم إذا أريد حصر ارتفاع درجات الحرارة بين 1.5 و2 درجة مئوية، ما يجعل إصلاح هذا النظام أمراً حتمياً وضرورياً في آن واحد.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي النظر إلى الأطر التنظيمية الفعّالة بوصفها قيداً على التقدم، بل باعتبارها الأساس الذي يهيئ للابتكار أن ينمو ويتطور على نحو مسؤول. فمن خلال إرساء أطر واضحة ومستقرة، يستطيع صنّاع السياسات تحفيز الاستثمار في تقنيات تحقق فوائد ملموسة وقابلة للقياس، لا على مستوى الإنتاجية فحسب، بل أيضاً في مجالي الاستدامة والعدالة الاجتماعية.

كيف يمكن للاستثمار أن يسرّع الانتقال إلى أنظمة أكثر ذكاءً؟

ويقترن الابتكار دائماً بالقدرة على جذب الاستثمار، وتبدو المؤشرات في هذا المجال مشجعة. فمن المتوقع أن تصل قيمة السوق العالمية للذكاء الاصطناعي في قطاع تكنولوجيا الغذاء إلى 27.7 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، مع معدل نمو سنوي يتجاوز 34%. [14] وفي الوقت نفسه، يتزايد توجه رؤوس الأموال الخاصة نحو الشركات التي تمزج بين الاستدامة والتكنولوجيا، مدفوعةً بما تتيحه من فرص للاستثمار في حلول تجعل الزراعة أكثر كفاءة وشفافية ومرونة في مواجهة آثار تغير المناخ.

وتسير المؤسسات العامة في الاتجاه نفسه. فالبنك الدولي بات يضع إدارة الغذاء والمياه والأراضي في صميم استراتيجيته للتحوّل المناخي. ومنذ اتفاق باريس لعام 2015، ضاعف البنك تمويله للزراعة الذكية مناخياً ثمانية أضعاف، ليصل إلى نحو 3 مليارات دولار أمريكي سنوياً. [15]

وسيكون التعاون بين القطاعين العام والخاص عاملاً حاسماً في هذا المسار. وكما تشير مجموعة «آي سي إل» (ICL): «تبرز تكنولوجيا الغذاء بوصفها مفتاحاً لمواجهة هذه التحديات، إذ تجمع بين الابتكار والاستدامة لبناء أنظمة غذائية أكثر قدرة على الصمود». [16] وسيحدد العقد المقبل ما إذا كان بوسعنا توسيع نطاق هذه الحلول بالسرعة الكافية لتلبية الطلب العالمي، من دون إلحاق مزيد من الضرر بالبيئة التي تقوم عليها حياتنا.

كيف تسهم عائلة جميل في رسم ملامح مستقبل أكثر ذكاءً؟

تستثمر عائلة جميل في طيف واسع من المبادرات حول العالم وتدعمها، في إطار جهودها الرامية إلى تطوير أنظمة أكثر ذكاءً للغذاء والمياه.

ويُعد معمل عبد اللطيف جميل للماء والغذاء (J-WAFS) أحد أبرز هذه المبادرات، وقد تأسس من خلال شراكة بين مجتمع جميل ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، واحتفل في عام 2025 بمرور 10 أعوام على انطلاقه، مؤكداً من خلال مسيرته أن الجمع بين التقدم العلمي والبعد الإنساني يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لمواجهة بعض من أكثر التحديات إلحاحاً وتعقيداً على مستوى العالم. فمنذ تأسيسه، دعم المعمل أكثر من 100 مشروع بحثي يهدف إلى تحسين سلامة أنظمة الغذاء والمياه وتعزيز استدامتها وقدرتها على الصمود، وجذب تمويلاً بملايين الدولارات، فيما أسهمت مخرجاته البحثية في دعم السياسات وصنع القرار في عدد من دول العالم.

وتتنوع ابتكارات المعمل بين تطوير محاصيل قادرة على تحمل الجفاف، وتقنيات منخفضة استهلاك الطاقة لتنقية المياه، وتسخير الذكاء الاصطناعي لتحسين سلاسل الإمداد. ومن أكثر مبادراته طموحاً جهاز لاستخلاص المياه من الغلاف الجوي، قادر على إنتاج مياه نظيفة مباشرة من الهواء، حتى في البيئات القاحلة، من دون الحاجة إلى مصدر خارجي للطاقة. وعند اختباره في وادي الموت بولاية كاليفورنيا، نجح الجهاز في استخلاص كميات من المياه تفوق ما حققته أجهزة مماثلة، سواء تلك التي تعمل من دون طاقة أو التي تعتمد على مصادر طاقة خارجية. [17]

وفي الهند، أطلق المعمل مشروعاً يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية، وصور الشوارع، وتقنيات التعلم العميق لإعداد خرائط عالية الدقة لأنواع المحاصيل، بدقة مكانية تصل إلى 10 أمتار، بما يخدم 125 مليوناً من صغار المزارعين. وتساعد هذه الخرائط الدقيقة صنّاع السياسات والمهندسين الزراعيين ومقدمي الخدمات المحلية على تحديد أنواع المحاصيل المزروعة، وأماكن زراعتها، وتوقيتاتها بدقة أكبر، بما يوفر رؤية أكثر آنية لدورات المحاصيل، والتغيرات في قرارات المزارعين بشأن ما يزرعونه، والاتجاهات الأوسع في القطاع الزراعي. ومن شأن هذه المعلومات أن تسهم في توجيه الموارد إلى المزارعين بصورة أكثر كفاءة، بما يدعم زيادة الإنتاجية، وتعزيز استقرار الدخل، وتحسين القدرة على الصمود. [18]

كما يتعاون مجتمع جميل مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)، وهو مركز بحثي عالمي يعمل على الحد من الفقر من خلال تعزيز السياسات القائمة على الأدلة العلمية. ومن بين برامجه العديدة، تتعاون مختبرات الهواء والمياه التابعة له بشكل وثيق مع الجهات الحكومية لتطوير حلول قائمة على الأدلة لأكثر تحديات الهواء والمياه إلحاحاً في أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا. وبالمثل، تساعد معامل جميل سي 40 للتخطيط العمراني المناخي المدن سريعة النمو، ومنها تشيناي في الهند وعمّان في الأردن، على دمج التدابير المناخية في خططها للتنمية الحضرية. وتهدف هذه المختبرات إلى تطوير مخططات المدن بما يتماشى مع الأهداف المناخية، وإنشاء مناطق حضرية مستدامة ومنخفضة الكربون يمكن أن تشكل نماذج تحتذي بها مدن أخرى.

ومن مبادرات مجتمع جميل أيضاً «مرصد جميل»، وهو منصة عالمية تعمل عند تقاطع قضايا المناخ والكوارث الطبيعية والأنظمة الزراعية والغذائية والصحة، مع تركيز خاص على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويوظف المرصد البيانات والأدلة العلمية لمساعدة المجتمعات والحكومات على الاستعداد للصدمات البيئية والتصدي لها، والحد من آثار تغير المناخ في سبل العيش والرفاه. وتشمل برامجه الحالية «مرصد جميل للتدابير الاستباقية في مجال الأمن الغذائي»، بقيادة جامعة إدنبرة، و«شبكة مرصد جميل لأنظمة الإنذار المبكر وتعزيز الصمود المناخي» (Jameel Observatory-CREWSNet)، بقيادة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT).

وتجسد هذه البرامج الإمكانات الكبيرة التي يتيحها الجمع بين التميز البحثي والعمل الخيري الهادف في تسريع وتيرة التقدم وتوسيع أثره المجتمعي. فالاستثمار في مثل هذه المبادرات لا يثمر تقنيات جديدة فحسب، بل يسهم أيضاً في تمكين الأجيال القادمة وبناء مجتمعات أكثر قدرة على النمو والازدهار.

هل يمكننا بناء أنظمة ذكية من دون استنزاف موارد كوكبنا؟

مع التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة المعتمدة على البيانات، تبرز ضرورة الانتباه إلى الكلفة البيئية التي ترافق هذا التحول. فالبنية التحتية التي تدعم الابتكار الرقمي، من مراكز البيانات الضخمة والخوادم عالية الاستهلاك للطاقة إلى سلاسل الإمداد المعقدة للمواد الأرضية النادرة، تفرض بدورها أثراً بيئياً لا يمكن تجاهله. ولهذا يحذر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن حلول الذكاء الاصطناعي المستقبلية يجب أن تُبنى على أسس تجعل الاستدامة جزءاً أصيلاً من تصميمها، بما يساعد على خفض استهلاك الطاقة وتعزيز مبادئ الاقتصاد الدائري. [19] ومن ثم، تصبح الموازنة بين الابتكار والمسؤولية شرطاً أساسياً للمضي قدماً. فالأنظمة الذكية لا ينبغي أن تمكّننا من الإنتاج بكفاءة أكبر فحسب، بل أن تساعدنا أيضاً على الاستهلاك بقدر أكبر من الوعي، عبر إعادة استخدام الموارد وتدويرها، والحد من الهدر، ودعم تجدد الموارد الطبيعية التي تقوم عليها الحياة.

وتوفر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة إطاراً واضحاً لتوجيه هذه الجهود. فالهدف 2 يدعو إلى القضاء على الجوع وتعزيز الزراعة المستدامة، فيما يسعى الهدف 6 إلى ضمان إتاحة المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي للجميع، ويركز الهدف 13 على مكافحة تغير المناخ، بينما يستهدف الهدف 3 تحسين الصحة والرفاه. كما تتأثر بصورة غير مباشرة أهداف أخرى عديدة ترتبط بالطاقة النظيفة، والتعليم والمهارات، والنمو المسؤول، نتيجة التحديات التي نواجهها في إدارة أنظمة الغذاء والمياه. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تعزيز التعاون والشراكة، وتسخير الابتكار التقني، إلى جانب تبني رؤية أخلاقية قادرة على توجيه هذا التقدم بما يخدم الإنسان والكوكب.

وفي المحصلة، علينا أن ندرك أن مستقبلنا لا يتحدد بما نبنيه فحسب، بل بالطريقة التي نختار أن نبني بها هذا المستقبل. ويكمن التحدي الحقيقي في أن نضمن توظيف الذكاء، بكل أشكاله، لخدمة غاية إنسانية أسمى: حماية الحياة وصون توازنها مع الكوكب الذي يحتضنها. وإذا ما أحسنا توجيه هذا الذكاء بروح من التعاطف والنزاهة، فقد يتحول عالم يجمع بين الأمن الغذائي والاستدامة من طموح بعيد إلى واقع ممكن نعيشه ونورثه للأجيال القادمة.

أنظمة الغذاء والمياه الذكية: خمس حقائق سريعة

س: ما مقدار الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي على الغذاء بحلول عام 2050؟

ج: نحو 60%، مع اقتراب عدد سكان العالم من 10 مليارات نسمة، ما سيضع موارد المياه الشحيحة أصلاً تحت ضغوط تتجاوز حدود الاستدامة.

س: ما حصة الزراعة من إجمالي المياه العذبة المسحوبة عالمياً؟

ج: نحو 70%، وترتفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى في مناطق عديدة من أفريقيا.

س: ما نسبة انبعاثات غازات الدفيئة العالمية الناتجة عن إنتاج الغذاء؟

ج: يسهم إنتاج الغذاء بنحو ثلث إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى العالم.

س: ما معدل النمو المتوقع للسوق العالمية للذكاء الاصطناعي في تكنولوجيا الغذاء؟

ج: يُتوقع أن تصل قيمة السوق إلى 27.7 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 34%.

س: كم مشروعاً بحثياً دعم معمل عبد اللطيف جميل لأنظمة الماء والغذاء (J-WAFS) خلال عقده الأول؟

ج: أكثر من 100 مشروع بحثي يهدف إلى تعزيز سلامة أنظمة الغذاء والمياه واستدامتها وقدرتها على الصمود حول العالم

 

[1] https://www.weforum.org/stories/2024/06/renovation-reinvention-food/

[2] https://www.fao.org/aquastat/en/overview/methodology/water-use

[3] https://www.nature.com/articles/s43016-021-00225-9

[4] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Food_and_Water_Systems_in_the_Intelligent_Age_2024.pdf

[5] https://acuvate.com/blog/data-driven-approaches-for-sustainable-water-management/

[6] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Food_and_Water_Systems_in_the_Intelligent_Age_2024.pdf

[7] https://saiplatform.org/our-work/news/building-resilience-in-the-argentinian-peanut-sector/

[8] https://saiplatform.org/wp-content/uploads/2025/05/sai-platform_annualreport-2024_in-brief.pdf

[9] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Food_and_Water_Systems_in_the_Intelligent_Age_2024.pdf

[10] https://www.weforum.org/stories/2025/01/food-water-security-intelligent-age/

[11] https://reports.weforum.org/docs/WEF_Food_and_Water_Systems_in_the_Intelligent_Age_2024.pdf

[12] https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/c3163e00-9655-43d1-991a-acc82717cbdf/content

[13] https://www.schroders.com/en-bm/bm/professional/insights/how-the-food-water-system-is-moving-into-the-policy-spotlight/

[14] https://www.thebusinessresearchcompany.com/report/artificial-intelligence-ai-in-foodtech-global-market-report

[15] https://www.worldbank.org/en/topic/climate-smart-agriculture

[16] https://www.icl-group.com/blog/hadar-sutovskys-vision-for-the-future-of-food-tech/

[17] https://jwafs.mit.edu/projects/2024/high-efficiency-atmospheric-water-harvesting-enabled-vibrational-actuation

[18] https://jwafs.mit.edu/projects/2024/national-crop-type-maps-india-using-deep-learning-and-street-view-imagery

[19] https://www.weforum.org/stories/2025/01/food-water-security-intelligent-age/